لماذا لا نتعاطف مع إيران في خلافها مع أمريكا؟

لماذا لا نتعاطف مع إيران في خلافها مع أمريكا؟

الصورة
حاملة طائرات تابعة للجيش الأميركي (إنترنت)
17 أيار 2019

ماجد عزام

باحث وإعلامى من فلسطين

تشهد منطقة الخليج العربي منذ أيام أجواء حرب بين أمريكا وإيران؛ يتعلق الأمر بإرسال أمريكا تعزيزات عسكرية ضخمة بينها حاملة طائرات، بينما لا تتوقف إيران عن التهديدات الكلامية ورفع سقف الخطاب مع عمليات تفجير لسفن ومنشآت نفطية في الإمارات والسعودية غالباً تقف خلفها ميليشيا الحرس الثوري - كما قال صحفيون إيرانيون مقربون منه - دون أن تجرؤ  طبعاً على استهداف أمريكا مباشرة لا في العراق ولا في سوريا..

لا مجال أبداً للتعاطف مع إيران في هذه الأزمة، كما في أي حرب محتملة قادمة كونها قدمت دعما مباشرا لأمريكا في غزوها واحتلالها وتدميرها لأفغانستان والعراق، وتلقت المقابل عبر الدعم الأمريكي المباشر والضمني للتوسع والهيمنة واحتلال أربع عواصم عربية كما يتبجح قادتها الآن، ويبدو من العدل أن تشرب من نفس الكأس بعدما أوقعته من تدمير متعمد في أفغانستان والعراق وسوريا واليمن ولبنان، من أجل أوهام السيطرة والهيمنة، وثارات التاريخ كما لا يخفي القادة الإيرانيون أنفسهم مع إبداء الاحترام الواجب واللازم تجاه الشعب الإيراني المغلوب على أمره، الذي يستحق بالتأكيد نظاماً أفضل وحياة أفضل من تلك البائسة التي يعيشها الآن تحت حكم المستبدين المهووسين بالسيطرة والهيمنة الذهنية الاستعمارية، المتجهين شيئاً فشيئاً نحو نموذج كوريا الشمالية حيث ترسانة الأسلحة لكن دون توفير القمح والخبز والحياة الكريمة للناس.

لا مجال أبداً للتعاطف مع إيران في هذه الأزمة، كما في أي حرب محتملة قادمة كونها قدمت دعما مباشرا لأمريكا في غزوها واحتلالها وتدميرها لأفغانستان والعراق

قدمت إيران مساعدة مباشرة لأمريكا قبل غزو واحتلال وتدمير أفغانستان، قدّم رسل قاسم سليماني نفسه خرائط ومعلومات مهمة جداً للأمريكان في لقاءات سرية جرت في جنيف قبل الغزو من أجل تسهيل الأمر عليهم وإجهاض أي مقاومة أفغانية محتملة.

في العراق حرضت طهران عبر عملائها تحديداً كبيرهم أحمد الجلبي أمريكا على غزو العراق، ثم ساعدت الاحتلال مباشرة عبر الميليشيات والأدوات الخاضعة لأمرتها، وهي كانت شريك مركزي في تدمير العراق ونهب ثرواته وتحديداً النفطية منها، ثم قامت عبر أحد أدواتها نوري المالكي بتسليم داعش جهاراً نهاراً لمدينة الموصل كعقاب لها ولأهلها بعدما عجزت عن إخضاعها كونها مثلت بؤرة للمقاومة ضد إيران وأزلامها هناك.

تلقت طهران المقابل المباشر فى أفغانستان عبر إزاحة خصمها الإقليمي القوي-حركة طالبان- حتى بثمن تدمير البلد كله، وفى العراق تحولت إلى الشريك الأصغر للاحتلال الأمريكي، هى التي خلقت الطبقة السياسية الفاسدة التى ساعدت الاحتلالين الأمريكي والإيراني على نهب البلد وتدمير مقدراته، و منعت أي نهوض أو تطور عراقي جدي تحديداً فى مجالي الصناعة والبنى التحتية، أغرقت البلد ببضائعها دون أي محاذير أو عوائق، ومنعت عبر أدواتها تطوير قطاع الكهرباء العراقي، حتى تظل متحكمة فيه وتستفيد من تصدير كهربائها إلى البلد الغني بثرواته تحديداً في قطاع النفط والطاقة .

تلقت طهران الثمن والمقابل فى سوريا أيضاً ، فقد دعمت نظام بشار الأسد على كل المستويات من رفده بالميليشيات الأجنبية إلى الأسلحة والدعم الاقتصادي على مرأى من أمريكا حتى مع تعرضها لعقوبات أممية تمنعها من تصدير الأسلحة، كانت طائرات السلاح  والميليشيات تمر من سماء العراق أمام أعين الاحتلال الأمريكي دون أى ممانعة، كانت شريكا في كل جرائم النظام ضد الثورة، تلقت ضوءا أخضر أمريكيا فى الاتفاق الكيمائي-2013- ثم فى الاتفاق النووي-2015- الذي أطلق يديها فى سوريا والعراق والمنطقة ودائماً ضمن القواعد والمحددات الأمريكية .

في سوريا أيضاً عندما فشلت رغم الدعم والتغاضي الأمريكي عن حماية النظام، توسلت الاحتلال الروسي الذى ارتكب جرائم حرب موصوفة ثم نهب قدرات البلد واستولى على خيراته، وقبلت  طهران تحت وطأة حقدها التاريخي، التحول لشريك صغير للاحتلال الروسي كما هو الحال فى العراق مع الاحتلال الأمريكي .

ترامب يريد إعادة طهران ضعيفة إلى التفاوض، إعادتها إلى حجمها الطبيعي وكسر هيمنتها وتسليحها وإدارتها لميليشيات غير شرعية في المنطقة

لا بأس من التذكير بما فعلته في لبنان عندما كسرت التوازنات الدستورية والطائفية عبر اغتيال رئيس الوزراء المنتخب رفيق الحريري، ثم عسكرت المقاومة محولة حزب الله إلى جيش، هيمن على البلد ومفاصل السلطة والقرار فيه، ما أوصله إلى حافة الهاوية على كل المستويات، حصل هذا بغرض استخدام الحزب كذراع إقليمي مركزي، للأطماع الاستعمارية الإيرانية كما ظهر عبر دوره المشين والإجرامي ضد الثورة والثوار في سوريا .

فى اليمن رغم الأخطاء الكارثية لتحالف السعودية والإمارات عبر دعم انقلاب الحشد الحوثي وفلول نظام  الشاويش علي صالح ضد الثورة، بغرض إجهاضها والقضاء على الإسلاميين وإقصائهم من المشهد السياسى اليمني، إلا أن إيران استغلت ذلك لنشر الفوضى وتسليح الحوثيين لتمكينهم من السيطرة على البلد والتحكم بمقدراته، هذا حصل أيضا تحت أعين إدارة أوباما-رغم خضوع إيران للعقوبات- التى لم تفعل ولم تمانع حصول ذلك كله طالما أنه لا يكسر القواعد والسياسات العامة لها في المنطقة، المتمثلة بحرية الملاحة وتدفق النفط وحماية حدود سايكس بيكو وأمن ومصالح إسرائيل.

كل المعطيات السابقة تجلت في الاتفاق النووي سيء الصيت بين طهران وواشنطن، الذى تمثل جوهره بعدم ممانعة أوباما احتلال إيران العواصم العربية مقابل التأخير في مشروعها النووي وإعادتها إلى عجلة الاقتصاد العالمي، إلا أن أوباما المنكفىء عن المنطقة، تصور أن إعادة إدماجها في المنظومة العالمية سيغيرها ويكبح جماح ممارسات العصابة والميليشيا لديها، هو ما لم يحدث طبعاً ويمثل الآن جوهر الأزمة الحالية وسبب تخلي الإدارة الجديدة عن الاتفاق النووي.

ترامب يريد إعادة طهران ضعيفة إلى التفاوض، إعادتها إلى حجمها الطبيعي وكسر هيمنتها وتسليحها وإدارتها لميليشيات غير شرعية في المنطقة بعدما أدت المهمة التدميرية المنوطة بها، يريد إعادتها إلى المنظومة العالمية لكن كدولة، ليست إمبراطورية كما يتخيل ويريد متطرفوها.

لا بأس من التذكير أن إيران رغم صوتها العالي، لكنها دائماً ما تراجعت تحت ضغط القوة والعين الحمراء حصل هذا عند غزو العراق وإيقاف البعد العسكري لمشروعها النووي، حصل هذا مع القبول بدور الشريك الصغير للاحتلال الأمريكي-في العراق- وحتى للاحتلال الروسي-فى سوريا- حصل هذا عندما قبلت الابتعاد رغم كل الضجيج لآلتها الإعلامية-الحشد الشعبي الإعلامي-عن الحدود السورية مع فلسطين المحتلة، ضمن تفاهم روسي إسرائيلي مفروض عليها، هي توقفت كما تقول تقارير إسرائيلية حتى عن حلم-وهم-التموضع الاستراتيجي فى سوريا بعد تلقي الضربات والإهانات الإسرائيلية تحت أعين الاحتلالين الروسي والأمريكي.

لا تستحق إيران بالتأكيد أي تعاطف منا بعد تدميرها واحتلالها لحواضرنا الكبرى، و طلبها التعاطف من الشعوب العربية الإسلامية وقاحة ما بعدها وقاحة، يشبه طلب من قتل والديه التعاطف والتعامل معه كيتيم، طبعاً هذا لا يعني أي تعاطف مع أمريكا-الشيطان الأكبر-كون تحجيمها و إضعافها لإيران لا يهدف إلى صنع تسويات عادلة تبدأ حتما بإسقاط نظام الأسد-صاغوا قوانين وفرضوا عقوبات تمنع تعويمه لكن لا بوادر للسعي الفعلي لإسقاطه-بل على العكس تستغل واشنطن إيران وغطرستها وذهنيتها الاستعمارية، للتقارب و التطبيع العربى الاسرائيلي، وحتى طرح صفقة القرن لتصفية القضية الفلسطينية، مواجهة الصفقة لإسقاطها لا تعني أبدا التقارب مع إيران أو الدفاع عنها، ولا تنفي حقيقة أن معركة أمريكا ضد إيران هى حق حتى لو أريد بها باطل. 

شارك برأيك