لماذا سميت "باندورا"؟

تاريخ النشر: 05.10.2021 | 05:58 دمشق

تكون الثروة مشكلة أحيانا، ليس بكيفية الاستمتاع بها بل بكيفية إخفائها، ويرغب كثير من الأثرياء حول العالم بوضع ستار كثيف حول ثرواتهم والطريقة التي ينفقون بها الأموال، وقد يزداد الحرص على إبقاء الثروات بعيدة عن الأعين إذا كان مصدرها مشبوها أو مشكوكا فيه.. السياسيون غالبا يندرجون ضمن فئة المشكوك بمصادر ثروتهم، فالمفترض أن يكون السياسي منكبا على عمله في إدارة البلاد ولا يوجد لديه مزيد من الوقت لتكوين ثروة، وفي حال ظهرت لدى هذا السياسي أموال أو أعلن عن وجودها بشكل أو بآخر، يقفز اسمه إلى الواجهة وتنتشر حوله التساؤلات والانتقادات، أما بالنسبة لسياسيي بلدان العالم الثالث فهم مرشحون طبيعيون ليكونوا ضمن فئة الأثرياء الراغبين بإخفاء الثروة أو الاستمتاع بها بعيدا عن أعين الفضوليين والحاسدين!.

أحدث جولة من جولات التسريب الفضائحي، أطلق عليها أصحابها اسم أوراق "باندورا"، فقد استطاع مجموعة من الصحفيين الوصول إلى أوراق شركات تقوم بكل أعمال البيع والشراء وفتح الحسابات والمتاجرة عوضا عن مالكي الثروة الحقيقيين، وتتخذ هذه الشركات مكاتب لها في دول فيها إعفاءات ضريبية كبيرة، لذلك يلجأ الأثرياء لمثل هذه الشركات ليقوموا بأعمالهم في الخفاء وبعيدا عن الأعين أو ليهربوا من الضرائب في بلدانهم الأصلية، ويفاخر ناشروا هذه الوثائق وهم "الاتحاد الدولي لصحفيي التحري"، بأن مجموع هذه الوثائق يبلغ نحو 12 مليون وثيقة، فيما لو مسحت ضوئيا ستشكل ملف "PDF" حجمه 3 تيرا بايت، ويصر موقع هؤلاء الصحفيين على أن معلوماتهم مجانية ولكن من يريد أن يتبرع لهم يمكنه ذلك، مع ذكر طريقة التبرع بالتفصيل، وعند ضغط أي زر في الموقع تنطلق لك نافذة جانبية تذكرك بالتبرع..

تقول الخلاصة التي نتجت عن الإبحار في هذا الكم المهول من الوثائق بأن الكثير من قادة الدول والموظفين الحكوميين والمليارديرات متورطون، وأسماؤهم واردة في الوثائق، بسلوكيات متنوعة ما بين التهرب الضريبي أو إخفاء الثروة، أو شراء عقارات أو ممتلكات بعيدا عن أعين الناس، وترد أسماء دول عربية وبعض قادتها ممن رُبطت أسماؤهم بمبالغ ليست كبيرة فيما لو تمت مقارنتها بالأرقام الضخمة التي تذيعها مجلة فوربس الأميركية بشكل سنوي! وتصر الخلاصة على أن الأعمال والسلوكيات الواردة في هذه الوثائق ليست ممنوعة كليا، فيمكن للإنسان أن يوكل شركة أو شخصا بالقيام بعمل ما، ويمكنه أيضا أن يتحرك ماليا عبر دول لا تطبق الضرائب، وهذه ما فعله رئيس الوزراء البريطاني الأسبق طوني بلير، ولكن هذا العمل قد يكون مدانا أخلاقيا فهو يحرم البلدان الأصلية من ضرائب تساعد ميزانيتها وصندوق مدفوعاتها.

"باندورا" هو اسم لسيدة بحسب الميثيولوجيا اليونانية كانت أول امرأة بشرية، كلف زيوس مساعده هفستوس بصنعها لمعاقبة بروميثيوس الذي أخطأ وسرق نارا أعطاها للإنسان ليساعده على حياته الأرضية. صنع هفستوس تمثالا لامرأة فأعطته أفروديت الجمال ليمنحها إياه، وأثينا أعطته الثياب ليلبسها لها، وهرمز أعطاه قوة النطق وجمال الحديث ليجذب كلامها كل من تخاطبه، كما أعطوها الفضول والمكر، ودزينة من الفضائل البشرية لتتمكن من العيش، وأرسلوها لتتعرف على بروميثيوس ولكن بروميثيوس كان ذكيا، فعرف أن وراء باندورا فخا كبيرا، وتجاهل جمالها وأدار لها ظهره، فتعرفت على شقيق بروميثيوس الذي كان رجلا لطيفا ووسيما، تقرب منها وطلب يدها، وقبل أن يتم الزواج أعطوها جرة مغلقة وأوصوها بعدم فتحها مهما كانت الأسباب وبعد أن تم الزواج لم تقاوم باندورا الفضول، ففتحت الجرة لتتسرب منها كل شرور العالم! لكنها لم تعاقب على فعلتها لأن فتح الجرة كان هو هدف زيوس الأساسي وقد تحقق! ويعتقد ناشرو الوثائق أنهم بفتحهم صندوق الوثائق سينشرون شرا كبيرا، لكن قد يرى بعض المهتمين بتلك المعلومات فائدة مضافة، وبالتالي ليست شرا، وقد يكون إطلاق هذا الاسم عليها غير موفق، فهذه الوثائق تهم شعوبا ترغب في التعرف على معدن زعمائها الحقيقي، وعلى وجه التحديد شعوب تلك الدول التي يتم اختيار القادة فيها بطريقة ديمقراطية، بينما ذات المعلومات لن تفعل شيئا في بلدان العالم الثالث، فمن المعروف أن القادة فاسدون بشكل طبيعي، ومعظمهم لم يوجد في مكانه القيادي دون خاصية الفساد..

كلمات مفتاحية