لماذا تريّثت "محافظة دمشق" في تطبيق مخطط تنظيم اليرموك؟

تاريخ النشر: 02.09.2020 | 07:04 دمشق

آخر تحديث: 02.09.2020 | 10:51 دمشق

دمشق - فتحي أبو سهيل

لا تزال أعمال التعفيش الممنهجة تتم على قدم وساق في مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين بدمشق، ولا يزال المخيم مغلقاً أبوابه بوجه سكانه منذ أيار 2018 عند إعلان النظام سيطرته الكاملة عليه.

ورغم صدور أكثر من إعلان رسمي على لسان مسؤولين رفيعي المستوى مثل نائب وزير الخارجية فيصل المقداد، حول نية النظام إعادة اللاجئين الفلسطينيين إلى مخيم اليرموك مراراً، إلا أن ذلك لم يتم، وسط استمرار عملية هدم المنازل بطريقة غير رسمية عبر "العفيشة"، حيث أكد أكثر من مصدر من داخل المخيم ممن بقوا فيه وهم قلة، أن "العفيشة" يقومون بهدم المنازل لسرقة الحديد، ونقله عبر شاحنات ضخمة إلى خارج المخيم، ما زاد من نسبة الدمار فيه.

وتتابع المصادر، بأن "التعفيش وصل إلى مراحل غير مسبوقة في سوريا، حيث بدأ هؤلاء بهدم أسقف المنازل وجدرانها، وتسويتها على الأرض لاستخراج حديد البناء الذي ارتفع سعره في سوريا، إضافة إلى سرقة البلاط والرخام وواجهات الحجر، وحتى سرقة البنى التحتية من كابلات نحاسية خاصة بتمديدات الكهرباء".

لماذا التعفيش ممنهج؟

وأكدت المصادر الأهلية، أن عملية التعفيش كانت تخدم محافظة دمشق بتطبيق خطتها لفرض مخطط تنظيمي يفرغ المنطقة من طبيعتها الديمغرافية، بحيث تم شطب كلمة مخيم من قاموس المحافظة، وإطلاق اسم "منطقة" عليها، مع حذف كلمة "اللاجئين الفلسطينيين"، وهذا ما أكده مصدر في محافظة دمشق لموقع تلفزيون سوريا، بأن المخطط الجديد للمخيم يهدف إلى نزع صفة المخيم عنه، نافياً وجود "مؤامرة" من قبل الحكومة لتغيير الطبيعة الديمغرافية كتجمع للاجئين الفلسطينيين.

وتابع المصدر في المحافظة أن "سكان المخيم ليسوا فلسطينيين بنسبة 100%، لا بل غالبية السكان هم سوريون، لكن الطابع العام للمخيم واسمه وكثافة الاستثمار الفلسطيني، وأسماء أحيائه تعطيه طابعاً وكأنه أرض فلسطينية في سوريا"، مشيراً إلى أن "المحافظة ليس لديها أي اعتراض على ذلك، لكن المصور الكامل لدمشق يخضع للتعديل، ومن ضمنه مخيم اليرموك".

شكوك حول النوايا

يتعارض معه بالطرح، مسؤول بإحدى الفصائل الفلسطينية في سوريا، مفضلاً عدم ذكر اسمه، قائلاً "في الكتاب الأخير الصادر عن محافظة دمشق، والذي يحمل الرقم 4624 والذي وقّعه محافظ دمشق عادل العلبي، ورد مخيم اليرموك على أنه منطقة وليس مخيم، رغم أن الكتاب يتضمن إشارة إلى وجود قرار من جهة عليا بتوقيف المخطط التنظيمي للمخيم بنية التريث، مع تشكيل لجنة لدراسة الوضع المستقبلي لـ"منطقة اليرموك".

وتابع في تصريح لموقع تلفزيون سوريا "هناك من يصرّ على نزع الطابع الفلسطيني للمخيم، وتمييع رمزيته التاريخية التي احتضنت كثيرا من الأحداث الهامة فلسطينياً، وكيف كان مقراً للفصائل الفلسطينية وللثوار الفلسطينيين المنفيين، وكيف يضم أضرحة مئات الشهداء والرموز النضالية. مخيم اليرموك أكبر تجمع فلسطيني في الشتات وهو خزان الثورة الفلسطينية"، وقال "هذا موسم القضاء على فلسطين بأساليب ملتوية، وضرب حق العودة يبدأ من نزع كلمة مخيم".

لم يعلّق المصدر الفلسطيني كثيراً على قرار التريث، واكتفى بالقول "التريث ليس من صالح أحد سوى العفيشة الذين نهبوا الأخضر واليابس علناً ما زاد من مأساة المشهد، فسكان المخيم إما استشهدوا أو اعتقلوا أو هاجروا إلى أوروبا، ومن بقي في سوريا منهم، يعاني اليوم الويلات مادياً من استئجار المنازل علماً أنه هناك أحياء كاملة صالحة للسكن ويمكن العودة إليها"، وطالب بفتح باب العودة للفلسطينيين إلى منازلهم ولو كانت مهدمة.

لماذا جزء من سكان المناطق التي دخلها جيش النظام عاد إلاّ مخيم اليرموك؟ يتساءل أحد سكان المخيم، ويضيف "مدينة دوما التي كان ينظر إليها النظام على أنها خزان للمسلحين والإرهاب، أعاد سكانها إليها، أما المخيم فقضيته مختلفة، هو ورقة كما القضية الفلسطينية، ولن يفتح أبوابه إلا مقابل مكاسب سياسية ثم يعود المخطط التنظيمي للتطبيق على حساب فلسطين" وفق تعبيره.

ما هو المخطط التنظيمي لمخيم اليرموك؟

وأعلنت محافظة دمشق 25 حزيران، تسلّمها المخطط التنظيمي لـ"منطقة اليرموك" وليس "مخيم اليرموك"، في أول حادثة أثارت حفيظة الفلسطينيين لمساسها برمزية المخيم وحق العودة، ويتضمّن المخطط إعادة تنظيم شاملة للمنطقة الأكثر تضرراً، إضافة إلى تخديم المناطق الأقل ضرراً بما يسهم بإعادة أكثر من ٤٠% من الأهالي، حسبما أوضح مدير التخطيط والتنظيم العمراني في المحافظة المهندس إبراهيم دياب.

وأعلنت المحافظة عن شهر كامل لاستلام اعتراضات الأهالي على المخطط كإجراء قانوني روتيني، لكن مصدرا بالمحافظة أكد أن "الجميع ذهل بحجم الاعتراضات الذي انهال على المحافظة، مع تهديد برفع دعاوى قانونية" مشيراً إلى أن "سوريا لم تشهد بتاريخها حجماً من الاعتراضات كهذه لأن الفصائل الفلسطينية تدخلت ونظمت ذلك".

لماذا التريث في تنفيذ مخطط مخيم اليرموك؟

في خبر غير متداول سورياً، نشرته وكالة الأنباء الفلسطينية "وفا" التابعة للسلطة الفلسطينية، جاء أن مدير عام الدائرة السياسية لمنظمة التحرير الفلسطينية السفير أنور عبد الهادي بحث منذ أيام مع نائب وزير خارجية النظام فيصل المقداد جهود الرئيس محمود عباس لعقد مؤتمر دولي للسلام تحت رعاية الرباعية الدولية ووفق قرارات الشرعية الدولية، وجاء خلال الاتصال ثناء فلسطيني على "جهود سوريا لإعادة بناء وترميم مخيم اليرموك، وإعادة النظر بالمخطط السابق، ما يكفل حقوق الأهالي من فلسطينيين وسوريين".

ولم يتطرق الحديث عن تحويل المخيم برمزيته من مخيم إلى منطقة، بما يتوافق مع نزع صفة اللجوء عن الفلسطينيين وبالتالي ضرب حق العودة وفقاً لكثير من الفلسطينيين في سوريا، والذي يرون أن السلطة الفلسطينية من أكبر الداعمين لنزع حق العودة عن الشتات الفلسطيني بالخارج، وقد يكون التوافق الذي أدى للتريث، هو انتظار ملفات تسوية مع الاحتلال مقابل ضرب حق العودة، ليكون المخطط التنظيمي بذاته ليس هو الهدف.

وكشف إبراهيم دياب مؤخراً، عن ضغط خارجي لوقف مخطط مخيم اليرموك، حينما أشار إلى أن القرار جاء بناء على طلب من وزارة الخارجية التابعة للنظام.

وأكد دياب على صدور قرار عن رئاسة مجلس وزراء النظام معطوف على كتاب وزارة الخارجية والمغتربين رقم 344 بتاريخ 27\7\2020 وهيئة اللاجئيين الفلسطينيين رقم 1721 تاريخ 19\7\2020 بالموافقة على التريث بمصوّر تطوير اليرموك.

والغريب بإعلان دياب، هو تمييع مستقبل المخيم، حين قال" ربما نتريث بالمخطط، أو نعيد النظر فيه كلياً أو نلغيه أو نحافظ على المصور السابق".

تاريخ مخيم اليرموك في دمشق

ومخيم اليرموك هو مخيم غير رسمي للاجئين الفلسطينيين، أرضه مستأجرة من قبل مؤسسة اللاجئين الفلسطينيين والعرب وتأسس عام 1957، تبلغ مساحته 2.11 كلم2، ويبعد عن وسط دمشق 8 كلم، بنيت منازله بمساعدة منظمة الغوث لتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا"، ويُعد أكبر تجمع للاجئين الفلسطينيين خارج فلسطين، ويسمى "عاصمة الشتات الفلسطيني"، وكان مركزا لعمليات كثير من الفصائل الفلسطينية، حتى إن أرييل شارون توعّد مخيم اليرموك خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982.

قبيل الثورة السورية، كان هناك 112,550 لاجئاً مسجلاً يعيشون في اليرموك، في حين تجاوز الرقم الفعلي لعدد اللاجئين بالمخيم 220 ألفاً، يُضاف إليهم حوالي نصف مليون سوري على الأقل.

اقرأ أيضا:

ماذا وراء المخطط التنظيمي الجديد لمخيم اليرموك؟