icon
التغطية الحية

لماذا تريد إسرائيل لسوريا أن تصبح دولة فاشلة؟

2025.03.05 | 17:00 دمشق

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو - المصدر: الإنترنت
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو - المصدر: الإنترنت
The Middle East Eye- ترجمة: ربى خدام الجامع
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن استراتيجية جديدة تجاه سوريا، تتضمن منع نشر قوات سورية جنوب دمشق وتجريد المنطقة عسكرياً، مع التركيز على حماية الأقلية الدرزية واستمرار احتلال أراضٍ سورية.
- تسعى إسرائيل إلى تفتيت سوريا عبر تشجيع الأقليات ضد الحكومة السورية، مستندة إلى استراتيجيات سابقة في لبنان، دون رد فعل دولي على مطالبات نتنياهو بإخلاء الجنوب السوري.
- ردت الحكومة السورية الجديدة بقيادة أحمد الشرع بإدانة لفظية ومطالبات بالسلام، بينما دانت الدول العربية وتركيا التصرفات الإسرائيلية دبلوماسياً، مع تركيز تركيا على القضية الكردية.

خلال احتفال عسكري أقيم منذ فترة قريبة في إسرائيل، صرح رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تصريحاً مستفزاً عن الحكومة السورية الجديدة، محدداً استراتيجية بلده منذ سقوط نظام الأسد البائد، وأكد في خطابه ذاك على ثلاث نقاط رئيسية، أولها هو أن إسرائيل لن تسمح للحكومة السورية الجديدة بنشر قواتها في جنوبي دمشق، وطالب بـ"تجريد عسكري كامل" للمنطقة، وخاصة في القنيطرة ودرعا والسويداء.

وفي النقطة الثانية نصب نتنياهو إسرائيل حامية للأقلية الدرزية، فانحاز في ذلك إلى التصريحات الأخيرة التي أدلى بها وزير دفاعه، يسرائيل كاتس، بخصوص تمتين العلاقات مع من سمّاهم بـ"الشعب الصديق" في الجنوب السوري.

ثالثاً، كرر نتنياهو التزام بلده باحتلال أراض سورية، مؤكداً على أن القوات الإسرائيلية ستبقى في المنطقة العازلة وجبل الشيخ "إلى أجل غير مسمى".

وقد عزز هذا الموقف أجندة إسرائيل القائمة على مواصلة التوسع والاحتلال، لا سيما في مرتفعات الجولان.

غير أن الهدف الأكبر لنتنياهو هو إضعاف سوريا وتفتيتها بشكل ممنهج، مع ضمان بقائها تحت الاحتلال الإسرائيلي، وعدم وجود حكومة مركزية فيها، وغرقها في صراع طائفي.

بيد أن هذه البيئة التي تتسم بالفوضى الخاضعة للسيطرة لا بد أن تحرم سوريا من التعافي بعد مرور أكثر من عقد على الحرب، مع تحويلها إلى دولة فاشلة، وتقوية شوكة إسرائيل بحجة التقليل من حجم التهديدات والمخاطر التي قد تأتيها من سوريا الجديدة.

تفتيت سوريا

إن هذا النهج ليس بجديد، بل هو عنصر مستمر ضمن السياسة الإسرائيلية منذ قيام الكيان الصهيوني، وقد جرى تطبيقه على عدد من البيئات والمناطق، وعلى رأسها لبنان.

إن تجريد جنوبي دمشق من أي مظاهر عسكرية لا بد أن يمنع الحكومة السورية من ممارسة سلطاتها، وقد يؤدي إلى إضعاف وجود الدولة هناك، بما يساعد على تشكيل ميليشيات محلية مدعومة إسرائيلياً تدفع نحو إقامة دولة داخل الدولة.

كما تهدف الاستراتيجية الإسرائيلية إلى تشجيع الأقليات الأخرى الموجودة في الشمال السوري على الوقوف ضد الحكومة السورية، بما يسهم بتفتيت البلد بشكل أكبر، حتى ولو تم ذلك بحكم الأمر الواقع فحسب.

يعبر ذكر الطائفة الدرزية بشكل صريح عن عقيدة إسرائيلية تقوم على التحالف مع الأقليات، وهذه العقيدة تحرص كل الحرص على إقامة تحالفات مع الأقليات في المنطقة ضد الأغلبية السنية، غير أن سياسة فرق تسد هذه تعزز حالة العداء والشك والطائفية، وتستخدم الأقليات كورقة للضغط بهدف إثارة رد فعل عنيف من الغالبية.

سبق لإسرائيل أن طبقت هذه الاستراتيجية في لبنان، وذلك عندما تعاونت مع المسيحيين والشيعة، ولهذا تحاول اليوم أن تكرر الأمر نفسه مع الدروز والكرد والعلويين في سوريا، بيد أن هذا النهج نهج مدمر ولن تترتب عليه سوى نتائج عكسية تضر بالطوائف التي تشارك فيه وبالطرف الذي يحاول استغلالها والتلاعب بها.

لم تلق مطالبة نتنياهو بإخلاء الجنوب السوري من المظاهر العسكرية، إلى جانب تصعيد إسرائيل لغاراتها الجوية على مواقع عسكرية سورية، أي رد من الدول الغربية أو من المجتمع الدولي، وقد فسر نتنياهو عدم صدور أي رد فعل من تلك الدول بأنه ضوء أخضر يبيح له مواصلة العمل بتلك السياسات.

دفعت الأعمال الاستفزازية والعدائية التي قامت بها إسرائيل لظهور رد متعدد الأوجه من الحكومة السورية الجديدة، فقد عمل الرئيس أحمد الشرع على خلق حالة توازن ما بين ضبط النفس والتحدي، بما أن هذا النهج قد تشكل بفعل عوامل مهمة، منها ضعف الجيش السوري، والوضع الاقتصادي السياسي للبلد، وحاجته للاحتفاظ بالشرعية كرئيس لسوريا، مع بسط سيطرة الدولة على سائر الأراضي السورية، ناهيك عن عملية إعادة بناء البلد.

مقاومة رمزية

خلال الشهر الماضي، رفض مؤتمر الحوار الوطني السوري في بيانه تقديم أية تنازلات بالنسبة للأراضي السورية، وخاطب الجمهور الإسرائيلي وجمهور الشرع في الداخل بأنه لن يقبل بطلب نتنياهو بإخلاء تلك المنطقة من المظاهر العسكرية. كما طالب البيان إسرائيل بانسحاب فوري وغير مشروط من سوريا، فكان ذلك بمثابة مقاومة رمزية عززت سلطة الشرع من دون أن تخاطر بوقوع مواجهة مباشرة.

في السادس والعشرين من شهر شباط الماضي، زار الشرع الأردن والتقى بالملك عبد الله الثاني الذي أكد دعم عمان لسيادة سوريا ودان التوغل الإسرائيلي فيها، وفي ثالث زيارة خارجية للشرع منذ توليه السلطة تبينت تلك الجهود الساعية لبناء تحالف إقليمي هدفه مجابهة أي تحرك إسرائيلي على المستوى الدبلوماسي بدلاً من اللجوء إلى الجانب العسكري، بما أن الأردن يشاطر سوريا في مخاوفها وقلقها بالنسبة لاستقرار الحدود.

شهد الرد المنضبط الذي أبداه الشرع ضغطاً في الداخل، إذ خرجت مظاهرات في القنيطرة ودرعا والسويداء ضد التصريح الأخير لنتنياهو فعبر ذلك عن وجود غضب شعبي، لكن الشرع لم يجيش تلك المشاعر ويحولها لفعل ضد إسرائيل، بما أن محاولات مشابهة قامت بها أنظمة إقليمية لتحقيق ذلك لم تمر على خير.

ولذلك، وبدلاً من كل هذا، أتى رد الشرع على الاستفزازات الإسرائيلية على شكل مزيج ضم إدانة لفظية، ومطالبات بالسلام، ومناورات دبلوماسية، مع تجنب التصعيد، والتأكيد على حق سوريا بالسيادة على أراضيها، ويجسد تعهده القديم بالالتزام باتفاقية وقف إطلاق النار لعام 1974هذا النهج.

ولكن في الوقت الذي يمكن لذلك أن يمنح الشرع تأييداً إقليمياً ودولياً، قد يقوض ذلك شرعيته في الداخل على المدى المتوسط والبعيد، كما أنه من غير المرجح لذلك أن يكفي لردع إسرائيل، لأن إسرائيل على مر التاريخ بقيت تفسر الدعوة للسلام على أنها دليل ضعف، وفرصة لتحقيق طموحاتها العدوانية التوسعية في المنطقة.

عمل جامع

نظراً للوضع المعقد الذي تشهده سوريا، يجب للرد على التصرفات الإسرائيلية أن يكون جامعاً، إذ ينبغي على المجتمع الدولي أن يلتزم بمسؤولياته، كما لا بد للدول العربية أن ترد بشكل موحد، لأنها ستخسر كثيراً في حال نجحت إسرائيل بتحويل سوريا إلى دولة فاشلة.

دانت الجامعة العربية والأردن ومصر والسعودية وقطر إسرائيل بأشد العبارات، والأهم من كل ذلك تركيا، تلك القوة الإقليمية التي باتت تتمتع بحظوظ كبيرة في سوريا، وأصبحت لديها مصلحة مهمة في استقرارها، ما يعني أنها ستخسر كثيراً في حال اعتداء إسرائيل على سوريا.

منذ شهر كانون الأول الماضي، ردت تركيا على تصريحات نتنياهو والعدوان الإسرائيلي بإدانة شديدة، إذ بعد التشديد على سيادة سوريا، اتهم وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، إسرائيل بالتوسع وتقويض السلام والاستقرار "بذريعة الأمن".

غير أن تصرفات أنقرة ما تزال دبلوماسية ومنضبطة، بما أنها تركز على القضية الكردية في الشمال السوري بدلاً من السعي للمواجهة المباشرة مع إسرائيل.

تبدو السياسة التركية في هذا المضمار محكومة بعاملين مهمين اثنين، أولهما مصير وحدات حماية الشعب الكردية السورية، وهي أحد فروع حزب العمال الكردستاني الذي تعتبره أنقرة تنظيماً إرهابياً، والثاني هو الاتفاق الذي من المزمع أن تعقده تركيا مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب وذلك لإنهاء التعاون الأميركي مع وحدات حماية الشعب.

ولهذا من غير المرجح لأنقرة أن تدخل في نزاع مع إسرائيل إلى أن تُحَلَّ هاتان القضيتان، بما أن أي مواجهة مبكرة مع إسرائيل قد تعود بنتائج عكسية لن تفيد في التعامل مع ترمب وغيره من المسؤولين الأميركيين المتشددين الموالين لإسرائيل في واشنطن.

وفي الوقت ذاته، يبدو بأن تجنب المواجهة مع إسرائيل لن يزيد نتنياهو جرأة فحسب، بل أيضاً لا بد أن يقوض مصداقية أنقرة ويحول سوريا إلى تهديد حقيقي لتركيا بعد أن كانت فرصة أمامها.

 

المصدر: The Middle East Eye