لماذا ترفض إيران المفاوضة على برنامجها الصاروخي؟

تاريخ النشر: 20.02.2019 | 16:02 دمشق

آخر تحديث: 20.02.2019 | 16:14 دمشق

قبل عدة أشهر طالبت وزارة الخارجية الأميركية أوروبا بمعاقبة إيران بسبب انتهاكها لقرار مجلس الأمن رقم ٢٢٣١، وهذا الطلب جاء بعد أن اتهم مايك بومبيو وزير الخارجية الأميركي إيران بأنها اختبرت صواريخ قادرة على حمل رؤوس نووية.

في بداية الأمر لم تؤكد أو تنفي طهران الاختبارات الصاروخية، ولكن بعد عدة أيام أكد أمير علي حاجي زاده قائد القوات الجيوفضائية التابعة لقوات الحرس الثوري، الأخبار المتعلقة بإجراء إيران لاختبار صاروخي دون الإشارة لنوع الصاروخ، وأكد أيضا بأن هذه الاختبار مهم جدا بالنسبة للأميركيين لدرجة جعلهم يصرخون.

أثناء الحرب العراقية الإيرانية، أحد الموضوعات التي كانت تؤكد عليها إيران في دعاياتها، هو موضوع الاكتفاء الذاتي في مجال صناعة الصواريخ، ولكن خلافا لهذه الدعايات الواسعة التي كانت تروج لها إيران حينها، فموضوع الاكتفاء الذاتي لم يحصل، وكانت إيران تشتري الصواريخ والأسلحة عن طريق بعض الدول أو الأشخاص.

فهاشمي رفسنجاني خلال مقابلة له مع صحيفة (كيهان هوايي) في عام ١٩٨٨ يقول بأن إيران كانت تقوم بشراء الأسلحة والصواريخ عن طريق تجار الأسلحة والشركات الغربية بشكل مباشر أو غير مباشر.

و"منو شهر قرباني فر" كان أحد تجار الأسلحة الإيرانيين أيام الحرب العراقية الإيرانية، حيث كان قرباني على ارتباط مع "عدنان خاشقجي" أحد المستثمرين السعوديين آنذاك ويقوم بشراء الأسلحة وصواريخ "هوغ" و "تاو" لإيران.

بداية المشروع

شكلت إيران أيام الحرب مع العراق أول فريق صاروخي يدعى "حديد" بقيادة حسن طهراني مقدم المعروف " بأبو الصواريخ الإيرانية" في عام ١٩٨٥، وتم إرسال هذا الفريق لسوريا ليتلقى التدريب على الصواريخ، وفي نفس الوقت تم وضع الصواريخ من قبل ليبيا وكوريا الشمالية تحت تصرف إيران للمرة الأولى.

فإيران بدأت برنامجها الصاروخي في عام ١٩٨٥، ولكنها استطاعت في عام ١٩٨٨ إنتاج أول صاروخ بمدى يصل ل ٣٠٠ كيلو متر يعمل على الوقود الصلب، وذلك من خلال استخدامها للهندسة العكسية (تفكيك الصاروخ لقطع صغيرة وصناعة قطع مشابهة لها تقوم بنفس الوظيفة تقريبا).

وفي بدايات عام ١٩٩١ استطاعت إيران إنتاج صواريخ شهاب ١، ٢ بمدى يصل ل ٣٠٠ حتى ٥٠٠ كيلو متر. ومنذ ذاك وضعت إيران هدفها للحصول على صواريخ بعيدة المدى.

وفي عام ١٩٩٨ استطاعت إيران إنتاج الجيل الأول من صواريخ شهاب ٣ الذي يعتبر أول صاروخ إيراني بعيد المدى يعمل على الوقود الصلب والسائل، ويصل لمسافة ١١٠٠-١٣٠٠ كيلو متر.

وبالتزامن مع إنتاج واختبار إيران لصواريخ شهاب ٣، بدأت تظهر الحساسية والمخاوف الدولية من البرنامج الصاروخي الإيراني، لأن خطر البرنامج الصاروخي الإيراني تعدى الخطر المحلي والإقليمي إلى العالمي تقريبا.

تطور البرنامج

أحد أسباب قلق دول العالم الكبرى ودول المنطقة أيضا من تطوير البرنامج الصاروخي الإيراني، هو النهج العدواني الذي يتبعه المسؤولون الإيرانيون، وكانت إسرائيل أحد أكثر الدول قلقا من القدرات الصاروخية الإيرانية بسبب رفع مدى الصواريخ البالستية الإيرانية في شهاب ٣ كما ذكرنا، وأيضا دعم إيران لمجموعات مصنفة من دول غربية، إرهابية مثل حزب الله، وتزويدها له بصواريخ مصنوعة في إيران عن طريق سوريا.

ففي عام ٢٠٠١ استطاعت إيران إنتاج صواريخ بعيدة المدى تصل ل ٢٠٠٠ كيلو متر تقريبا (صاروخ سجيل، شهاب ب-٣)، ولكن هذه الصواريخ لم تكن تتمتع في بداية إنتاجها بالدقة الكافية، ولذلك ركزت إيران جهودها حينها على زيادة دقة إصابة الصواريخ.

حجازي نائب رئيس أركان القوات المسلحة في ذاك الوقت، أكد في مايو ٢٠١٤ بأن خامنئي في عام ١٩٩٨ شدد على قائد القوات الجيوفضائية في قوات الحرس الثوري بالسعي للحصول على "صواريخ ذات إصابة دقيقة"، وبالفعل زكر الفريق الصاروخي الإيراني التابع لقوات الحرس الثوري -وفقا لأوامر خامنئي- على "صناعة وتطوير الصواريخ البالتسية ذات الدقة العالية".

إن تطوير البرنامج الصاروخي الإيراني زاد من المخاوف الأميركية والأوروبية التي تعتقد بأن إيران أقدمت على إنتاج صواريخ تصل لأكثر من ٣٠٠٠ كيلو متر بشكل سري.

دهقان وزير الدفاع الإيراني السابق في شهر أغسطس ٢٠١٥، اعترف بأن إيران لا تصنع صواريخ ذات مدى يصل لأكثر من ٢٠٠٠ كيلو متر، كما أن المسؤولين الإيرانيين أشاروا عدة مرات لهذا الموضوع، ولكن في نهاية عام ٢٠١٨ أقدمت إيران على اختبار صواريخ بالستية دقيقة الإصابة ( قدر"اف" و قدر" اتش" ) التي يصل مداها لـ ٢٠٠٠ كيلو متر كما صرح الإيرانيون.

ولكن هذه الصواريخ وفقا للمعلومات التي تم نشرها، هي تشبه تماما صواريخ "شهاب- دي ٣" أو " قدر -١١٠" التي تصل لمدى ٢٢٠ حتى ٣٠٠٠ كيلو متر.

وبهذا الشكل يمكن لهذه الصواريخ أن تصيب أبعد نقطة في أوروبا، وأن تغطي حوالي ٧٠% من قارة آسيا، ولكن إيران لطالما كذبت هذه التصريحات، وأكدت بعدم وجود نية لديها لإنتاج صواريخ تصل لمدى أكثر من ٢٠٠٠ كيلو متر.

فمسؤولو إيران يدّعون بأن الصناعة الصاروخية الإيرانية هي صناعة محلية، وأن تطوير صناعة الصواريخ الإيرانية يعود إلى سماسرة السلاح وإلى روسيا، التي هي المصدر الرئيسي لتوريد الأسلحة ونقل المعرفة التقنية والتكنولوجيا للصواريخ البالستية إلى إيران.

ميزانية البرنامج الصاروخي

في عام ٢٠٠١ أثناء رئاسة محمد خاتمي وقعت إيران عقدا مع روسيا بقيمة ٣٠٠ مليون دولار من أجل شراء الأسلحة. ولكن هذا العقد لم يكن يقتصر فقط على شراء وبيع الأسلحة بل تضمن حصول إيران على المعرفة التقنية والتكنولوجيا للصواريخ البالستية من روسيا، كما أن توسيع العلاقات الاقتصادية والسياسية بين البلدين أدى إلى توسع التعاون الإستراتيجي قصير وطويل المدى في هذا المجال.

وبالنظر إلى البرنامج الصاروخي الإيراني الذي وصل عمره الآن لأكثر من عقدين (تقريبا يساوي نصف عمر النظام الإيراني الذي أتم الآن عقده الرابع)، يمكن القول بأن إيران أصحبت في الوقت الحالي من بين أكثر 20 قوة صواريخ متقدمة في العالم، وذلك وفقا للعديد من مواقع التحليل العسكري للقدرات الصاروخية العالمية.

أما فيما يتعلق بالميزانية الصاروخية الإيرانية، ففي مشروع موازنة عام ٢٠١٧ الذي قدم للبرلمان الإيراني، ظهرت الميزانية الصاروخية الإيرانية لأول مرة "رغم سريتها التامة"، ووصلت ل ١٠ تريليون ريال (ما يعادل ٢١٣ مليون دولار).

ونفس هذا المقدار أي ما يعادل ٢١٣ مليون دولار قد تم تخصيصه كميزانية لمليشيا فيلق القدس أيضا.

وكان هذا المبلغ نحو 4 في المئة من المخصصات الإجمالية للمؤسسات العسكرية الإيرانية في ميزانية عام ٢٠١٧.

ولكن في مشروع موازنة عام ٢٠١٨ لم تتم الإشارة أبدا لميزانية هذين الأمرين (أي ميزانية قوات فيلق القدس وميزانية البرنامج الصاروخي)، وهذا إن دل فإنه يشير إلى وجود مصادر مالية أخرى للبرنامج الصاروخي الإيراني، وذلك بعيدا عن الميزانية الرسمية الكلية للبلاد، وخاصة ما يتعلق بميزانية البرامج والمنظمات العسكرية التي يقودها خامنئي وبقية مسؤولي الحرس الثوري الإيراني ويعطونها أولوية خاصة عن غيرها من المؤسسات والمنظمات الأخرى في إيران.

الصواريخ قادرة على حمل رؤوس نووية

في كل مرة كانت تجري فيها إيران اختباراتها الصاروخية، كان موضوع البرنامج الصاروخي الإيراني يطرح للنقاش على وسائل التواصل الاجتماعي بين معارض ومؤيد لهذا الموضوع.

وأحدث هذه الاختبارات، كانت الهجمات الصاروخية التي نفذتها قوات الحرس الثوري ضد ما سمته مقرات " منفذي هجوم الأحواز" في سوريا، والتي فشلت في تحقيق إصابات تذكر،  وكذلك أيضا إطلاق الصاروخ" سيمرغ"، الذي فشل في إيصال القمر الصناعي الإيراني "بيام" لمداره حول الأرض، الأمر الذي لاقى انتقادات شديدة من قبل الولايات المتحدة على لسان وزير خارجيتها مايك بومبيو، وكذلك من قبل إسرائيل على لسان رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو، الذي وصف قادة الجمهورية الإسلامية بـ" الكاذبين"، مبينا أن إطلاق القمر الصناعي الإيراني" بيام" هو محاولة لتطوير البرنامج الصاروخي الإيراني.

وعلى الرغم من أن الدول الأوروبية وأميركا متفقون على أنه يجب إجراء محادثات حول البرنامج الصاروخي الإيراني، لكن المسؤولين الإيرانيين كانوا دائما يعارضون وبشدة موضوع محادثات القدرات الصاروخية الإيرانية، ويؤكدون في كل حديث على أن البرنامج الصاروخي الإيراني، هو مجرد برنامج دفاعي ورادع فقط، مستندين بذلك إلى خطاب خامنئي في عام ٢٠١٠ حيث قال: "إن استخدام الأسلحة النووية حرام".

ولكن النقطة المثيرة للاهتمام هنا، هي أن خامنئي حرم استخدام الأسلحة النووية، ولكنه لم يحرم أبدا "إنتاج أو حصول إيران على الأسلحة النووية".

فإيران وقعت معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية في عام ٢٠٠٣، ولكن الصواريخ المصنوعة إيرانيا كما تؤكد المؤسسة الدولية للأبحاث الإستراتيجية (IISS) قادرة على حمل رؤوس نووية، كما أن وزارة الخارجية الأميركية ترى بأن الصواريخ التي اختبرتها إيران حديثا، هي صواريخ قادرة على حمل رؤوس نووية، وتستطيع إصابة نقاط في القارة الأوروبية أيضا.

وبالنظر إلى التكلفة الباهظة التي أنفقتها إيران على برنامجها الصاروخي في العقدين الماضيين، والميزانية الكبيرة التي خصصتها لهذا الموضوع ( ٢١٣ مليون دولار في عام ٢٠١٧)، ومدى السرية التامة المحاطة بهذا البرنامج، والرفض الإيراني التام والقاطع لإجراء محادثات حول هذا البرنامج، فإن احتمال تراجع إيران عن قوتها الصاروخية منخفض جدا. وما ذكر أعلاه يؤكد حقيقة السياسات العدائية التي ينتهجها المسؤولون السياسيون والعسكريون في إيران.

مقالات مقترحة
ما تأثير الصيام على مناعة الجسم ضد فيروس كورونا؟
الدنمارك أول دولة أوروبية تتخلى عن استخدام لقاح "أسترازينيكا"
المعلمون في تركيا.. الفئة المقبلة لتلقي لقاح كورونا