لماذا تتمسك واشنطن باللجنة الدستورية وتهاجمها؟!

تاريخ النشر: 12.02.2021 | 00:15 دمشق

من الواضح أن تأثير الإحاطة التي قدمها المبعوث الدولي إلى سوريا غير بيدرسون في اجتماع مجلس الأمن يوم الثلاثاء، حول الجولة الخامسة من اجتماعات اللجنة الدستورية السورية قد سبب حرجاً كبيراً للجانب الروسي، خاصة أن هذه الإحاطة، وما تبعها من تصريحات لبيدرسون في المؤتمر الصحفي الذي عقده، كان مضمونها واضحاً في تحميل النظام مسؤولية فشل الجولة وعرقلة عمل اللجنة بشكل عام.

الحرج ليس في فشل المفاوضات، فهو أمر كان محسوماً منذ البداية، ولم يكن هناك من ينتظر أصلاً أن يشارك النظام بجدية في أي من مسارات الحل السياسي، وإنما في إخراج النظام لهذا السيناريو الذي كان قد أعده مسبقاً وبطريقة فاقعة لإفشال عمل اللجنة الدستورية، الأمر الذي يبدو أنه تجاوز حتى حدود ما رسمه الروس بهذا الصدد.

إحراج موسكو ازداد بالطبع بعد صدور بيانات عن بعض سفراء الدول الأعضاء في مجلس الأمن، وخاصة الدول الأوربية الخمس والولايات المتحدة، التي عبرت عن إدانتها لأداء النظام وتحميله مسؤولية الفشل مع تحميل روسيا أيضاً المسؤولية المترتبة على ذلك، باعتبارها الداعم الرئيسي للنظام ومن يوفر له الحماية والغطاء في المحافل الدولية، خاصة في مجلس الأمن، حيث أكد ممثلو هذه الدول على أن روسيا هي من عرقلت باستمرار صدور حتى بيانات تدين النظام بسبب تضييعه الوقت ورفضه تطبيق قرارات المجلس.

ما يلفت في الموقف الغربي والروسي حيال مسار اللجنة الدستورية حتى الآن أمران:

الأول أن الولايات المتحدة تبدو شديدة التمسك بهذا المسار رغم كل ما يبدو عليه من عدم الجدية والفائدة، وهو موقف أعادت ممثلة واشنطن في الأمم المتحدة التأكيد عليه في بيانها يوم الأربعاء، وهو ما يتفق مع ما كشفت عنه مصادر في هيئة التفاوض لدى مطالبتها بالانسحاب من اللجنة الدستورية، حين أكدت أن دولاً حليفة للمعارضة ترفض هذا الخيار بما فيها أميركا.

الحرج ليس في فشل المفاوضات، فهو أمر كان محسوماً منذ البداية، ولم يكن هناك من ينتظر أصلاً أن يشارك النظام بجدية في أي من مسارات الحل السياسي

والثاني هو ترديد روسيا المستمر تمسكها بتنفيذ القرار الدولي رقم 2254 والتأكيد الدائم عليه من قبل منصة موسكو، إلى درجة أن رئيس المنصة قدري جميل وأعضاء فيها اعتبروا أن الحديث عن مجلس عسكري سوري كما يطرح مؤخراً يمثل استهدافاً لهذا القرار والتفافاً عليه، بينما عملياً لا يبدو أن الروس يعملون على تطبيقه بالفعل !

والسؤال الإشكالي هنا: لماذا تتمسك الولايات المتحدة إلى هذه الدرجة باللجنة الدستورية رغم أنها من نتاجات مسار أستانة الذي ترعاه روسيا، ورغم الإصرار على إفشاله من قبل النظام وحليفته، بالإضافة أيضاً إلى عدم مشاركته ممثلين عن حليفها الرئيسي في سوريا (حزب الاتحاد الديمقراطي ) فيه، ولماذا تظهر روسيا بالمقابل تمسكها بالقرار 2254 رغم أنه ينص على تشكيل هيئة حكم انتقالي ستفضي نظرياً إلى تغيير نظام الحكم في سوريا؟

سؤال لا يمكن الإجابة عنه بسهولة، ويحتاج إلى نقاش طويل ليس هذا مكانه، لكنه يحيل بالتأكيد إلى مدى التعقيد الذي بات عليه الملف السوري، ومستوى الغموض في استراتيجيات وأهداف الدول المتدخلة فيه.

سيكون من السذاجة بالطبع اختزال الإجابة عن ذلك السؤال بالقول إن الغرب، وعلى رأسه الولايات المتحدة، يعمل على إحراج روسيا سياسياً وإغراقها بالمستنقع السوري أكثر عسكرياً واقتصادياً، كما سيكون من السذاجة أيضاً القول إن روسيا تريد استثمار الوقت من خلال التمسك الظاهري بالقرار الدولي المشار إليه إلى حين إجراء الانتخابات الرئاسية القادمة وفرض أمر واقع جديد على الجميع.

فموسكو تدرك اليوم أن العقوبات المفروضة على النظام لن ترفع في المدى المنظور بما يسمح لها ترجمة انتصار العسكري اقتصادياً من خلال إطلاق عملية إعادة الإعمار، خاصة أن الرئيس الأميركي جو بايدن عبر بوضوح عن سعيه لمواجهة روسيا ومنعها من تحقيق أي تفوق في أي مكان، كما تدرك أنه بدون حل الصراع بشكل عادل ومرضٍ للمعارضة فلن يكون هناك أيُ استقرار يمكن أن يساعد على إعادة دوران عجلة الإنتاج والتجارة والاستثمار في البلاد.

وعليه لا يبقى سوى احتمال واحد يمكن أن يكون منطقياً، وهو أن الطرفين، الأميركي والروسي، يريان في سوريا مساحة مهمة جداً من حيث الجغرافية لا أكثر، وأن من يستطيع أن يسيطر على هذه المساحة بشكل حقيقي هو الذي سيكون منتصراً، أما باقي التفاصيل فهي عوامل ثانوية لا تؤثر كثيراً في هذا الميزان.

ولذلك لا يظهر أي من الطرفين استعجالاً لإنهاء هذا الصراع الذي يدفع ثمنه السوريون دماً وألماً ومعاناة وفقراً وتشريداً وتهجيراً واستنزافاً مفتوحاً، دون أن يتمكنوا من إعادة خيوط اللعبة إلى أيديهم بعد أن فقدوها لصالح الآخرين، وهذا بالظبط ما يعتبر أحد أكبر المكاسب بالنسبة للنظام الذي يدرك اليوم أن إسقاطه لم يعد أولوية أحد من المنشغلين بالصراع على الجغرافية السورية.