لماذا الغوطة مهمة للإيرانيين؟

تاريخ النشر: 03.03.2018 | 10:03 دمشق

آخر تحديث: 27.04.2018 | 01:37 دمشق

بقاء الغوطة خارج سلطة النظام وبقبضة القوى الثورية أمر سيظل يمثل أقوى دليل محسوس على فشل حلفاء الأسد في استعادة النظام وإكسائه شرعية الأمر الواقع، وهو في الوقت ذاته دليل على أن الثورة ماتزال حية وقواها تهدد العاصمة كل يوم. فمجرد تحرك بسيط لفصائل الغوطة نحو دوار العباسيين في دمشق في 18 من آذار/مارس 2017 أدى إلى نسف كل المزاعم التي بناها خلال شهور حول "الانتصار"، فأي انتصار يمكن لحلفاء النظام أن يتحدثوا عنه والمعارضة تهددهم داخل العاصمة؟! من هنا يمكن فهم أن اهتمام الروس بالغوطة يتمحور حول هذا الأمر بالذات، فهم بلا شك يريدون نزع مخالب القوى الثورية التي تخنق النظام، وقد ثبت أن إعلان انتصار النظام غير ممكن دون ذلك. ويدرك الروس على الأرجح أن النكسة التي ستُمنى بها المعارضة إذا ما خسرت الغوطة ستكون أشد وطأة من نكسة سقوط حلب نهاية عام 2016 والتي شكلت علامة فارقة في تاريخ الثورة، فالمناطق الاستراتيجية بيد المعارضة باتت محدودة.

كل هذا مفهوم ويشترك الجميع تقريباً في هذه النظرة إلى الغوطة، حلفاء النظام وقوى الثورة وما بقي لها من "أصدقاء"، لكن ثمة اعتبارات خاصة بالنسبة للإيرانيين مختلفة عن اعتبارات الآخرين ناتجة عن الاستراتيجية الإيرانية في سوريا،

"السيطرة في المفهوم الإيراني تعني وجود ميليشيات شيعية تحت قيادة إيرانية تتحكم بالأرض، ثم تجريف سكاني، فإنشاء مستوطنات شيعية من الميليشيات متعددة الجنسيات وغيرهم".

والمبنية على السيطرة على الممرات البرية والمراكز السياسية، والتي تمثل العاصمة أعلى مراكزها، ويجب أن نتذكر هنا أن السيطرة في المفهوم الإيراني تعني وجود ميليشيات شيعية تحت قيادة إيرانية تتحكم بالأرض، ثم تجريف سكاني، فإنشاء مستوطنات شيعية من الميليشيات متعددة الجنسيات وغيرهم، أي إنجاز التغيير الديمغرافي، فدمشق محاطة ببحر سنّي، وإذا ما أرادت إيران السيطرة عليها فإن خيارها الوحيد هو إنشاء "ضاحية جنوبية" شامية وخلق حزام كـ"حزام بغداد" في محيط دمشق، بحيث تقوم بدور السيطرة ليس على العاصمة وحسب وإنما على الدولة ذاتها، كـ"دولة باطنية" في المحيط تسيطر على دولة ظاهرية في المركز.

تقع الغوطة في منطقة على تماس مع مطار دمشق الذي صار يشكل الآن أهم قاعدة عسكرية إيرانية، ومع نواة السيدة زينب التي تمثل نواة "الضاحية الجنوبية"، والتي تضم مركز الميليشيات الشيعية الإيرانية. وهي أيضاً على تماس مع منطقة القلمون من الشمال الغربي، وهذه منطقة صارت متصلة بالساحل وباتت تمثل مثلثاً علوياً-شيعياً، يعزل دمشق حتى طرطوس ليضمن تمكين وجود النظام في الشريط الواصل بين دمشق والساحل باعتباره مراكز الثقل السياسي،

بالإضافة إلى تمكين حزب الله من السيطرة على الحدود اللبنانية السورية بما يمثل ضمانا إيرانيا في السطو على السيادة السورية.

وتشرف الغوطة كما هو معلوم أيضاً على الطريق الدولي بين حمص ودمشق وبين دمشق والحدود العراقية، وبين دمشق ودرعا، أي أنها بوابة للجنوب نحو درعا وبوابة للشرق نحو العراق، وهكذا تبدو الغوطة في منطقة هي عقدة لجميع المناطق الاستراتيجية السياسية والعسكرية، فهي أقرب إلى أن تكون مثلثاً يحجز العاصمة عن جميع شرايينها بين الحدود اللبنانية والحدود الأردنية، كما لو أن لعنة الجغرافيا السورية تتكرر هنا في الغوطة وتتكثف.

لذلك يجب فهم أهمية الغوطة كمفتاح أساسي في الاستراتيجية الإيرانية للسيطرة على سورية، ("السيطرة" وليس إنشاء "النفوذ"، فالتعبير الأخير أقل بكثير مما يريده الإيرانيون) وليست المسألة مسألة انتصار نظام، فالنظام هو مجرد

جسر مؤقت (لكن لا بد منه) للسيطرة في عيون الإيرانيين. لهذا السبب فإن أهمية الغوطة الاستراتيجية تكمن في أنها قلعة الصمود الأخيرة للثورة في وجه السيطرة الإيرانية، فوجودها تحت سيطرة المعارضة سيبقي استقرار السيطرة الإيرانية في سوريا قلقة وغير مستقرة، كما يقول محمد صبرا (كبير المفاوضين السابق)، وهذا كله هو ما يمنح إيران القوة الدافعة للعمل بكل ما تستطيعه لاحتلال الغوطة، وتعطيل أي اتفاق يبقيها بيد المعارضة.

في اتفاق أنقرة كانون الأول/ديسمبر 2016 مثلاً كان الروس يديرون مفاوضات حول حلب،

"الوقائع أثبتت أن وقف إطلاق النار كان من طرف واحد هو المعارضة، وأن الغوطة بقيت على رأس أجندات إيران"

وكانوا يسعون إلى توسيعها إلى مفاوضات تشمل كل الأراضي السورية التي تسيطر عليها المعارضة، وحسب الوثائق التي دوَّنت تلك الجلسات كان الروس يريدون أن يتم استثناء "الغوطة" و"وادي بردى"، ومع إلحاح المفاوضين عن فصائل الجيش الحر بأن أي اتفاق لن يبرم من دونهما، وافق الروس لأنهم كانوا يريدون إنجاز اتفاق ما، غير أنهم عادوا لاحقاً وقالوا إنه من غير الممكن شمول الغوطة، وكان واضحاً أن الإيرانيين اعتبروها خطاً أحمر، وأيضاً رغم أن الروس مرروا اتفاق أنقرة الذي لم يستثنِ النصرة من الهدنة ولا الغوطة ولا وادي بردى، فإن الوقائع أثبتت أن وقف إطلاق النار كان من طرف واحد هو المعارضة، وأن الغوطة بقيت على رأس أجندات إيران وجزءاً من أجندات الروس.

لكن وضع الغوطة كان على الدوام يشكل الخطر نفسه والأهمية نفسها للإيرانيين، فما الذي جعلهم يبدؤون حملة عليها الآن؟ الواقع أن مناطق النفوذ والسيطرة شارفت على الاستقرار، ولم يعد للروس إمكانية للتقدم نحو دير الزور والتنف وشرق الفرات، فبعد حادثة مقتل أكثر من مئة مرتزق روسي (جندتهم شركة فاغنر) ومقتل أكثر مئتي عنصر من ميليشيات شيعية بصواريخ قوات التحالف إثر محاولتهم اقتحام منطقة نفطية في دير الزرو، صار واضحاً أن الولايات المتحدة جادة في منع أي اقتراب من مناطق سيطرتها التي تمثل ثلث مساحة سوريا.

وفي الشمال في إدلب تم تسليم شرق السكة المتضمن مئات القرى للنظام ضمن اتفاق تخفيض التصعيد الذي وقعته فصائل أستانة، وثمة اتفاق روسي-تركي حول عفرين، وكل ذلك يجعل الوضع في الشمال متروكاً ريثما تنتهي العمليات العسكرية التركية، وأما في الجنوب فهنالك اتفاق أمريكي روسي، لا يستطيع الروس اختراقه، فليس بوسعهم مواجهة الولايات المتحدة، وهو ما يعني عملياً أنه لم يبق أمام الروس سوى إعادة ريف حماة والغوطة لسلطة النظام. ولذلك وعلى الرغم من توقيع الروس اتفاقاً مع القوى العسكرية في الغوطة برعاية مصرية فإن الروس قرروا تصعيد العمل العسكري في الغوطة، وتطابق التوجّه الروسي بشكل كامل مع الرغبة الإيرانية التي لم تفتر يوماً باقتحام الغوطة وطرد المعارضة منها.