لماذا الاحتفاء بالراحل ميشيل كيلو؟

تاريخ النشر: 30.04.2021 | 06:35 دمشق

من شأن الطقوس الجنائزية أن تكون مصحوبة – في الغالب  - بنوع محدد من المشاعر والعواطف، يحاكي معظمها مناقب الفقيد وما حازه من مناقب تجعله حاضر الذكر والإطراء في ذوات الآخرين، إلّا أن الظاهرة التي واكبت رحيل الأستاذ ميشيل كيلو تتجاوز ما تمليه الطقوس الجنائزية، كما تذهب إلى أبعد مما توجبه القاعدة الدينية (اذكروا محاسن موتاكم)، لتتحول إلى حالة أشبه ما تكون باليقظة على المفاهيم والقيم التي طالما ناضل الراحل ميشيل في سبيلها، كالحريات والمواطنة والديمقراطية وسوى ذلك، ولعلنا عند هذه النقطة بالذات نجيز لأنفسنا الحديث عما وراء الظاهرة أو (اليقظة) التي واكبت وفاة المرحوم ميشيل بعيداً عن دفق العواطف وسلطان المشاعر، وذلك من خلال مقاربة شديدة الاختصار لثلاث خصال وسمتْ المسيرة النضالية للأستاذ ميشيل.

1 – لم يكن الراحل ميشيل كيلو هو الوحيد الذي امتلك تاريخاً نضالياً على مدى عقود من الزمن في مقارعة السلطة الأسدية الغاشمة التي أحكمت الخناق على السوريين لأكثر من نصف قرن، ولم يكن كذلك الوحيد الذي أبدى صلابة في مواجهة السلطة ودفع من جرّاء ذلك ثمناً باهظاً سواء بالسجن أو النفي أو الإقصاء، إذ إن تاريخ المواجهة بين نظام الأسد والشعب السوري يكشف عن سجل نضالي حافل بالشخصيات الوطنية التي تركت بصمات ناصعة سواء في صمودها أو مبلغ التضحيات التي قدمتها أو في استمرارها في المواجهة، بل يمكن التأكيد على أن استعراض ما قدّمه السوريون من تضحيات في هذا السياق يجعلنا نعثر على سير نضالية لبعض الشخصيات التي أمضت عقوداً في سجون الكيان الأسدي، تقترب من الأساطير، وذلك نظراً للظروف الخارجة عن الطور الإنساني التي واكبت معاناة خصوم الأسد، إلّا أن ذلك كلّه لم يمنع ظهور سمة التفرّد لبعض الشخصيات دون سواها.

ولعل الراحل ميشيل قد حاز  هذه السمة لأسباب عديدة لعل أهمها، اقتران صلابة الموقف السياسي بصلابة معرفية مبعثها الأفق الثقافي الواسع الذي أتاح للراحل ميشيل أن يؤسس مواقفه من السلطة ليس على شعارات حزبية وإيديولوجية، وإنما انبثاقاً من وعي معرفي عميق بطبيعة الصراع بين السلطة والشعب من جهة، وكذلك بإدراكه وتقديره الدقيق لأولوية المصلحة الوطنية على سواها من المصالح الحزبية أو الفئوية الأخرى، ولعل هذا النوع من الحراك النضالي هو ما جعله يهجر في وقت مبكر الأطر الحزبية الضيقة، من دون أن يكون بعيداً عنها.

اقتران صلابة الموقف السياسي بصلابة معرفية مبعثها الأفق الثقافي الواسع الذي أتاح للراحل ميشيل أن يؤسس مواقفه من السلطة ليس على شعارات حزبية وإيديولوجية، وإنما انبثاقاً من وعي معرفي عميق بطبيعة الصراع بين السلطة والشعب

ذلك أن الآفاق الحزبية التقليدية عامة، وفي أطر المعارضة السورية على وجه الخصوص، وبحكم تموضعاتها الإيديولوجية الجامدة، قد تبدو معيقة في كثير من الأحيان لحيوية الفكر الحر الذي يغدو أكثر خصباً وعطاءً خارج تخوم الإيديولوجيا والنمذجة السياسية. إذ يمكن الوقوف لدى العديد من التجارب النضالية الغنية لشخصيات وطنية سورية لم تكن أقل إخلاصاً في نضالها من الأستاذ ميشيل، ولكن عطاءها على الدوام كان مقروناً بسيرورة الإطار الحزبي الذي تنضوي فيه، فتعلو نبرتها بعلوّ نبرة أحزابها، وتخفت بخفوته، وهذا لا يعني – بالطبع  - أن الأطر الحزبية هي ذات منحى سلبي، بل على العكس تماماً، ولكن ما نعنيه هو أن الإبداع النضالي – فكرياً وسياسياً واجتماعياً – ربما لا يقبل التعايش مع الأطر والنواظم الحزبية المُثقلة بإشكالاتها الذاتية كالشخصنة والصراعات البينية، والتاريخية كالركام الإيديولوجي والمحنطات الفكرية. ولعل هذا ما جعل الأستاذ ميشيل يبقي الجسور قائمة بينه وبين معظم القوى المناهضة لنظام الأسد في سوريا، وذلك على اختلاف انتماءاتها الفكرية والسياسية، سواء أكان مختلفاً معها أو متفقاً، مستمعاً ومتابعاً ومحاوراً وناصحاً، لإيمانه العميق بأن التجليات الحقيقية للوعي الديمقراطي إنما تتجه نحو التفاعل مع المتغايرات، ولا تتجه للتماهي مع ما هو مماثل فقط، فضلاً عن نزوعه الواضح نحو ضرورة تفعيل العمل المشترك لمختلف القوى من أجل المشروع الوطني العام.

2 – شهدت انطلاقة الثورة السورية عام 2011 إقبالاً كبيراً للعديد من الوجوه الثقافية والسياسية السورية للتفاعل مع ما يجري من حراك ثوري على الأرض السورية، سواء تمثل ذاك التفاعل بالعمل داخل الأطر الرسمية التي تشكلت في بداية الثورة، أو من خلال المشاركة الإعلامية، إذ يمكن القول: حتى نهاية العام 2015 كان المشهد السوري المعارض مكتظاً بتنافس محموم على المثابرة في حضور ندوات ومؤتمرات هنا وهناك، وحرص شديد لدى البعض على تصدّر المنصات واللقاءات، فضلاً عن التدافع الشديد للظهور الدائم في الفضائيات والمنابر الإعلامية، في مسعى يشي ظاهره باهتمام بالغ بالقضية السورية.

إلّا أن ذاك الزخم بدأ بالتراجع والانحسار منذ نهاية العام 2016 ، تزامناً مع التدخل الروسي المباشر للقتال إلى جانب نظام الأسد، وبدء الانكفاء العسكري والميداني لقوى المعارضة، وتمدد قوات النظام واستعادتها للعديد من المدن والبلدات التي كانت بحوزة المعارضة، وكذلك موازاة مع انطلاق مسار أستانا في مطلع العام 2017، والذي جسّد تراجعاً سياسياً دولياً عن دعم الثورة.

وقد تمثّل ذلك التراجع للشخصيات الثقافية والفكرية – آنذاك – عبر أشكال عدّة، فمنهم من مال إلى الانكفاء التدريجي، إلى أن وصل حيث كان قبل الثورة، وقسم آخر غاب عن الواجهة العامة ولكن عاد ليعمل بوتيرة أشد ضمن كيانات خاصة لظنّه أن العمل ضمن تلك الكيانات سيحافظ على رصيده السابق الذي ربما يحتاج إليه في المستقبل، إلّا أن الجامع بين الطرفين السابقين : هو القناعة التامة لديهما بأن القضية السورية قد خرجت من يد السوريين، وباتت بأيدي أطراف دولية وإقليمية، وبالتالي فمن غير المجدي التعاطي مع الشأن العام إلّا من خلال القنوات المؤدية إلى تلك الدول.

ولعل هذه القناعة – على الرغم من صحّة جزء كبير منها – فإنها وُظّفت توظيفاً سيئاً من جانب عدد غير قليل من هؤلاء، إذ تحوّلت إلى خطاب مُحبِط يوجهه هؤلاء إلى السوريين، وكأنهم يقولون لهم اذهبوا وشأنكم، لكم الله، بينما انحصر عمل هؤلاء المُحبِطين بالسعي المحموم واللهاث دون ملل للعثور على سبيل إلى عواصم الدول النافذة في الشأن السوري، أو البحث عن موطئ قدم في إحدى المنصات، أو العثور على دور في إحدى الأجندات الخارجية، للحفاظ على مصالح ما دون وطنية.

عدد قليل جداً من الشخصيات الثقافية الوطنية الوازنة لم تقبل أن تكون جنوداً في حملة التيئيس الجارفة التي ما تزال رياحها تهدر دون هوادة، إذ آثر هؤلاء القلائل الانحياز إلى روح الثورة، وتطلعات الشعب السوري الثائر، وذلك على الرغم من الانكسارات الهائلة والمطبات المفجعة في سيرورة الثورة، كان الراحل ميشيل كيلو واحداً من هؤلاء القلائل، إذ كان يدرك جيداً الضرورة الهامة للعثور على علاقات وطيدة مع كل الأطراف الدولية المعنية بالشأن السوري، وعلى الرغم من حيازته لشبكة علاقات دولية وإقليمية قل أن امتلكها غيره، فإن هذا كلّه لم يمنعه من أن تبقى علاقته وتواصله بالسوريين هي الأقوى، إذ كان دائم الحضور في معظم الأحداث الميدانية والسياسية، سواء من خلال مشاركاته المباشرة في الندوات أو الحوارات، أو من خلال تسجيلاته الصوتية الواسعة الانتشار، فضلاً عن علاقاته الاجتماعية الواسعة التي مكّنته من أن يكون قريباً من جميع السوريين على اختلاف انتماءاتهم وثقافاتهم وتوجهاتهم، لإدراكه العميق بأن النفوذ الدولي في مفاصل الثورة مهما كان قويّاً، فإنه لن يلغي دور الشعب الذي أطلق الثورة، وقدّم جميع تضحياتها الهائلة.

لا أحد بإمكانه نكران الدور التخريبي والمدمّر لقوى الإسلام السياسي والجماعات الإسلامية المتطرفة في الثورة السورية، الأمر الذي جعل الكثير من ردّات الفعل حيال التطرف الإسلامي غير واعية، بل ربما لا تقل تطرّفاً عن قرينتها الأولى

3 – لا أحد بإمكانه نكران الدور التخريبي والمدمّر لقوى الإسلام السياسي والجماعات الإسلامية المتطرفة في الثورة السورية، الأمر الذي جعل الكثير من ردّات الفعل حيال التطرف الإسلامي غير واعية، بل ربما لا تقل تطرّفاً عن قرينتها الأولى، وبخاصة بعض الجماعات التي تصرّ على حشر ذاتها ضمن منظومة اليسار أو العلمانية، إذ لم تعد ردّات فعلها تستهدف قوى التطرف ذاتها، بقدر ما بات خطابها يستهدف الدين على العموم، إذ لم ير كثير من هؤلاء بأساً بإعلانه موتَ الثورة وتبرؤه منها لوجود الإسلاميين في صفوفها، بل ربما راح بعضهم يتهم عموم المسلمين في سوريا – كأكثرية سنية -  بالتطرف، لأنهم شكلوا حاضنة شعبية لداعش، وربما راح بعض منهم -  أيضاً- يفكر في تفصيل ثورة على مقاسه المزاجي، فهو يشترط نجاح أي ثورة في سوريا، بوجود شعب بلا دين، وبالتالي يؤكّد هؤلاء أن نظرية (التجانس) التي نادى بها بشار الأسد، تصلح لأن تكون مرجعية في إنتاج مجتمع ديمقراطي علماني خالٍ من أي أثر ديني.

ولعل انتشار تلك الأصوات وشيوعها في المشهد السياسي والثقافي أعاد السؤال القديم الجديد: لماذا ظل مفهوم العلمانية غائماً في بلادنا، فهل تكمن المشكلة في القيم العلمانية ومنظومتها الثقافية، أم تكمن في تفكير وسلوك من ادّعوا أنهم كهنتها وأربابها؟ وهل تتجسّد العلمانية فقط في بعض الشعارات المحاربة للدين وشعائره، أو في بعض مظاهر التنمّر على عقائد الناس وحرياتهم، أم في قراءة أحدهم بضعة كتب يراها كافية أن تجعل منه صاحب كنز معرفي يجيز له أن يمارس كل تعاليه وعجرفته ووبائه الأخلاقي على الآخرين؟

الراحل ميشيل كيلو الذي لا يستطيع أحد أن يزاود على علمانيته ويساريته، لم يكن يشعر بذلك الاغتراب الموهوم بينه وبين عموم السوريين، ولم ير أن الدين الإسلامي – بنزعته الفطرية الشعبية – سيكون عائقاً أمام تبشيره بالديمقراطية في سوريا، وكذلك لم ير في مسيحيته سبباً لانحيازه إلى خطاب أقلّوي لا يخدم سوى أنظمة الاستبداد، بل ما يؤكده الأستاذ ميشيل في مجمل أحاديثه التي صدرت عنه قبل وفاته بأيام قليلة، هو أنه سوري أولاً، بعيداً عن أي تصنيف مذهبي أو عرقي، ثم إن كونه مسيحياً، لا ينفي أن يكون الإسلام هو امتداده الحضاري والثقافي الذي يفخر به.

أمّا نزوعه العميق نحو الديمقراطية، ودفاعه عن الحريات وحقوق الإنسان، ونضاله المديد في وجه الظلم والاستبداد، وسلوكه – فكرياً وسياسياً واجتماعياً – إنما يفصح بوضوح عن أن التجسيد الفعلي لقيم العلمانية إنما يكمن في شرطها الإنساني والأخلاقي، من جهة كونها منظومة قيم وثقافة، وليست إيديولوجيا كما يتوهّمها آخرون.