لكنه غير قابل لإعادة التأهيل

تاريخ النشر: 26.03.2018 | 08:03 دمشق

كان مشهد النائب في مجلس شعب النظام الكيماوي، المدعو محمد قبنض، وهو يوزع الماء والسندويشات على نازحين من الغوطة الشرقية، بشرط أن يهتفوا بحياة المجرم بشار الأسد، شفافاً في تعبيره عن جوهر هذا النظام. ذلك أن "العقد الاجتماعي" المضمر الذي قام عليه "الاستقرار" السوري المديد، في عهد حافظ الأسد، كان أصلاً عبارة عن مقايضة لوسائل العيش مقابل التخلي عن الحرية والكرامة. هذا هو أساس القطاع العام "الاشتراكي" الذي شكل أكثر من نصف الاقتصاد السوري، وكانت وظيفته عدم ترك أحد جائعاً، بما في ذلك التغطية على بطالة مقنعة مفادها تخمة في الوظائف وقلة في الإنتاج. وذلك إضافة إلى ما يتيحه موقع رب العمل الذي يحتله النظام من بناء شبكة ولاءات وإفساد منهجي وربط مصير الملايين (الموظفين وعائلاتهم) ببقائه والدفاع عنه، وتخريب القيم الأخلاقية لمصلحة الوشاية والاستزلام والتذرر الاجتماعي.

هذا لا يعني أن ما يتبقى من النشاط الاقتصادي (القطاع الخاص والاقتصاد الموازي) كان خارج السيطرة. بل ربما كان العكس هو الصحيح. فبمقابل شعور العامل في القطاع العام بأنه موظف عند الدولة (حتى لو كان مجرد شعور وهمي)، كان القطاع الخاص مرغماً على المبالغة في إظهار الولاء لكي يحظى برضى الجهة الوصائية، أي النظام عارياً من غلاف الدولة الرقيق، فيصعد في السلم الطبقي وتفتح أمامه الأبواب المغلقة، من خلال شراكات الإذعان مع ضباط الجيش أو المخابرات أو غيرهم من النافذين. وكان مجلس الشعب الذي ينتمي إليه قبنض بوابة "رجال أعمال" وممثلي عشائر وعائلات إلى الاقتراب من مركز السلطة، وسلماً للصعود والإثراء مقابل الولاء المطلق.

أما ما يسمى اقتصاد الظل، أي تلك الأنشطة غير الشرعية من وجهة نظر القوانين النافذة، فكانت أكثر عرضة بعد للابتزاز والاختراق الأمني. على سبيل المثال كان ثمة "تعليم مواز" للتعليم الرسمي، تمثل في آلاف المكاتب التي تعطي دروساً خصوصية للطلاب، بسبب عدم كفاية التعليم العام الرسمي من جهة أولى، وعدم كفاية رواتب العاملين في قطاع التعليم من جهة ثانية. وعلى رغم معرفة كل الناس بهذه "المؤسسة الموازية" وضرورتها، وأولهم السلطة، لم تصدر تشريعات تنظم عمل هذه المكاتب بما يحفظ مصلحة الطرفين المستفيدين، الطلاب والمعلمين. بل ترك الأمر في وضع غير شرعي ليشكل باباً للابتزاز ثنائي الفائدة بالنسبة للنظام: فقد كانت دوريات أجهزة المخابرات تقوم بزيارة تلك المكاتب، بشكل دوري، فتحصل على "المعلوم" من جهة أولى، وتبقي المعلمين والطلاب تحت الرقابة المخابراتية من جهة ثانية.

هذا المثال هو عن أكثر النشاطات الاقتصادية غير الشرعية براءةً إذا صح التعبير. يمكننا أن نتخيل حال النشاطات الأخرى الأقرب إلى الجرائم الموصوفة كالتهريب الذي يشمل مختلف أنواع البضائع وصولاً إلى المخدرات والسلاح اللذين كانا تحت الإشراف المباشر للمافيات المقربة من قمة النظام.

هذه السيطرة الشاملة على النشاط الاقتصادي، العام والخاص واقتصاد الظل جميعاً، هو ما يبرر إطلاق صفة النظام الشمولي على الطغمة التي حكمت سوريا أكثر من نصف قرن. وفي ذلك فهو يماثل الأنظمة الاشتراكية التي انتهى أجلها قبل نحو ثلاثة عقود. غير أن نظامنا الكيماوي تفوق على تلك الأنظمة البائدة، سواء في تفخيخه المجتمع بألغام الطائفية والعشائرية والجهوية والطبقية، أو في استهتاره بإفقار الناس فوق إذلالهم، أي بإلغاء "العقد الاجتماعي" الضمني المذكور أعلاه، منذ التسعينات، وخصوصاً بعد صعود جيل الأبناء من أركان النظام (ممثلاً ببشار الأسد ورامي مخلوف)، أو في بلطجته الإقليمية، أو في شراسته غير المحدودة بالتمسك بالسلطة، الأمر الذي تجلى، بعد انطلاق ثورة السوريين عليه في 2011، في شعار "الأسد أو لا أحد" وقرينه "الأسد أو نحرق البلد"، فلم يبق الشعار الأخير مجرد شعار، بل قام النظام بحرق البلد حرفياً.

الإذلال المطلق الذي تمثل في مشهد المدعو قبنض هو العقد الاجتماعي الجديد الذي يتوهم النظام بأنه سيفرضه على ما تبقى من السوريين، بعد العقد الاجتماعي الأول "الاشتراكي" ثم العقد الاجتماعي الثاني "الليبرالي المخلوفي". ففي العقد الأول كانت المقايضة: طعام مقابل التخلي عن الحرية والكرامة، وفي العقد الثاني: التخلي عن الحرية والكرامة بلا مقابل، وفي الثالث: التخلي عن كل شيء مقابل احتمال البقاء على قيد الحياة.

هذا ما يتوهم النظام أنه سيفرضه على السوريين بعدما يقضي، من أجله، الروس والإيرانيون على كل البؤر المتمردة، ويعيد له "المجتمع الدولي" الشرعية عن طريق "إعادة التأهيل" الشهيرة، ويعيد أثرياء العالم إعمار ما دمره، هو وحليفاه من أجل خاطر عينيه الزرقاويتين، وكأن العالم بأسره واقع في غرام هذا النظام ورأسه المجرم المعتوه.

ومهما حاول حليفه الروسي أن يبحث له عن "حلول سياسية" قوامها القصف الجهنمي للمناطق السكنية والمدارس والمستشفيات والأسواق الشعبية، ومهما بلغت وقاحة "المجتمع الدولي" في القبول بالحلول الروسية، فإن مشهد المدعو قبنض يكشف أن النظام غير قابل لإعادة التأهيل. بل يمكن فقط أن يعاد تدويره على مثال إعادة تدوير ضباط صدام حسين في مشروع داعش.