لقاء البشير وبشار.. وصفات " التكيف" ورسائل الإقليم

لقاء البشير وبشار.. وصفات " التكيف" ورسائل الإقليم

18 كانون الأول 2018

في عام 2007 نشر الباحث، والمختص بالملف السوري، ستيفين هايدمان (Steven Heydemann) دراسة شيقة بعنوان "Upgrading authoritarianism in the Arab world" في فحص ما كان يسمى "Arab exceptionalism " أو " الاستثنائية العربية" ديمقراطيًا. قيمة هذا المقال أو الدراسة لا تنبع من أنه أسس نظريًا لما يعرف في دراسات عدة بـ "التعلم السلطوي" أو "Authoritarian Learning". لكنه نجح إلى جانب مساهمات إيفا بيلين " Eva R. Bellin" في لفت الأنظار غربيًا إلى ضرورة دراسة "استثنائية الأنظمة العربية" عوضًا عن التركيز على الجانب الثقافوي (الثقافة الأبوية، الإسلام). ضمن هذا السياق، يدعي هايدمان أن الأنظمة السلطوية العربية التي راكمت خبرات الاستبداد عبر عقود طويلة أنتجت آليات جديدة أكثر قدرا على التكيف "adaptation" لاحتواء المطالب الديمقراطية داخليا والضغوط الدولية خارجيًا.

من المنظور السابق، يعتبر نظام عمر البشير في السودان من أكثر الأنظمة نجاحا في "التكيف السلطوي" على مستوى المنطقة والعالم. فالنظام الحاكم في السودان، المحسوب نظرياً على جماعة الإخوان المسلمين، وصل إلى السلطة بانقلاب عسكري دموي، وحكم لما يقارب ثلاثة عقود دون مشروع تحديث أو دون الادعاء بذلك. أكثر من ذلك، استمر هذا النظام بالسلطة رغم التفقير والتهميش، وفشل

البشير بزيارته إلى دمشق ولقائه بشار أراد نقل ثلاث رسائل. أولها: إن مجرم الحرب يمكن أن يستمر في الحكم. وثانيها؛ إن البقاء في الحكم له ثمن إقليمي. وثالثها: كل الطرق الاستبدادية تؤدي إلى تل أبيب

الدولة الوطنية، وانتشار الميليشيات، وانقسام البلاد رسميا إلى قسمين، وتشظيها إلى خمسة، وقتل عشرات الآلاف من البشر في دارفور وغيرها. وبخلاف كل الانظمة الأخرى، لم يتعرض النظام السوداني إلى هزات بنيوية عميقة على الرغم من خروج موجات شعبية ضده إلى درجة أن البشير يعد العدة لإصدار تشريع يسمح له بالبقاء بالرئاسة إلى الأبد.

قصارى القول، أن البشير بزيارته إلى دمشق ولقائه بشار أراد نقل ثلاث رسائل. أولها: إن مجرم الحرب يمكن أن يستمر في الحكم. وثانيها؛ إن البقاء في الحكم له ثمن إقليمي. وثالثها: كل الطرق الاستبدادية تؤدي إلى تل أبيب.

الرسالة الأولى: تقوم على استحالة الحكم بالطريقة السورية الحاليّة.  لذلك لا بد من خلق هامش جيد من الحريات والعمل السياسي على أن يكون هذا الهامش محكوما كليا من أجهزة الدولة بحيث تصادره عند الحاجة إلى العودة إلى آليات الهيمنة التقليدية (القمعية). والتجربة السودانية حاليا خير برهان، إذ يبدي نظام البشير ليونة تجاه عمل المعارضين ونشاطهم السياسي، والعمل الصحفي والثقافي المعارض مع الإيحاء بأن النظام القائم يريد حوار وطنيا جديا للخروج من الأزمة الوطنية الحادة. وفي الوقت عينه، تجري عملية استمالة بعض المعارضين وتقسيم الأحزاب الأخرى لمنع تشكل قطب وازن قادرعلى تشكيل بديل ديقراطي. وبهذا المعنى، تعيد " المعارضة" ما فقده النظام من "مشروعية"، ويستطيع من خلالها الادعاء بوجود عملية سياسية وطنية.

 الرسالة الثانيّة: إن أولى خطوات البقاء تكمن في رفع العقوبات الدولية المفروضة على النظام، وهذا لا يتحقق إلا  بدفع ثمن إقليمي لدول قادرة على التأثير في السياسات الغربيّة.ضمن هذا السياق، يعد نظام البشير أبرز الأمثلة الناجحة، فقد استغل صعود دول خليجية حليفة من ترامب لتزعم المشهد العربي (الإمارات والسعودية)، وسعى إلى إيجاد أرضية مشتركة معها لكونها تفضل الأنظمة الاستبدادية على النماذج الأخرى. فمع أن إيران قدمت

التطبيع مع إسرائيل ونسج علاقات معها وإهمال القضية الفلسطينية، والاعتراف بشرعية الاحتلال هو مدخل أساسي لتطوير العلاقات مع الغرب

مساعدت جلية للبشير، لكن الأخير لم يتردد لحظة في التخلص منها عندما رأى في ذلك طوق نجاه لنظامه، وبوابة لدخول قلب ترامب. ومع بروز اللحظة الخليجية في المشهد العربي أغلق البشير المراكز الثقافية الإيرانية، وقطع العلاقات الدبلوماسية مع طهران، وأرسل قواته لتعمل  بالأجرة بدلا عن جنود التحالف العربي في اليمن. وحتى لا يضع البيض في سلة المملكة، حافظ البشير على علاقات جيدة مع تركيا وقطر مع خلال منحمها مشاريع استثمارية واقتصادية ساهمت في تقوية نفوذهما الإقليمي في منطقة البحر الأحمر وإفريقيا.

 الرسالة الثالثة: إن التطبيع مع إسرائيل ونسج علاقات معها وإهمال القضية الفلسطينية، والاعتراف بشرعية الاحتلال هو مدخل أساسي لتطوير العلاقات مع الغرب عموما، والولايات المتحدة على وجه خاص. من هذا المنطلق، شرع نظام البشير وقبل سنوات بتحسين العلاقات بشكل تدريجي مع إسرائيل لتصل مؤخرا بعد رفع العقوبات الأميركية عن السودان إلى مستوى يطالب فيه نتنياهو علانية بالتطبيع الجوي "علانية" تمهيدا للتطبيع الدبلوماسي، كما يجري حاليا مع دول خليجية عدة.

باختصار، نقل البشير "شروط" إعادة تأهيل النظام السوري عربيا وإقليميا تمهيدا لتأهيله على المستوى الدوليّ، وهي "شروط" لا يمانع النظام في تنفيذها لكن قد لا يستطيع بحكم التغلغل الإيراني في الأرض والذي لا تقدر موسكو على موازنته حتى الآن.

مقالات مقترحة
" قيصر" يخلط الأوراق في سوريا ومشروع إيران على المحك
فوتوشوب! صور قيصر
واشنطن في مجلس الأمن: قانون "قيصر" لا يستهدف المساعدات الإنسانية
الفصائل تقتل مجموعتين لقوات النظام وتحبط هجومها جنوب إدلب
قمة أستانا: ضرورة العمل على الحل السياسي والتهدئة في إدلب
الروس يهاجمون جبل الزاوية ويسيرون دورية مشتركة على الـ M4
تسجيل 19 إصابة بـ "كورونا" في مناطق سيطرة النظام
النظام يعلن عن تسجيل 23 إصابة جديدة بكورونا
تسجيل 13 إصابة جديدة بكورونا في مناطق سيطرة النظام