لفلسطين المقام والمقال.. العشق والمآل..

2021.05.17 | 06:35 دمشق

0alcc.jpeg
+A
حجم الخط
-A

لا نبالغ حين نقول: إن السوري، خاصة أجيال الخمسينيات والستينيات رضعوا حليب فلسطين صافياً، فانتموا إليها قضية مركزية. اندمجت فيهم وشكّلت حلمهم الكبير بالتحرير الذي كان يجوب اهتمامهم، وخياراتهم ويضعها في مقدمة أولوياتهم إلى درجة الانتماء.

لم يكن هذا وقفاً على فئة، أو حزب، أو تيار بعينه، وإنما شكّل السمة العامة لمعظم السوريين، إلى درجة أن فلسطين كانت تتقدّم سوريا الإقليم، والوطن إلى الأشمل.

مياه كثيرة عكرة وقذرة جرت من قبل الأنظمة العربية لوضع القضية الفلسطينية في قفص "المبادرات" العربية

شكّلت هزيمة حزيران 1967 مفصلاً هاماً في موقع فلسطين، حين أجبرت الهزيمة بعض الأنظمة العربية على إجراء نوع من الانفكاك، أو الفصل بينها وبين الأراضي التي احتلت لتعرف نوعاً من التراجع الذي تموضع وتكرّس مع مرحلة "الردّات" خاصة في مصر وسوريا، وتتويجها بزيارة السادات للقدس، واتفاقات فصل القوات على الجبهة السورية التي واظبت على الالتزام بالصمت، ومنع أي جهة من إطلاق رصاصة واحدة من الحدود السورية، وصولاً إلى تدخل النظام السوري في لبنان 1976 بصفقة مع أميركا وتواطؤ إسرائيلي لضرب تحالف الثورة الفلسطينية مع الحركة الوطنية اللبنانية، وحرب 1982 التي أدّت إلى رحيل الثورة من لبنان ولجوئها إلى تونس.. ثم اتفاقات أوسلو ومآلاتها.

مياه كثيرة عكرة وقذرة جرت من قبل الأنظمة العربية لوضع القضية الفلسطينية في قفص "المبادرات" العربية التي عرفت مزيد التراجعات والتنازلات دون أن تحرز أي تقدّم على صعيد ما جرى فرضه والاتفاق عليه بقيام دولة فلسطينية في الضفة والقطاع وعاصمتها القدس الشرقية، و"فتح" ملف عودة اللاجئين..

مرّت الأعوام والعقود وفلسطين وحيدة تحاول إبقاء قضيتها حيّة، رغم ما عرفته من إشكالات وانقسامات، وعمليات مدّ وجزر بواقع تراجع الدور العربي إلى درجة الغياب والغيبوبة، خاصة بعد تغوّل المشروع الإيراني القومي بحوامله المذهبية الخطيرة ونجاحه في اختراع النخاع الشوكي لعدد من المجتمعات العربية، وتهديده الأمن القومي لمجموعة من الدول العربية في الخليج وغيرها.

ونتيجة عجز الوضع العربي عن مجابهة هذا الخطر جرت عمليات تحويل تتصف بالحَول لم تقتصر على اعتبار إيران العدو الأول، والخطير وحسب، وإنما عبر استبدال خطير بقيام تحالفات متطورة مع العدو الصهيوني، وإجراء صفقات التطبيع الشامل بضغط من الإدارة الأميركية السابقة، وبطريقة تهيل فيها التراب على ما تبقى من حقوق الشعب الفلسطيني.

على صعيد الثورة السورية، ونتيجة تشابك وتعقّد الوضع، وما عرفته سوريا من مقتلة جماعية، ومأساة تعتبر الأقسى بعد الحرب العالمية الثانية، وانسداد أفق الحل السياسي انغمس جلّ السوريين بشأنهم الخاص وكأنّ فلسطين لا تحضر سوى في القليل النادر من مواقفهم واهتمامهم، وبرز بشكل عام توجهان:

الأول: يعتبر أن سوريا أولاً، وقبل أي اهتمام بموضوع آخر، وهناك من أصيب بردود الفعل على ما يعتبره إهمالاً، أو ضعف الانتماء لوطن اسمه سوريا مقابل الاهتمام بالقضايا القومية وفي مقدمها فلسطين، دون أن يغيب عن الذهن، في هذا المجال، نمو الاتجاهات "الواقعية" جداً التي تنطلق من مفروضات موازين القوى الراهنة، ومن قناعة تعتبر الرهان على تغييره نوعاً من العبثية.

الثاني: وهو اتجاه بائس يقتصر على عدد من "المغامرين" المرتبط بعضهم بأجندات مشبوهة ممن قاموا بزيارة الكيان الصهيوني وروجوا للتعاون معه سبيلاً لحلّ الأزمة السورية، وانضواء في الخط الصهيو أميركي.

إن انتصار الثورة السورية لا بدّ أن يكون عاملاً هاماً في دعم القضية الفلسطينية

من وقائع استمرار النزيف السوري، وعدم حسم الأزمة السورية بقرارات دولية واضحة، خاصة على صعيد مواقف الإدارات الأميركية المتعاقبة، موقف إسرائيل الفاعل في ذلك، والذي يصبّ في الإبقاء على النظام السوري المجرم لأنه موثوق ومضمون، والخوف كبير من نجاح الثورة السورية وقيام نظام ديمقراطي تعددي يطلق خصائص وطبيعة وانتماء السوري ويضع سوريا في موقعها الطبيعي الذي طالما مارسته على مرّ تاريخها المشرق، خاصة بالنسبة للقضية الفلسطينية.

إن انتصار الثورة السورية لا بدّ أن يكون عاملاً هاماً في دعم القضية الفلسطينية، يعزز خط الصمود له الشعب العملاق، ويمكّنه، أكثر، من مقاومة عمليات التهويد والقضم..

التحية لشعب الجبّارين يصفع الواقع العربي ويفتح الطريق لتعزيز الصمود والأمل.