لتسقط إن لم تكن صوت الثورة

تاريخ النشر: 12.04.2021 | 06:47 دمشق

غربة منظومة الأسد وانفصامها عن واقع سوريا ليست طارئة. حتى ما يسمَّى "حاضنة النظام" بدأت تستشعر ذلك أكثر من أي وقت مضى. وفي الضفة المقابلة، هناك من يَرى نظيراً لحالة غربة النظام هذه؛ تتمثل بغربة "المعارضة الرسمية" عن المد الشعبي الأساسي "الثورة" التي قالت "لا" للاستبداد، وتحمّل أهلها ما لا يْحتَمَل. في الرؤية هذه خلطٌ كبير؛ المستفيد الأساسي منه نظام الإجرام الأسدي، الذي فتك بالجميع.

النظام حالة غريبة عن كل ما هو سوري، وعن مواجع وهموم السوريين. تاريخياً لم ينظر هذا النظام للشعب السوري إلا كعدو محتقر مصيره القتل أو الاعتقال أو التشرد، إن هو رفع رأسه أو حتى فكّر؛ وذلك لأنه بنى استراتيجية حكمه وسلطته أساساً على المواجهة، لا على العيش والتعايش والنمو الحقيقي. فالنظام يجوّع من حوله الآن، ولا يكترث؛ وما يسمّى "الحاضنة" تفكر حتى بالخروج من الجغرافيا السورية، وهو لا يعير ذلك اهتماماً، وربما يسهله. تنتشر المخدرات بين أطفال سوريا، والنظام يشجعها؛ يخزن ملايين الدولارات، والإنسان السوري يعجز عن تأمين رغيف.

يفكر النظام بعلاقة مع إسرائيل كي تنقذه، يسود الصمت القاتل تلك الحاضنة، قابلة حتى بالخيانة، من أجل البقاء

هذا حال من ربطوا مصيرهم بمصيره حرجاً أو خوفاً أو طوعاً واختياراً؛ وقدّموا أولادهم قرابين لحمايته؛ دافعوا عن استدعائه المحتل علّه ينجو. ومن جانبه ينكر ويتنكّر لكل ذلك، ويعزي ما يحدث لعقوبات المؤامرة الدولية. يعرف من حول النظام بأن انخراطه في العملية السياسية يرفع عن كاهله العقوبات، ولكن أحداً من تلك الحاضنة لا يمتلك الجرأة ليقول لا بد من فعل شيء تجاه هذه المسألة. يفكر النظام بعلاقة مع إسرائيل كي تنقذه، يسود الصمت القاتل تلك الحاضنة، قابلة حتى بالخيانة، من أجل البقاء.

يكذب نظام الحاضنة كما يتنفس، ويعيش انفصاماً عن الواقع؛ وبدورها ترافع الحاضنة عن زيفه. يكفيها أن تُعمل العقل والضمير قليلاً، لتكتشف أن الأقرب والأكثر خدمة للنظام ولتنفيذ أغراضه هي داعش والنصرة، التي شوّهت كل مَن قال "لا" للنظام، وأنها صنيعته وصنيعة إيران والمخابرات العالمية؛ وأن كل ما وُصمَت به ثورة السوريين من تطرف، كذب وتزوير للحقائق؛ ولا علاقة له بثورة أو معارضة؛ والخلاص من الداعشية بحد ذاته خلاص من منظومة الاستبداد والإجرام.

من جانب آخر، بعض تلك الملايين التي ثارت على النظام- رغم عدم تجانسها- تنظر إلى أولئك الموجودين في مؤسسات المعارضة "الرسمية" كنظير أو شبيه للنظام. تلك "المجموعات"، بالنسبة لهم، تتشبث بكراسيها، أنانية، إقصائية، فاسدة، فاشلة، ترتهن للخارج؛ وهي عاجزة عن هزيمة النظام المجرم. وأخطر ما يُقال فيها إنها تشبه النظام وحتى أسوأ.

في هذه المقارنة التشبيهية للمعارضة بالنظام ظلم وأذى ليس للمعارضة فقط، بل للثورة والقضية الأنبل؛ بعضه نابع من إحباط ومواجع، وبعضه ناتج عن ضعف في الرؤية والوعي، وبعضه قصدي ومدروس.

بداية، هذه الملايين قامت بثورة لا لتكون أو لتبقى بوضع يشبه من اختار خوفاً أو طواعية العيش في كنف منظومة الاستبداد. هذه الملايين المنتقدة للمعارضة بقسوة شديدة تستطيع أن تجهر برأيها دون أن تُقتَل أو تُعتَقل أو تُشرَّد أو تُقصف بكل صنوف الأسلحة. ففي ضفة النظام، وكأنك أمام "أوركسترا" يتم ارتكاب ما لم تعهده البشرية من إجرام؛ ولا تسمع كلمة رغم دمار حياة تلك "الحاضنة". إن جزءاً كبيراً من حملة التجريح والإهانة مخطط وتهدف إلى نسف مصداقية أي صوت أو عمل أو فعل يقف في وجه منظومة الاستبداد؛ فالنظام يرتمي بأحضان الخارج ويضع مصيره بيده؛ ويقول إن المعارضة مرتهنة للخارج. وهل بقيت القضية سورية-سورية كي لا يكون لمن يقف في وجه هكذا نظام، يحميه الخارج، بعض الارتباط بمن حمل ودعم ملايين السوريين الذين شردتهم آلة قتل النظام وحماته؟!

غير مطلوب أن تقع بغرام "المعارضة"؛ وأستطيع أن "ألعن معك سلاّف سلاّفها"- كما يُقال؛ ولكن أرى أن قمة الأذى لقضيتك أن تفعل حصراً ما يسعى نظام الإجرام لتكريسه من خلال وصفك واعتبارك لمَن يقف إلى جانبك في مواجهة منظومة الاستبداد بأنه مثلها؛ فأنت الخاسر في النهاية.

البعض، للأسف، تجاوز تكريس أهداف منظومة الاستبداد وسمومها ببثه دعاية النظام ذاتها بأن النظام يحتقر هذه المعارضة؛ وشرع بالقول: "ليتها مثل النظام"؛ أو "نظام الأسد أفضل منها". لنصف المعارضة بأي شيء، لننتقدها بشدة؛ ولكن علينا دعوتها للصحوة ولتصحيح مسارها؛ والالتصاق بمن ترافع عن قضيتهم العادلة.

الغالبية العظمى من أهل سوريا، وغالبية المعارضة، يريدون الخلاص واستعادة بعض حياتهم والعودة إلى بناء سوريا لكل أهلها

أخيراً، رغماً عن النظام الذي يلعب لعبة الوقت ويراهن على الزمن كمدحلة لطمس الحقيقة، ومراهنته على يأس الناس، ورغبته في إطالة المأساة علها تبقيه في سدة السلطة؛ ورغم تشابه أغراض بعض من هم في المعارضة مع هذا السلوك الشائن؛ إلا أن الغالبية العظمى من أهل سوريا، وغالبية المعارضة، يريدون الخلاص واستعادة بعض حياتهم والعودة إلى بناء سوريا لكل أهلها؛ والطريق واضح، فالمخرج الوحيد لكل السوريين/ وبالمعنى الحرفي كلمة "كل"/ هو بالتطبيق الكامل للقرار الدولي 2254، عبر جسد سياسي انتقالي، يؤسس لمؤتمر وطني عام، يكلف هيئة لكتابة دستور جديد للبلاد، يتم بموجبه انتخابات برلمانية ورئاسية في فترة زمنية محددة. غير ذلك استمرار للمرض السوري. مؤسسات المعارضة الرسمية تصرح بأن هذا هو موقفها؛ إذا أرادت استعادة ثقة السوريين، لا بد من تطابق التصريحات والمواقف مع إرادة الثورة. لنشبّه المعارضة بأي شيء، إلا بالنظام؛ ولتسقط إن لم تكن صوت ثورة الحرية السورية، والقوة المستعدة للحظة فجر سوريا الجديد.