لبنان ليس رسالة لبنان ثورة...

تاريخ النشر: 25.10.2019 | 16:46 دمشق

منذ أن دخل حزب الله في غفلة من العالم إلى عباءة لبنان واستعصى داخل دمية حصان الدولة اللبنانية، وهو يحركها  حسب إرادته و أهوائه، وهو أمر لا يخفيه قادته وحلفاؤه و حتى أنصار الحزب، فزعيم حزب الله بات في السنتين الأخيرتين يصرح بشكل حاد بارتباطه العضوي و المنهجي مع دولة إقليمية أساسية متهمة بالتدخل في شؤون الدول العربية وهي إيران، ولكن الأمر لم يقف عند مصادرة قرار الحرب والسلم أو التدخل العسكري في الدول المجاورة، أو السيطرة على الحياة السياسية بشكل شبه تام من قبل الحزب في لبنان، بل بات يهدد المصداقية الاقتصادية التي بنيت عليها دولة لبنان كفكرة ومبدأ، فدولة لبنان الكبير، بنيت على مبادئ أساسها الانفتاح على العالم والغرب بشكل دقيق، لتكون نموذجاً يمزج الغرب والشرق، عن طريق تبني أفكار حرية التعبير والصحافة والإعلام والديمقراطية جنباً إلى جنب مع الريادة في الأدب والفن و التعاملات المالية، ولكن البند الأساسي هو كونها وجهة مصرفية أساسية للشرق بشكل عام، ولسوريا، والعراق والخليج بشكل خاص، عبر عدد من قوانين الحماية والسرية والفوائد والاستقلالية المصرفية التي  نظمت المصارف اللبنانية المتعددة التي منحت لبنان، وهي الدولة الفقيرة بالموارد حيث لم يكن النفط أو الغاز قد اكتشف وليس فيها أي ثروة طبيعية تمنح اقتصادها القدرة على النمو السريع أسوة بدول المنطقة العربية، غير أن فكرة قبول تحول لبنان إلى مصرف للشرق محمي من الغرب ومحصن بقوانين الحريات والإعلام والسياسة، منحت هذا البلد الصغير قفزة كبيرة جداً في الاقتصاد، وفورة وازدهاراً مالياً مميزاً، تجسدت بشكل واضح في الخمسينيات والستينيات وحتى منتصف السبعينيات حينما اندلعت الحرب الأهلية، التي أعادت البلد إلى حضن الشرق المشتعل وجعلت منه ساحة وميداناً لصراع إقليمي ودولي يتم على أراضيه، ومنذ يوم حادثة عين الرمانة وحتى اليوم تقاذفت البلد رياح واضطرابات كثيرة حاول فيها بعض سياسيوه إعادته لما كان عليه، حتى وصل حزب الله إلى المشهد اللبناني وأتم سيطرته على لبنان في ليلة السابع من أيار في العام 2008، فالحزب الذي دخل قلوب لبنانيين بعد تحرير جنوب لبنان سنة 2000، لم ينفك ينزع عن لبنان ميزته الأثيرة في كونه قبلة مصرفية للشرق، عبر دحض المبادئ الثلاثة التي قام عليها البلد، في حرية الرأي والحرية السياسية وحرية العمل المصرفي، فمنذ إجهازه على المبدأين الأولين، بدأ الحزب وعبر صراعه الإقليمي المستمر وتضخم أدائه العسكري إلى خارج لبنان، وصولاً إلى اليمن وسوريا والعراق، بدأ بتحطيم لبنان وسمعته المصرفية .

كانت المفاجأة الكارثة هي في بدء إدراج مصارف لبنانية على لائحة أوفاك وهو مكتب مراقبة الأصول الخارجية في الولايات المتحدة، بداية ببنك جمال ترست.

بعد العديد من العقوبات التي طالت قادة و نواباً وسياسيين في حزب الله، والتي فرضتها وزارة الخزانة الأميركية، بحجة انفلات حزب الله خارج الأراضي اللبنانية و تدخله عسكرياً في عدة دول عربية، كانت المفاجأة الكارثة هي في بدء إدراج مصارف لبنانية على لائحة أوفاك وهو مكتب مراقبة الأصول الخارجية في الولايات المتحدة، بداية ببنك جمال ترست، الذي اتهم "بتوفير خدمات مالية و مصرفية لمؤسسات يملكها حزب الله مدرجة قوائم الإرهاب، مثل (القرض الحسن) و (مؤسسة الشهيد) و(المجلس التنفيذي للحزب)"..مما أدى مباشرة إلى إقفال المصرف وتصفية أملاكه، مما سبب أزمة ثقة غير مسبوقة بالنظام المصرفي اللبناني ،وتهدد بتكرار التجربة مع مصارف أخرى تشك الأمم المتحدة بتعاملها مع حزب الله المدرج "جناحه العسكري" على قوائم الإرهاب أميركياً وأوروبياً، وسبق للخزانة الأميركية أن فرضت عقوبات على البنك اللبناني الكندي بتهم تبييض أموال لشؤون حربية متعلقة بالحزب أيضاً وكان ذلك في العام 2013، ولكن اصطفاف الحكومة اللبنانية وراء شريكها الحكومي حزب الله –على حد وصف رئيس الوزراء سعد الحريري- أدى إلى انتشار إشاعة كبيرة جداً في الأسواق المالية اللبنانية والعربية مفادها أن لائحة طويلة بمصارف وشخصيات وشركات تأمين كبرى تنتظر موعد الإعلان عنها، مما أدى لموجة سحوبات مالية هائلة وتحويلات مصرفية من لبنان إلى الخارج، مما جعل المصارف لا تلبي سحوبات عملائها ، بل ترسلهم إلى الصيارفة الذين رفعوا سعر صرف الدولار، فصارت أزمة قطع أجنبي غير مسبوقة في الأسواق اللبنانية، ولكن الحزب الذي قرر الضغط على الحكومة من أجل الضغط على مصرف لبنان المركزي للتخفيف من العقوبات الأميركية، مما جعل المصرف المركزي يترنح أمام التحقيقات والتدقيق الأميركي على كافة سجلاته، استمر في استفزاز المجتمع المالي الدولي ضارباً بعرض الحائط ثقة البلد الائتمانية والمصرفية.

فارتفعت الأسعار بشكل جنوني، وسيطر الرعب على التعاملات المالية، ومن المعروف أن رأس المال جبان، ويخاف من المغامرات وخصوصاً فيما يتعلق بالمواجهات، فتوقفت التوريدات المالية للمال السياسي والتحويلات الشخصية انخفضت، مما أدى إلى إغلاق عدة مؤسسات أساسية في لبنان وتشرد موظفيها وتحولهم إلى عاطلين عن العمل، مثل تلفزيون المستقبل ومؤسسات خاصة كبيرة و متوسطة الحجم،  وتفاقمت أزمة الكهرباء والقمامة و الوقود، وترافقت العملية مع تسريبات عن فضائح جنسية لرئيس الوزراء، و تصريحات عنصرية و مذهبية و فوقية من وزير الخارجية التابع للتيار العوني، وسط تقاذف كلامي وتراشق لفظي دائم بين أعضاء الحكومة والمجلس النيابي، وتوبيخ فرنسي قاسي للحكومة اللبنانية على فشلها في تنفيذ وعودها و تصريحات أميركية قاسية وصفت حكومة لبنان بالعمالة لإيران.

كل تلك التفاعلات السياسية الاقتصادية كان المواطن اللبناني يتحملها بضيق وبر عجيبين، فمن المعروف عن لبنان قبول مجتمعه للمحاصصة الطائفية واستحالة مكافحة الفساد فيه.

ولكن الأمر الذي أوصل اللبنانيين إلى مرحلة اللاعودة كانت الحرائق الجائرة التي بدأت تلتهم غابات لبنان، أكثر من 103حرايق، ربما تكون مفتعلة ، وربما لا تكون، التي بدأت بقضم رئة لبنان وأشجاره التي شكلت هويته الوطنية وغطت علمه و كيانه، وسط فشل حكومي سافر وعجز إداري هائل أدى إلى عجز كامل الدولة اللبنانية بجيشها ووزاراتها ومؤسساتها المدنية عن إطفاء تلك الحرائق، فانفجرت فضيحة  اكتشاف وسائل الإعلام أن الهليكوبترات التي اشترتها الحكومة السابقة بملايين الدولارات، والمخصصة للحرائق، معطلة وغير صالحة للعمل نهائياً، حالة هلع أصابت اللبنانيين جنباً إلى جنب مع رائحة دخان الحرائق و النيران التي وصلت إلى محافظة حمص وطرطوس في سوريا، فلم تعد الحرائق تلتهم حياتهم وقوت أولادهم بل بات الحريق يهدد أجسادهم و أرواحهم، وسط عجز حكومي من الدولتين المتحالفتين، وغضب شعبي عارم، لم يتدارك الوضع إلا القدر، حين أطفأت الأمطار الحرائق تلبية لدعوات اللبنانيين والسوريين، ولم تكن تهدأ عاصفة النيران، حتى خرج وزير الاتصالات اللبناني ليعلن فرض ضرائب جديدة على اللبنانيين مخصصة لخدمة الواتساب المجانية، في تلك اللحظة اندفع اللبنانيون إلى الساحات متوشحين العلم اللبناني فقط، تاركين طوائفهم و أحزابهم على قارعة الطريق، رافعين الصوت نحو إسقاط النظام الطائفي وإسقاط الحكومة ومجلس النواب و الرئاسة، لم يفتح الجيش النار عليهم كما حصل في دول عربية كثيرة ولم يعتقل الناشطين المدنيين ولم يعذبهم أيضاً، بل كان الجميع مندهشاً من قدرة اللبناني على نسف كل التفرقة و الأوهام التي زرعوها عنهم، بأنهم مقسمون ومحددون بطوائف، خرجت الأصوات المنادية بالدولة المدنية و العدالة الاجتماعية ،والحرية للجميع، ومكافحة الفساد والفاسدين.

ثورة لبنان، لم تهبط من السماء على أهلها، وإنما هي تنقل في مرحلة من المراحل، جذوة طلب الحرية التي انطلقت من تونس ومرت بدمشق وبغداد والقاهرة.

في هونغ كونغ، تلك الدولة ذات الحكم الذاتي التابعة لجمهورية الصين، خرجت منذ عشرات الأسابيع مظاهرات شاملة من شباب الجزيرة الصغيرة، رفضاً لقرار حكومة هونغ كونغ بتوقيع اتفاقية ضم قضائي بين البلدين مما يلغي استقلالية القضاء وبالتالي يعلن تآكل جزء من الحريات في هونغ كونغ لصالح شمولية بكين، ولم تزل حشود الشباب تتدفق في شوارع المدينة، حيث انتشرت فكرة كتابة الشبان وصيتهم ووضعها في حقائب ظهرهم، رؤيتهم واضحة و جلية ،  تماماً مثلما كانت رؤية شبان الثورة السورية في الأشهر الستة الأولى قبل عسكرتها، لا يتغير البلد إلا بتغير المجتمع، والمجتمع يتغير حينما يتم نقض العقد الاجتماعي الفاسد الذي بنيت عليه حكومات الفساد والقمع و الإفساد.

ثورة لبنان، لم تهبط من السماء على أهلها، وإنما هي تنقل في مرحلة من المراحل، جذوة طلب الحرية التي انطلقت من تونس ومرت بدمشق وبغداد والقاهرة، وها هي تزدهر في بيروت، مشعلة الأمل بمستقبل عظيم لشعوب تستحق أن تكون عظيمة.

يتحدث البابا جون بول الثاني، واصفاً لبنان، بأنه رسالة الشرق إلى العالم، بتعايشه وثقافته وتسامحه، ولكن الحقيقة ليست كذلك فقط، فلبنان الحقيقي، هو ثورة الشرق على الشرق، وهو ثورة الشرق على الغرب، هو ثورة التنوير والحريات والديمقراطية، وهو نموذج لا يقبل القسمة على اثنين، لا يقبل القسمة بين سوريا ولبنان. فالثورة هنا أو هناك، هي ذاتها، والحرية هنا تعني الحرية هناك، وطرابلس اليوم هي صدى حمص البارحة، وما يجري اليوم يعيد القصة إلى البداية.. من يفرقنا هم الحكام، ولن نجتمع إلا تحت راية الحرية والمستقبل المشترك.

 
 
 
"دخل الجمهور والفرقة بقيت في الخارج".. فيديو من حفل فيروز بمهرجان بصرى في درعا
درعا.. إصابة طفلين بانفجار قذيفة من مخلفات النظام الحربية
النظام يستبدل عناصر حواجزه في غربي درعا ويرسلهم إلى تدمر
حلب.. إجراءات جديدة للحد من انتشار فيروس كورونا
تسجيل 18 إصابة بفيروس كورونا في مدارس حماة
مسؤول طبي سوري: الوضع الاقتصادي لا يسمح بإغلاق جزئي لمنع انتشار كورونا