لبنان بعد الغوطة وإدلب ودرعا

تاريخ النشر: 22.04.2018 | 13:54 دمشق

الهيمنة على لبنان شرط لحكم سوريا. هذه هي عقيدة النظام الأسدي منذ العام 1970. لبنان بنظامه السياسي والاقتصادي كان مصدر الخطر الدائم على استقرار النظام السوري منذ نشأة الكيانين، وخصوصاً بعد قيام دولة الوحدة مع مصر الناصرية عام 1957، ثم استيلاء "البعث" على السلطة عام 1963.

ما بين 1976 و2005، ثلاثون عاماً من عمر النظام، قضاها في تشغيل وإدارة وإدامة منظومة الحروب الأهلية والإقليمية الملبننة، ضماناً لبقائه في سوريا. ديناميكية "الوصاية" الأسدية على لبنان، عسكرياً وأمنياً وشبكات النهب والغنائم، أمّنت لأركان النظام الاستحواذ على سوريا نفسها. القتال بالوكالة حتى آخر لبناني وآخر فلسطيني، وفّر للأسدَيْن الاستثمار السياسي في الداخل والخارج، من دون أثمان الحرب المباشرة مع إسرائيل.

يتذكر السوريون تماماً ذاك التهديد الجدي بانهيار النظام، ليس في لحظة سقوط صدام حسين عام 2003 ومرابطة الجنود الأميركيين على الحدود العراقية، شرق سوريا، بل في لحظة الانسحاب المذلّ للجيش السوري من لبنان في نيسان 2005. حينها شعر الأسد الابن بالاختناق، شعر بالحصار العربي والدولي له، وببوادر التململ الداخلي، وأدرك أن المساحة الضئيلة التي أتاحها للمجتمع المدني السوري بعد العام 2000 قد تتحول في تلك اللحظة إلى دوامة متوسعة تطيح به. الهلع الكبير من "بيان بيروت - دمشق" الشهير أظهر هشاشة السلطة السورية وعدم قدرتها على احتمال أي "معارضة". هكذا، ومجدداً كانت قناعة النظام أنّ تحرر لبنان سيُفضي إلى حرية سوريا هي قناعة صحيحة، وفق صياغة الراحل سمير قصير "إن ربيع العرب، حينما يُزهر في بيروت، إنما يعلن أوان الورد في دمشق" (مقولة سيدفع ثمنها اغتيالاً).

كانت الحرب ضد إسرائيل هي الوسيلة الوحيدة للانقلاب على الحصار الذي يطوق بشار الأسد و"حزب الله" وإيران.

المهمة الكبرى لنظام بشار الأسد، اليوم، وما بعد سحق المناطق والمحافظات والمدن الثائرة، هي الاستدارة إلى "الخاصرة الرخوة" (وفق تسميته للبنان). استثمار "النصر العسكري" لن يكون فقط في إعادة ما تبقى من السكان إلى حظيرة الخضوع، بل في بدء حملة إعادة لبنان إلى وطأة الوصاية، فترميم النظام وإعادة تأهيله واستعادة أدواره و"أوراقه" لا تكتمل بفرض هيمنته على سوريا وحدها، بل بتجديد سطوته على لبنان.

كان دور "حزب الله" طوال الأعوام الماضية، ليس فقط في الدفاع المستميت عن النظام داخل سوريا، بل أيضاً في ضمان بقاء خط بيروت – دمشق مفتوحاً. تولى الحزب منذ العام 2005، إبقاء أفاعيل "الوصاية"، وصيانة النفوذ السوري، واحتضان رموز المخابرات السورية وأتباعها وخلاياها، وفرض سياسات موالية للنظام السوري بقوة سلاحه. افتعال حرب تموز 2006، كان انتقاماً مريعاً من قبل المحور الإيراني السوري الحزب اللهي من لبنان 14 آذار 2005. كانت الحرب ضد إسرائيل هي الوسيلة الوحيدة للانقلاب على الحصار الذي يطوق بشار الأسد و"حزب الله" وإيران. تدمير لبنان وإرغامه على البقاء في حالة حرب مع إسرائيل كان وما زال شرطاً لتكريس "محور الممانعة"، تثبيتاً للنظام السوري وتوسيعاً للنفوذ الإيراني وتمكيناً لـ"حزب الله".

الهجوم على لبنان من قبل "محور الممانعة"، المتوسع بانضمام روسيا إليه، بات وشيكاً. علاماته واضحة. الاشتباك الإيراني – الإسرائيلي في جنوب سوريا تحديداً، والتهديدات الجدية التي قد تتحول إلى مواجهة شاملة، تضع لبنان في فوهة المدفع الإيراني عبر صواريخ "حزب الله". السعي الروسي لتوقيع لبنان معاهدة تعاون عسكري مع موسكو وإلحاح "حزب الله" عليها، بما يعني تخلي الجيش اللبناني عن التسليح الأميركي، والسماح للسفن البحرية الروسية بالمرابطة في بحره، هو سعي جدّي ولا يقف حائلاً دونه إلا وجود الرئيس سعد الحريري على رأس الحكومة. ملف "عودة النازحين" سيكون أهم عامل ابتزاز يستخدمه النظام السوري لتطويع الدولة اللبنانية.

ومع هكذا برلمان، لن يضطر "حزب الله" لا لحكومة ائتلافية ولا للقبول بمبدأ "النأي بالنفس"

المدخل الأهم لـ"عودة" سوريا إلى لبنان، هو الانتخابات البرلمانية المقبلة ونتائجها. لقد حرص "حزب الله" على فرض قانون انتخابي جديد، كفيل بتشظية تلك "الأكثرية" التي فازت بالانتخابات عامي 2005 و2009. تلك الأكثرية باتت اليوم عبارة عن مجموعات متخاصمة في حزازات ومناكفات ومصالح ضيقة، تلهث وراء مكاسب محلية (بل وقروية) ومتصاغرة، على نحو مدمر للسياسة بمعناها الوطني، فيما "الثنائي الشيعي"، أي "حزب الله" و"حركة أمل" بلا أي منافس لهما لتشكيل كتلة نيابية كبيرة وازنة وحاسمة. والأهم في هذه الانتخابات وقانونها المسخ و"النسبية" المشوهة التي اعتمدها، أنها فتحت المجال واسعاً لأتباع النظام السوري للتسلل مجدداً إلى البرلمان. وهؤلاء بالتحالف مع الثنائي الشيعي، وبوجود نواب جدد من صنف لا تعنيه السياسة سوى المكاسب والتكسب والوجاهة، سيكون بمقدروهم تأمين أكثرية نيابية متماسكة وقادرة على تغيير وجه لبنان ووجهته، وجرّه بسهولة إلى قلب "محور الممانعة" رسمياً. ومع هكذا برلمان، لن يضطر "حزب الله" لا لحكومة ائتلافية ولا للقبول بمبدأ "النأي بالنفس". وقد لا يضطر حتى إلى تكليف سعد الحريري مجدداً برئاسة الحكومة الموعودة.

وتحت عنوان "إعادة إعمار سوريا"، سيروّج أتباع النظام السوري و"حزب الله" فوائد "التطبيع" مع الدولة الأسدية. وبصراحة، تلك رشوة لا تستطيع مقاومتها المنظومة المالية والخدماتية والاقتصادية اللبنانية. هذه ستكون بداية تهافت رجال المال والسياسة اللبنانيين على خط بيروت – دمشق. أي العودة إلى التقليد القذر لزمن غازي كنعان ورستم غزالي.

باسم الواقعية السياسية وباسم الضرورة الاقتصادية، كما باسم "المقاومة" و"الممانعة"، سيؤمن النظام السوري الشروط اللازمة لوضع يده مجدداً على لبنان. فلا ترجمة لانتصاره الموعود على الشعب السوري، ولا أمان لبقاء الأسد واستبداده ولا تعويض لخسارة نفوذه الإقليمي سوى في استعادة هيبته على هذا البلد. فهذا درس تاريخي يحفظه النظام جيداً. ففي العام 1982، بعد الاجتياح الإسرائيلي وإلحاق الهزيمة بمنظمة التحرير الفلسطينية والجيش السوري، كاد لبنان بحماية الجيوش الأطلسية والرعاية الأميركية أن يوقع اتفاقية سلام مع إسرائيل، بما يجبر الجيش السوري على الانسحاب من الأراضي اللبنانية (البقاع والشمال). أدرك حافظ الأسد أن هذا السيناريو كفيل بفقدان نفوذه على لبنان، بل وبانهيار نظامه. حينها اندفع الاتحاد السوفياتي والإيرانيون لمساعدته، تسليحاً وتمويلاً، في إشعال الحرب الأهلية اللبنانية مجدداً. وكان الفعل الأول اغتيال الرئيس المنتخب بشير الجميل.

الثلاثي السوري الإيراني الروسي، يعود اليوم إلى الهجوم على لبنان.

تتلاقى رغبة الأسد بإحياء زمن "الوصاية"، مع الحاجة الإيرانية لخطوط تماس مع إسرائيل على أوسع جبهة، بعيداً عن حدودها، ما سيؤول إلى وضع لبنان في أولوية الطموحات الإيرانية لحسم السيطرة التامة عليه، على نحو يقصي أي تأثير عربي وخليجي عليه، وينهي أي تأثير أوروبي – أميركي على السياسة اللبنانية، بما يكفل لأول مرة شرعنة سلاح "حزب الله" رسمياً. وفي هذا السياق، يلتقي أيضاً الطموح الروسي في تأمين مجال حيوي إقليمي، يكرس هيمنتها ونفوذها، عسكرياً وسياسياً.. وربما نفطياً أيضاً.

بعد الغوطة وإدلب ودرعا، سيأتي الدور على لبنان. ويا ليتني أكون مخطئاً.

كلمات مفتاحية