لا مانع من الثناء على هذا الصحابي الجليل

تاريخ النشر: 24.07.2021 | 06:21 دمشق

كان مالك الحزين يطوف بالمئذنة، تتدلى منه ساق مكسورة، ثم يعود إليها، فيقف ساعة صمت على ساق واحدة، والصبيان يهتفون به من تحته كما كانوا يهتفون ضد الاستعمار في المسيرات: حجي "لكلك" حج لكلك، ومالك الحزين، حزين، ووحيد، ويقف بشمم وإباء، ويقول في نفسه: اللقالق تطير والصبيان تنبح، كان واضحًا أنهم هم الذين كسروا ساقه حتى يجلو عن البلاد ويلحق بالاستعمار، وأنهم يريدون أن يكسروا الثانية، فزادوا مالك الحزين حزنًا على حزن، كانوا يحصبونه غير مكترثين بهيبة المئذنة العالية التي يلوذ بها.

لم يسبق للقلق أن مرَّ بالمدينة منذ زمن، لم نعد نرى من الحيوانات والبهم سوى حيوانين؛ الكلب والحمار.

قلّما رأيت ألمانيًا في الحديقة، وفي السويد كان الأمر كذلك، كل الذين كنت أراهم في الحدائق يلهون كانوا نازحين من بلاد المسلمين، أفغان وعرب وكرد. وكانوا كبارًا في السن فاتهم كثير من اللهو

قيل إنّ سبب تسميته بمالك، هو سدانته للبحيرات التي ما إن تجفَّ حتى يظهر عليه الحزن، وهو يبحث في المياه الضحلة عن الدواب المائية. عذرتُ الصبية، فليس لديهم ألعاب. عندما نزحت إلى ألمانيا، وزرت حدائقها الفارهة، وفيها مراجيح وطاولات تنس، وأحيانًا حيوانات مثل النعام والخيول القزمة، وتلفريك أرضي للزحلقة، يتعلق به الصبي مسافة، وكرة سلة، ونضد لمدّ الموائد، وكرات كثيرة في الأنحاء، وقلّما رأيت ألمانيًا في الحديقة، وفي السويد كان الأمر كذلك، كل الذين كنت أراهم في الحدائق يلهون كانوا نازحين من بلاد المسلمين، أفغان وعرب وكرد. وكانوا كبارًا في السن فاتهم كثير من اللهو.

كان اللقلق يريد أن يحتجّ أو أن يلوذ بحرم المئذنة، لم تعد المئذنة مئذنة للصلاة، وهو منبر للإعلان عن الأطفال الضائعين، ونعوات الموتى، ودعوة لصلاة الجنازة. تساءل الناس عن سبب عدم لحاقه بأقرانه الذين هاجروا وخلفوه، بحثوا عن علّة، لعل السبب ساقه المكسورة، لكن ما علاقة ساقه بالطيران، فهو يستطيع أن يطير.

 فكرتُ أن أغيثه، إذا نهيتُ الصبيان عنه، قد يرجموني بالحجارة، توكلت على الله، وقصدت بيت خطيب الجامع، القريب من المسجد، قرعت الباب فظهر ابنه، طلبت منه أن ينادي والده، فخرج، الشيخ وسيم قسيم، كان قد اتخذ زاوية البيت غرفة للمضافة، هو معتاد على الزوّار المستفتين في شؤون دينهم، أشرتُ إلى طائر اللقلق مكسور الساق، وإلى الصبيان، وقلت: لمَ لا تجعل خطبتك عن اللقلق! (قلت في سري: هو زميل لك، حاج مثلك) دخل رجل الجنة بسقية كلب، ودخلت امرأة النار في هرة.

 نظر إليَّ وقال معتذرًا: إنَّ الخطبة تأتي جاهزة من الأوقاف، ثم أخرجَ الخطبة من جيبه، اطّلعتُ عليها، فأُسقطَ في يدي، حجته لا تقهر، كانت الخطبة عن سيرة الصحابي المبشّر بالجنة، عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، المخابرات تحبُّ هذا الصحابي من دون بقية الصحابة الكرام، ليس إرهابيا، وليس داعشيا، كانت تحبُّ موهبته في الكسب وسعة الرزق، قال مرة: لو رفعت حجرًا لوجدت تحته ذهبًا، الحكومة افتقرت كثيرًا، وهي تعود إلى الدين في الأزمات، هي تريد أن تقول: اقتدوا بهذا الرجل وحلّوا عنا، عيشوا في الأحلام والأماني. يمكن أن يُستخدم الدين كأفيون، ويمكن أن يُستخدم كمصباح للهدى.

عدتُ إلى البيت، وفي الطريق ندمت أني لم أجادل الخطيب، وكان يمكن أن أقنعه بأن يدسَّ مالك الحزين في خطبته، أن يحضَّ المسلمين على التراحم، وأن يذكر الحديث الشريف الذي جاء فيه: "ولولا البهائم لم يُمطروا" لكني أحجمت، فالحديث المذكور ينهى في بداية متنه عن إنقاص المكيال والميزان، ويتوعد المسلمين بالسنين وشدة المؤونة وجور السلطان عليهم، وهو ما نحن فيه.

عدت إلى البيت وقرأت في ترجمة عبد الرحمن بن عوف الذي يوصف في أدبيات النظام الاشتراكي سابقا بالجليل استعلاء من الترضي عليه

رأيت في الطريق كلبًا مبطوحًا على مزبلة، يخرج الزبد من فمه، وينظر إليّ مستغيثًا، قدّرتُ أنه أكل طعامًا ملوثًا، فكرت في أن أنقذه، لا أعرف أحدًا في بلدتنا درس الطب البيطري، ليس عندنا عيادات للطب البيطري، يقوم مقامهم وينوب عنهم حكماء شعبيون، يأخذونهم أصحاب الحيوانات العليلة على دراجة نارية إلى المزرعة لمعالجتها. قلت لنفسي إذا استأجرت سيارة سيرفض صاحب السيارة نقل الكلب إلى بيتي قولًا واحدًا.

تركت الكلب يئنُّ ويحتضر، كان يستجير بي، وكنت قاب قوسين من الجنة، ولم أفعل شيئًا، عدت إلى البيت وقرأت في ترجمة عبد الرحمن بن عوف الذي يوصف في أدبيات النظام الاشتراكي سابقا بالجليل استعلاء من الترضي عليه، أنه أصيب في معركة أحد فعرج، بقي مالك الحزين الكسير يحلّق حول المئذنة يائسًا عدة أيام، ثم اختفى في "ظروف غامضة".

توقعات باجتياح متحور "أوميكرون" العالم خلال 6 أشهر
عبر سيدة قادمة من جنوب أفريقيا.. الإمارات تسجّل أول إصابة بـ "أوميكرون"
تسجيل أول إصابة بالمتحور "أوميكرون" في الولايات المتحدة الأميركية
فيصل المقداد: لولا علاقتنا مع إيران لكانت الأوضاع ملتهبة في الوطن العربي
بين عالَمين
الرحلة الجوية الأولى لـ "أجنحة الشام" بين مطاري دمشق وأبو ظبي