لا غالب مثل الجوع

تاريخ النشر: 29.12.2021 | 05:44 دمشق

تشهد بلدان اللجوء التي يقطنها سوريون تغيرات اقتصادية شديدة، مثلما شهدت سوريا وتشهد حتى اليوم الراهن، ما جعل الأمور تضيق بحال السوريين وتخلق لهم هماً جديداً ومختلفاً.

غلاء فاحش في الأسعار في مصر ولبنان وتركيا وحتى في الشمال السوري غير الخاضع لسيطرة النظام لا يتناسب مع مقدار الدخل وقيمة العملة الحقيقية في السوق، جعل شرائح واسعة تتململ من استمرار حالة الاختناق المعيشي وضيق ذات اليد.

تداول السوريون بالأمس رفع معدل التعويض العائلي للزوجة والأولاد، وهو أمر مضحك مثلما هو مؤلم إذ تسبب ذلك بموجة سخرية عارمة، لأن الأرقام التي ذكرت في المرسوم مضحكة لأسباب عدة أولها أنها لا تتماشى مع سعر صرف الليرة السورية الحقيقي في السوق وأسعار المواد الغذائية، وثانيهما أن أي زيادة مرتقبة لا تشمل سوى شريحة الموظفين العموميين الذين لا يشكلون إلا نسبة ضئيلة من المجتمع السوري الذي يرزح تحت الفقر والقهر بمختلف شرائحه الأخرى.

لكن هل ستتحول هذه الحادثة إلى حدث مفصلي؟ ليس من المتوقع أن يحدث ذلك على الرغم من رغبة كثير من السوريين بإنهاء حالة الاستنزاف المعيشي التي يعانون منها، خاصة في حالة وجود شقاق اجتماعي واضحة في المجتمع السوري في الداخل أو وجود هوّة نفسية بين سوريي الداخل والخارج.

توصم التحركات السياسية المبنية على أسباب اقتصادية بأنها تحركات جياع وكأن تلك تهمة بحقهم لا بحق من جوّعهم

المشكلة التي قد تواجهنا أن من يميلون للاستقرار يصبون جام غضبهم على من قرر الثورة بسبب عدم رغبتهم باختلال نظامهم الآمن، فيما يرفض أصحاب النشاط السياسي الثورات التي تتحرك وفقاً للمنطق الاقتصادي ولا تحرك ساكناً من أجل تحسين شروط الحياة السياسية وحقوق الإنسان.

توصم التحركات السياسية المبنية على أسباب اقتصادية بأنها تحركات جياع وكأن تلك تهمة بحقهم لا بحق من جوّعهم في الأصل، وتبدأ التصنيفات السياسية بين من يمتلك الحق بالثورة ومن لا يمتلكها ويبدأ توزيع صكوك الولاء والوطنية.

يرفض من يمتلك وعياً سياسياً حال الشرائح الاجتماعية الأخرى ممن لا تمتلكه، وعلى أن الوعي السياسي ضرورة أساسية بالنسبة إلى الوضع السوري بسبب حساسيته، إلا أنه قد لا يكون كذلك بالنسبة إلى من يؤمن أن معرفته من عدمها قد لا تشكل فرقاً وأن أحجار الشطرنج تتحرك بفعل القوة وتحقق الغلبة لمن يملكها لا بمنطق الوعي والنشاط السياسي.

تسعى أغلب الحكومات إلى تجنب الوصول إلى التدهور الاقتصادي، تجنباً لحدوث انقلابات كبيرة قد تغير الأمور إلى غير رجعة، ما يعني أن تلك القوة في حال انفجرت قد تحدث انفجاراً عظيماً.

الموقفان متضادان إذن، ففي حين يخاف الحكام والحكومات من تحرك الشعوب التي قد يسببها التدهور الاقتصادي أو الجوع، يوجد في المقابل خوف لدى المواطن الذي لا يعنيه سوى حالة استقراره وأمانه الغذائي والاقتصادي ويسعى للحفاظ عليها مهما كلف الثمن، فماذا يمكن أن يحصل إذن فيما لو أدرك ذلك الإنسان حجم قوته وقرر استخدامها، أو لو خرج من حالة خوفه في لحظة وعي أو لحظة غضب؟

تنزع الشعوب عادة إلى الاستقرار وترك ملاعب السياسة لمن يود ذلك، وربما يعتقد كثيرون أن الحقل السياسي فيه من انعدام الحقيقة والكذب والرياء ما لا يجعلهم يحبذون الخوض فيه، وفي حالات مثل الحالة السورية الراهنة تكون المعرفة السياسية في هذه المرحلة ضرباً من ضروب الرفاهية التي لا يتوق لها الإنسان، وليس لديه الطاقة لتعلم فنونها ذلك أنهم في سباق مع الحياة للحصول على الحد الأدنى من متطلبات العيش، وليسوا بوارد معرفة مصطلحات سياسية وتحقيق أهداف كبرى مثل الديمقراطية والحرية وتداول السلطة.

لا يمكن إخراج أي حالة شعبية من سياقها فالثورات تقوم لأسباب مختلفة سياسية أو اجتماعية، غير أن الثورات الاقتصادية لا تلقى تعاطفاً كبيراً وكأن انعدام الأمن الغذائي سبب غير كافٍ للتمرد عليه، فيما تغيب عن وعينا الأسباب التي لا يمكن أن تنفصل عن النتيجة ونبدأ بمطالبة الناس بالتفكير والتصرف وفق أولوياتنا، متناسين أن كل إنسان ليس سوى ابن ظرفه ونشأته وبيئته، فتصبح ردود أفعالنا مرهونة بطريقة نعيد فيها إنتاج الدكتاتورية بشكل مختلف.

لماذا ترفض الشعوب الثورات حين يحاول إشعالها آخرون؟ إن نزعة الإنسان إلى الاستقرار تفوق رغبته بتحصيل المكاسب السياسية، لكن ذلك ليس عيباً بحد ذاته، فقد نجد أن المواطنين في أغلب الدول التي تدعي التقدم والحاصلين على حقوقهم السياسية لا يعنيهم من يدخل مضمار السياسة ويسعى إلى كسب المعارك الانتخابية طالما أن حياتهم لا يشوب استقرارها وأمانها المطلوب وفقاً لكل منهم على حدة.

مهما ضاقت الحال لا يمكن بالطبع المقارنة بين التدهور الاقتصادي في العالم أجمع وبين ما يعانيه السوريون من الاختناق الاقتصادي في الداخل السوري

يختلف مفهوم الاستقرار والأمان بين دولنا ودولهم ومجتمعاتنا ومجتمعاتهم، ووفقاً لمفاهيمنا القاصرة بسبب التغييب السياسي الذي عانينا منه طويلاً، يحاول البعض منا الحفاظ على مكتسباته البسيطة ويرفض أياً من التحركات التي قد تمس بها.

مهما ضاقت الحال لا يمكن بالطبع المقارنة بين التدهور الاقتصادي في العالم أجمع وبين ما يعانيه السوريون من الاختناق الاقتصادي في الداخل السوري، لأنهم حطموا بذلك أرقاماً قياسية، لا في الضيق الاقتصادي فحسب وإنما بالصبر ومحاولة التأقلم أيضاً.

الفكرة الأساسية أن ما يمكن أن يكون خطاً أحمر بالنسبة إلينا قد لا يكون كذلك لغيرنا فكل له خطه الأحمر الخاص به، لكن الشعوب وفي الأحوال كلها لا يمكن أن تكون متسامحة حين تمتد أي يد مهما كان طولها نحو مقوم الحياة الرئيسي والوحيد لها.

إن ذاكرة الشعوب غير قابلة للمحو حتى وإن صبرت وتحملت وتجاهلت، فقد تباغتها لحظة تاريخية مفصلية تنفجر فيها التراكمات دفعة واحدة، والمفجع أن تلك اللحظة قد لا تكون متوقعة على الإطلاق.