لا صوت يعلو فوق صوت المعركة

لا صوت يعلو فوق صوت المعركة

لا صوت يعلو فوق صوت المعركة

تاريخ النشر: 20.01.2021 | 00:12 دمشق

ربما لا يعد من المبالغة إذا قلنا أن جيلنا وجيل آبائنا قد حصدا الحصة الأكبر من التربية على الشعارات والتحفيز لتحقيق النصر، حتى إنهم كانوا يمثلون وجبتنا الصباحية اليومية في المدرسة والعمل وفي المنزل أيضاً. 

كانت مناقشة تلك الفكرة من التابوهات المجتمعية التي ترفض المراجعة والنقد، فقد كنا شعوباً في حالة حرب دائمة سيطرت على حواسنا وأخذت الحيّز الأكبر من أحلامنا وطموحاتنا. 

لحظة واحدة فارقة كانت قد تكفي ليغير الإنسان وجهته، حدث واحد استطاع أن يختصر سنوات ويمنحنا صحوة من غيبوبة طويلة الأمد، غفونا فيها عن التفكير المنطقي وغفت فيها ضمائر كثيرين فجعلوا منا أسرى الوهم.

كنا _وما زال بعضنا ربما_ شعوباً متخمة حتى النخاع بالمعارك وأحلام الانتصار، حملت فوق ظهرها عبء الدفاع عن أفكار غير حقيقية أو غير واقعية ولا تتناسب مع قوانا المفترضة، لا لضعفنا وعجزنا أو قلة حيلتنا، بل لأننا لم نختبر يوماً طعم الانتصار الحقيقي ولم تُتَح لنا فرصٌ لتشكيل مفهومه أو لقراءة تجاربنا بخصوصه.

صنعوا لنا أوطاناً من رمال فذهبنا باتجاه البحر، وعدنا عطشى مملوئين بحنين لا يرتوي تجاه أوطان لم تحتوِ رفاتنا

أوهمونا بانتصارات كبيرة قادمة ستجعلنا في مقدمة العالم، وسرقوا من أيدينا جمال الانتصارات والأفراح الصغيرة التي قد تمنحنا أياماً صافية وحياة بسيطة وخالية من فوضى التجاذبات السياسية المستمرة. 

صنعوا لنا أوطاناً من رمال فذهبنا باتجاه البحر، وعدنا عطشى مملوئين بحنين لا يرتوي تجاه أوطان لم تحتوِ رفاتنا، ومنا من غرق وهو يبحث عن ضالته فلفظه البحر وعاد إلى التراب شهيد الزبد.

كان حلمنا الطفولي يُختصر بأن نهرع باتجاه الجبهات لنحمي المضارب، فجعلنا من حيواتنا قرباناً لتلك الفكرة، كسونا أجسادنا بملابس ملونة بلون التراب، وحملنا على أكتافنا بنادق عمياء قتلتْ أول ما قتلت حبنا للحياة وأصابتنا بلعنة الفوز والربح.

خضنا معارك كثيرة لم نفكر يوماً في تفاصيلها كل ما كان يعنينا هو الانتصار على الآخر، وحين توهمنا أننا فعلنا عدنا بنياشين زائفة، خفتَ لمعانها مع الوقت ولم نملك من الجهد بعدها ما يكفينا لنمسح عنها غبار الزمن.

"لا صوت يعلو فوق صوت المعركة" إنها كلمة حق يُراد بها باطل، عبأتنا بها الحكومات وملأت بمثيلاتها آذاننا حتى صمّوها عن سماع صوت العقل، هجرنا منازلنا الآمنة وأحلامنا الصغيرة، وسكنا في داخل بالونات تعلو كلما سمعنا نشيداً وطنياً يتغنى بانتصارات، لم نكن ندرك أنها ستنفجر بنا في لحظة ارتطامها بالحقيقة مثل البالونات التي سكنا في داخلها.

أخذنا وقتاً طويلاً إلى أن اكتشفنا أننا كنا مسجونين في وهم الفخر بالانتصار على عدو غير معلوم، وفي معركة غير محددة وبكيفية غير واضحة التفاصيل، فقد كنا متخمين بألحان وأناشيد تعمل على رفع نسبة الأدرينالين ترمي بنا باتجاه الجبهات، تلك التي لا يعرفها سواهم، وحين حلت اللحظة الحاسمة وانتفضت الشعوب قرعوا طبول الحرب ضدنا وكنا نحن العدو الوحيد المستهدف.

طغى صوت معاركهم المفترضة على صوت السلام الذي نبتغيه، وأخذ في دربه ألوان الفنون وصوت الموسيقا ورائحة الكتب المقروءة وموسيقا الشعر.

كانت مناهجنا المدرسية وأغانينا الصباحية ونشرات أخبارنا وأعمالنا الدرامية، أشبه بفروع التوجيه السياسي، وكنا جميعاً عاملين في خدمة عسكرية إلزامية أبدية، فاضطررنا لتقديم حسن السيرة والسلوك للتمتع بصفة المواطن في دول الحرب والممانعة والقضايا القومية.

هل كان علينا أن نموت بالجملة لنعرف أن النصر هو أكثر المصطلحات خديعة في الحروب؟! هل كان علينا أن ندفع كل هذا الثمن من أجل كذبة اختلقها الطغاة لتشجيع من لم يبق لهم من الأحلام غير المفهوم الغيبي للوطن، كي يحافظوا على عروشهم التي حملها البسطاء على أكتافهم.

كذبوا علينا بأن علينا الفخر بالشهداء الذين قدموا من الجبهات بتوابيتهم، علموا الأمهات أن تطلق الزغاريد في مآتم فلذات أكبادهن واعدين إياهن بالجنة، وهم يوهمونهن بأنهم أنقذوا الحدود من الغزو المحدق، لكننا جميعاً حملنا وزرهم أكثر مما فخرنا بهم.

بقينا رهن كذبات متلاحقة مسجونين فيها لتزيين بقعة الأرض التي أسميناها وطناً، فكنا لا نستحق حتى شفقة العالم لما حلّ بنا بسبب سذاجتنا.

نعم لا صوت يعلو فوق صوت المعركة، فهي تسبب ضجيجاً يسحق تحته أحلامنا بصباحات لا يسممها دخان المدافع

لم تترك لنا أوطاننا خيار البحث عن هويتنا واكتشافها في مرحلة الشباب أو حتى في سن النضج، فاكتشفنا بعد أن تأخر الوقت كمّ الخيارات الخاطئة التي اخترناها، وفد لا تتسع شيخوختنا سوى للندم بسبب عدم جرأتنا على التراجع عنها.

نعم لا صوت يعلو فوق صوت المعركة، فهي تسبب ضجيجاً يسحق تحته أحلامنا بصباحات لا يسممها دخان المدافع، وتأخذ مع دباباتها أجساد أحبة وذكريات وطن لم يبق منه سوى ركام نعجز حتى من الوقوف على أطلاله.

متنا حاملين في جعبتنا زوّادة من الأحلام غير المكتملة، بينما بقي سلاطين الحروب متربعين فوق رقع الشطرنج الكثيرة التي جعلونا فيها بيادق واستخدمونا دروعاً بشرية كي تصدّ عنهم الغزو والرصاص، كنا حفنة صغيرة من أولئك الذين لا يقيم العالم حدادهم بينما تُنكّس الأوطان أعلامها في موت ملوكها، لكننا لم ندرك قبل أن نموت أنه من غير الممكن أن تكون هناك قضية عادلة تجبرنا على الموت في سبيلها في الوقت الذي نستحق فيه أن نحيا.

مقالات مقترحة
موقع تلفزيون سوريا.. قصة نجاح لسلطة الصحافة في حقول من الألغام
"تلفزيون سوريا" يمضي لعامه الرابع بمؤسسة محترفة ومحتوى متميز
استطلاع آراء.. تلفزيون سوريا بعيون السوريين في الداخل
تحذير أميركي من استخدام عقار مضاد للطفيليات لعلاج فيروس كورونا
للمرة الأولى منذ أيلول.. لا إصابات بكورونا شمال غربي سوريا
"الصحة العالمية" تتوقع نهاية جائحة "كورونا" مطلع 2022