لا تضيع فرصة التعبير من أجل القضية.. نيسم جلال وإيقاعات المقاومة

تاريخ النشر: 07.05.2021 | 06:03 دمشق

مجلة جاز الفرنسية - ترجمة: زويا بوستان

ولدت نيسم جلال في باريس لأب وأم سوريين، وبدأت بدراسة العزف على الفلوت الكلاسيكي المستعرض في عمر الست سنوات. في السابعة عشرة نالت شهادة الكونسيرفاتوار في فرنسا وبعدها سافرت برحلة اكتشاف للجذور إلى سوريا حيث درست عزف الناي في المعهد العربي للموسيقا بدمشق، وفي القاهرة تتلمذت على يد عازف الكمان الشهير عبدو داغر، لتلتقي بعد ذلك بفتحي سلامة المؤلف والموزع وعازف البيانو وتعمل معه في أكبر مسارح البلد.

قامت منذ عام 2006 بجولات موسيقية في فرنسا وألمانيا وبلجيكا وإسبانيا. وهي تؤدي منذ عام 2011 برفقة فرقتها الخماسية "إيقاعات المقاومة" ضمن أكبر مهرجانات الجاز في فرنسا وأوروبا.

احتفالاً بمرور عشر سنوات على انطلاق فرقتها الخماسية، إيقاعات المقاومة، قامت عازفة الفلوت الفرنسية السورية نيسم جلال بتأليف حكاية مؤثرة عن البيئة والمجتمع والإنسانية، ضمن ألبوم موسيقي من جزأين تتجلى فيه جميع تدرجات كلمة نضال، من أجل "عالمٍ آخر" أكثر عدلاً وسعادةً.

وفي حوار مجلة جاز الفرنسية معها، يجد القارئ فنانة شغوفة، متحمسة، لم تكف يوماً عن البحث والاطلاع والمقاومة على وجه التأكيد:

مصطلح المقاومة ومسيرتك صنوان لا يفترقان، نلاحظه منذ شارة عملك الأول ويستمر كعقيدة وولاء في عملك مع الفرقة الخماسية، كيف التقيتِ بهذه الكلمة؟

عندما كنا نقرأ عن الحرب العالمية الثانية في المدرسة، كان الموضوع يعني بالنسبة لي "مقاومة الاحتلال" ولكنني تعاطيت مع هذا التعبير واقعياً في إطار نضال الشعب الفلسطيني من أجل الحصول على حق تقرير مصيره، فقد عملت كثيراً مع (أسلوب) مغني الراب الذي نشأ في مخيم للاجئين في لبنان، ولطالما روى لي كيف كانت حياتهم هناك من دون ماء نظيف للشرب ومن دون كهرباء. هذه الروايات أثرت فيّ كثيراً وهنا قمت بمقاربة الاحتلالين.

 

وأنت هل خضت نضالات من نوعٍ ما؟

نعم كثيراً، من أجل حقوق المحرومين من الأوراق الثبوتية، أمام مراكز الاحتجاز. وتعرضنا للضرب من قبل عناصر الشرطة. ثم جاء آذار 2011 عام انطلاق الثورة السورية في الوقت نفسه الذي كنت قد أسست فيه فرقتي الخماسية، فكان عليّ أن أختار لها اسماً يصفع ويحكي عن العالم، ويكون صدى له أيضاً. من هنا انطلقت موسيقا إيقاعات المقاومة التي تتطرق لمواضيع مؤلمة بالنسبة إلي، مصحوبة بالتزام أعضاء الفرقة المتعددة الثقافات، مهدي شعيب على الساكسوفون، كارستن هوشابفيل على الغيتار، داميان فارايون على الكونترباس، وأرنو دولمن على الطبل، والذين يجد كل منهم دوره فيها ويأتون بأفكارهم إليها. فنقاشاتنا لا تقتصر فقط على الموسيقا بل تتعداها إلى الفلسفة والسياسة، وخلاف الرأي وارد بيننا وهو شيء مهم جداً من أجل مقاومة القطيعية في العالم.

 

Naïssam Jalal gros plan ok.jpg

 

في عام 1990 كان العدوان الكبيران هما حزب لوبن ومرض الإيدز، أما اليوم فيتعزز لدينا شعور بأن المعارك كثرت وتعددت، معارك من أجل البيئة، ضد العنصرية، من أجل المساواة، ضد تجاوزات وسائل التواصل الاجتماعي، وضد التضليل. كثيرة هي الدعوات إلى النضال أليس كذلك؟

في الحقيقة نحن نجد أنفسنا في معارك على أكثر من جبهة وليس لدينا وقت لكل تلك المعارك. إذ لكل منا أن يعثر على التوازن المطلوب بين حياته الخاصة والطاقة التي يمكنه أن يوظفها من أجل ذلك.

أنا أتفهم تماماً الموسيقيين الذين لا يحبذون الخوض في غمار تلك النضالات فهي مسؤولية كبيرة ومرهقة ومتعبة نفسياً في بعض الأحيان. خاصة عندما نلامس مواضيع حميمية جداً بالنسبة إلينا.

ذات مرة استوقفني أناس في نهاية حفلتي الموسيقية وصرخوا بعبارات عن المؤامرة ضد بشار الأسد، رغم أن لدي أفراداً من عائلتي فقدوا حياتهم في سجون النظام. وهناك أيضاً ردود فعل من نوع: آه إنك تتكلمين الفرنسية بشكل ممتاز نسبةً لكونك سوريّة! إنه لشيء مؤلم حقاً (وتضحك). إذ إنني أستطيع أن أكون سورية وفرنسية في آن واحد، ولكنني لا أستطيع أن أضيع فرصة التعبير عندما تحين لي من أجل خدمة القضايا التي أؤمن بها. يبقى هذا لا شيء تقريباً مقارنة بقوة تيار تلفزيون BFMTV القريب من اليمين مثلاً، كحبة رمل ضمن كثبان. إلا أنني سأقوم بواجبي طالما أنا قادرة على ذلك وطالما أنني لم أسأم بعد. سأتوقف عند هذا الحد (تضحك) كرمى للأشخاص الذين لم يفهموا شيئاً مما قلت.

 

 

هل نستطيع أن نقول بأن ما ذكرتِهِ سابقاً أدى إلى انكفاء منظّمي الحفلات عن دعوتك؟

أنا عازفة موسيقا بالدرجة الأولى، ولكن الأبعاد السياسية متضمنة في عملي والذين يدعونني من أجل العزف يعرفون ذلك جيداً. وأعتقد أيضاً بأن بعض المنظمين اختاروا عدم تقديمي لأن ذلك قد يسبب لهم الحرج.

في عملك السابق، البحث عن المخفي الذي تم تسجيله مع ليوناردو مونتانا وكلود تشاميتشيان وحميد دريك، بنيت عملاً كاملاً حول الصمت وغيبوبة الانتشاء، أيضاً كطريقة أخرى للتعبير عن مقاومة العالم وضجيجه. حدّثينا

نعم، لقد سبرت في هذه الأسطوانة الأبعاد الروحية للموسيقا الهندوستانية والعربية الكلاسيكية، وتعبير الانتشاء الروحي مهم جداً بالنسبة لي. فمنذ عشر سنوات إلى الآن لا تمر لي حفلة دون أن يبكي خلالها أحدهم، أو دون أن يشعر بالتخفف من شيء ما وهو يستمع إلى موسيقاي. إنه لضرب من الجنون، أنا نفسي أحس به يسري ضمن ثنايا جسدي، يحررني من ضغوطي اليومية:

 

فيما بعد قمت بتأليف "طقوس الشفاء" مشروع بدأت بتقديمه ضمن المستشفيات.

كيف عبرتِ سنة 2020؟

أحييت بعض الحفلات، الكثير منها في كانون الثاني، وشباط، ثم في آب وأيلول وتشرين الأول. ولكنني لم ألمس الناي منذ الحجر الصحي الثاني. لقد أصبح العزف يسبب لي الكآبة، ولم تعد لدي رغبة في تأليف الموسيقا. على عكس الحجر الماضي الذي اتخذته كاستراحة بعد سنوات من التجوال والحفلات، ما أعطاني فرصة جيدة لكتابة عدد من الأشياء. الآن أنا غير قادرة على ذلك، لهذا أستغل وقتي في الدراسة، بالإضافة إلى انغماسي في غناء الكارناتيك الهندي وعزف الطبلة.

ولكن الموسيقا هي أن "نكون معاً" بالدرجة الأولى، على المسرح مثلاً، عندما تستمع إلى زميلك على البيانو وتقول في نفسك يا له من عزف مدهش. لقد كبرنا معاً في "إيقاعات المقاومة"، عندما التقينا منذ عشر سنوات لم نكن نعزف كما نعزف اليوم. معاً عبرنا كل عتبات التعلم حيث كنت أكتب مقطوعاتي الموسيقية بنوع من التحدي، ومع رغبة عارمة بالتطور. وفجأة مضينا بلهفة الكلاب نحو أشياء أكثر تعقيداً وبفضل عملنا الدؤوب ضمن فرق صغيرة والمثابرة والانكباب على الإيقاعات والجوانب الدقيقة، وصلنا إلى ما نحن عليه الآن.  

واليوم بإمكاننا أن نستمع إلى التقدم الذي أحرزه كل منا، إلا أن الصعود على المسرح بعد شهور من الغياب يبقى حقيقة........ (تصمت ولا تكمل العبارة).