كُرد سوريا يُحيون وفاة زعيمهم الروحي كطقس سنوي

تاريخ النشر: 01.03.2019 | 21:03 دمشق

آخر تحديث: 02.03.2019 | 18:50 دمشق

القامشلي - شفان إبراهيم – تلفزيون سوريا

تشرح صفحات التاريخ لحظات حاسمة في تاريخ شعوبها، ونضالات رجالاتها الذين تركوا بصماتهم على مصير وقدر ومستقبل وتاريخ شعوبهم وتجاوز الحدود الضيقة للجغرافية. ومدى تأثيرهم الفعال في مجريات الأمور التاريخية والعسكرية والسياسية بما يوازي أو يساوي عقود من الحياة الروتينية التي لا تضحيات بها، في اللحظات الحاسمة يبرز قادة لهم من الكاريزما ما تجعل سيرهم ومروياتهم تبقى لعقود وقرون يلعبون دوراً حاسماً على كافة الصعد التي تمنح المقهورين والمظلومين فسحة آمل، من بين أبرز هؤلاء القائد الكوردستاني الجنرال ملا مصطفى بارزاني الذي خرج من رحم الأحداث الدراماتيكية.

بعد سنوات كفاح طويل وأمام مؤامرات دولية ونفي ومحاولات اغتيال، يشهد (1 آذار) سنوياً في ذكرى رحيله، فعاليات قومية تقليدية للكُرد في سوريا شعباً وحركة سياسية، متكئة على إرثٍ نضالِ وارتباط عضوي بنهج وجد الكُرد فيه خلاصاً من الظلم واستناداً إلى سنين التضحيات وحجم الخسائر في الأرواح فداء للحلم القومي الكُردستاني.

لماذا يحتفل كرد سوريا به؟

يحتفل كُرد سوريا في الأول من آذار من كل عام بذكرى رحيل مصطفى البارزاني ما يدفع كثيرين للتساؤل حول الأسباب التي تدفع كُرد سوريا الساعين نحو الحقوق القومية ضمن الدولة السورية الجديدة، للاحتفال بذكرى رحيل مصطفى البارزاني الذي يحمل هوية عراقية، وفي ذلك يرى نافع عبد الله عضو اللجنة المركزية للحزب الديمقراطي الكُردستاني –سوريا أن "البارزاني الخالد يعتبر الأب الروحي للأمة الكوردية على مستوى العالم لذلك لا ننظر إليه كشخصية كوردية عراقية فحسب بل شخصية كوردية عالمية" ناضل البارزاني طيلة خمس عقود ضد مختلف أنظمة الحكم في العراق ساعياً كما كان يوضح في كل الخُطب والبيانات والثورات التي خاضها بحسب نافع إلى " تحقيق أحلام شعبه نحو الحرية والعدالة فأثبت مبتغاه للعالم أن الكورد شعبٌ يستحق العيش في دولته القومية الديمقراطية إلى جانب صون حقوق جميع المكونات الأخرى" يكاد لا يخلوا بيتٌ من صورة وسير وأحاديث للبرزاني الأب ككناية عن مدى ارتباطهم به، كما أن الصحافة الأوروبية في تلك الفترة التي كانت دول الشرق وخاصة القوميات تعاني من التعتيم الإعلامي فيقول نافع" كان البارزاني صاحب قضية عادلة، ما دفع الصحفيين والكتّاب للتدوين والكتّابة عنه وشرح مآثره في كبريات الصحف المحلية والعالمية" كما أن نافع وهو يُمثل جهة سياسية تقول عن نفسها حاملة وامتداد لنهج البارزاني، يرى أن الحقوق التي يتمتع بها الكوردستانيون اليوم هو" نتيجة ثمار تلك الشخصية التي أثرت على المستوى الإقليمي والدولي، ويُعتبر البارزاني بالنسبة للكورد غاندي وجورج واشنطن كُردستان" كما يقول نافع.

 

مسيرة البارزاني

على الدروب التي سقاها الكُرد بدمائهم للوصول إلى تاج الحرية، كان ولا يزال رمزهم القومي خالداً في قلوبهم يجسدونها استذكاراً دائماً له. فرائحة الموت المُّر تذكر الكُرد بمصير حبهم وشغفهم لوطنهم الذي عاكسه القدر، فهم لا يرغبون التخلص من عذابات الذاكرة، لكنهم يرغبون بالبقاء أوفياء لشخصيات أثرت في العالم المتحضر بثوراته وأفعاله. كانت المناطق الكُردية تشهد احتفالات شبه سرية في خيم أو منازلَ بعيداً عن أعين أمن النظام، حيث يرى نافع عبد الله" أن الاحتفال والتأبين لم يكن وليد 2011 أو إحدى نتائجها، إنما منذ السنة الأولى لرحيله نُقيم واجبنا القومي تخليداً لما قدمه من تضحيات جسام" كما يرغب عبد الله أن يذكر بعضا من أبرز المحطات النضالية التي سلكها ومرت في حياته، ويقول لموقع تلفزيون سوريا" تعرض البارزاني في الموصل أثناء الحكم العثماني للسجن برفقة والدته، ولم يكن قد تجاوز السنوات الثلاث من عمره، وما أن اشتد عوده قليلاً حتى شارك أخاه الأكبر الشيخ أحمد البارزاني في ثورته ضد الملكية العراقية وفي عام1945 حمل البارزاني لواء الثورة ضد الاستبداد رافعاً شعار حقوق القوميات مُشاركاً القاضي محمد في إعلان جمهورية مهاباد، ثم متحدياً الأهوال قاطعاً نهر أراس باتجاه الاتحاد السوفيتي ماكثاً 12سنة، حتى إعلان ثورة تموز بقياد عبد الكريم قاسم" ويتابع نافع الحديث عن الرمز "البارزاني" وقيادته للثورة فيقول "خاض وترأس بنفسه ثورة 11من أيلول حتى حقق الحكم الذاتي لمكونات كوردستان العراق، لذا يستحق منا ككورد سوريا الاحتفاء به كأبسط ما نُقدمه" ويتذكر نافع كيف أن الأمن كان يحاول دوماً منع كُرد سوريا من الإتيان بأي نشاط كان فكيف إن ارتبط برمز قومي.

طيلة عقود خلت كان الكُرد يبعثون برسائل قومية لجميع الجهات الصديقة والمعادية لهم، ولارتباطاتهم مع البارزانية، وكرسالة تحد ناعمة وواضحة حول الالتزامات القومية للحزب الديمقراطي الكُردي في سوريا (البارتي) قبل أن يتحول إلى الديمقراطي الكُردستاني – سوريا بعد اتحاد سبعة أحزاب كُردية سورية. لكن المناسبة أصبحت من نشاطات المجلس الوطني الكُردي الذي أضحى مصدر الدعوات وجميع المناسبات الأخرى التي تخص أحزابه. في ذلك يرى محسن طاهر رئيس مكتب المجالس المحلية في الوطني الكُردي "البارزاني مصطفى ليس ملك حزب بعينه، إنما قائد أمة، عُرِفَ به الكُرد في أصقاع المعمورة، وأمسى هويتهم في مشارق الأرض ومغاربه، لذلك فإن أحياء المجلس لذكرى رحيله يدل على صوابية النهج القومي للمجلس الذي تخطى تخوم الحزبية والمحلية الضيقة". منذ تأسيس المجلس وهو يقول عبر بياناته ومواقفه بدفاعه ومطالبته بالحقوق القومية للشعب الكُردي في سوريا، وإنهم كمجلس يمثلون خط "الكُردايتي" والنضال في سبيل ذلك، فيرى طاهر "لا عجب أن يتخذ المجلس من نهج البارزاني القويم، ديدناً له وصولاً لمبتغاه وفقاً لظروفه الخاصة والمشخصة".

"القضية تتعلق بكاريزما البارزاني"

التاريخ الكُردي زاخر بمئات الشخصيات القومية والنضالية والمضحية، التي دافعت وناضلت في سبيل شعب كُردستان، لكن شغف الكُرد في سوريا بشكل خاص بشخصية البارزاني يشرحها طاهر، أن الكُرد أوفياء لقادتهم عموماً، لكن تبقى قضية الارتباط العضوي والنفسي مع إحداها أكثر من أخرى ويقول "القضية تتعلق بكاريزما البارزاني القومية الاستثنائية، ونهجه القويم ونضاله الدؤوب ودون هوادة من أجل حرية الأمة الكُردية برمتها، وبناء كيان قومي لها أينما سنحت الظروف وفي أي جزء من كُردستان" طاهر يعتقد أن القضية تتجاوز مرحلة التعاطف فقط، بل إن تطور العقل الكُردي سمح له بمتابعة الأجيال التي حملت رسائل قادتها، فيعتقد أن ما تفعله سلالة البرزانيين تدفع نحو المزيد من الارتباط والتزام الكُرد في سوريا معهم "مسيرة النضال مستمرة من قبل أبنائه وأحفاده، وما قدمه رئيس البشمركة مسعود البارزاني لكُرد سوريا يجعلنا مدينين لهم دوماً".

يحتفل الكُرد في سوريا بذكرى رحيل من يعتبرونهم رمزاً وقدوة قومية لهم. ومن شبه المتعارف عليه أن الشعوب التي تملك كتّابً وباحثين هي الشعوب التي لاتموت. فيرى المؤلِف والكاتّب الكُردي "كوني رش"أن الكُرد عامة وفي سوريا خاصة لا يزالون بحاجة إلى شخصيات من أمثال البارزاني فيقول "البارزاني رأسمال رمزي للوطنية والقومية الكُردية والفكر التقدمي الكُردي لجميع شعوب كُردستان، وسيبقى رأسمالا رمزياً للأمة الكُردية وعلى نهجه نستطيع أن نبني الآمال العريضة للنهوض بالأمة الكُردية" ويعتقد كوني رش أن مسيرة ونهج البارزاني أصبحت كنوع من المرجعية للكُرد جميعاً، مُبتعداً عن قضية إقحام الماضي في تأسيس المستقبل، لكن داعياً في الوقت نفسه كُرد سوريا للاستفادة من تجربة البارزاني لما تحتوي مسيرته من عبر ورمزيات ضرورية واصفا البارزاني بــ" الجبل الشامخ الأبي الذي ما اهتز يوماً أمام العواصف الهوجاء والرياح القاسية، ومشبهاً بين الجبال التي لا تموت وسيرة البارزاني التي تبقى حية أبداً" مستشهداً بما أقدمت عليه جامعة واشنطن بتأسيس مركز باسمه "لولا قيمته وعظمة أفعاله وأخلاقه وكأحد أهم الشخصيات العالمية الذين خدموا شعبهم حتى الرمق الأخير" مُستشهداً بها لمٌقارباته بين البارزاني وشخصيات أثرت في العالم "على غرار نيلسون مانديلا شارل ديغول" مُشدداً على ضرورة أحياء كُرد سوريا هذه المناسبة.

أربعون عاماً على رحيل مصطفى البارزاني في واشنطن بعد مرض عال، ونضالاً استمر لعقود في سبيل حق تقرير المصير للكُرد ولسان حال الكُرد في سوريا إنهم مُخلصون وماضون على نهجه في سبيل نيل الحقوق المشروعة.

مقالات مقترحة
سفير النظام في روسيا: لقاح سبوتنيك سيصل إلى سوريا هذا الشهر
كورونا.. 8 إصابات جديدة في مناطق شمال غربي سوريا
كورونا.. 8 وفيات و110 إصابات جديدة معظمها في اللاذقية