كُرد سوريا.. لقاءات دولية ومجتمع مُنهار

كُرد سوريا.. لقاءات دولية ومجتمع مُنهار

الصورة
29 آب 2019

شفان إبراهيم

كاتب صحفي وأكاديمي كُردي حاصل على الماجستير في

مُجدداً يبدأ المجلس الكوردي زيارات ولقاءات للظفر بجزءٍ من إدارة ما دُرج على تسميته بشرق الفرات. لم يكن غريباً عدم الإفصاح عن مضامين تلك الجلسات، لنقل هكذا درجت العادة، لكن الجديد أن منافسه أو لنقل مُرهقه الاتحاد الديمقراطي وعبر قوات سوريا الديمقراطية تسعى لإرساء بذور الثقة والطمأنينة لدى الجانب التركي، ويبدي استعداده للحوار والتعاون لإنجاح المنطقة المختلفة على تسميتها ما بين الآمنة أو الأمنية، بينما يستمر المجلس في الإصرار على مشاركة المجتمع الدولي في هذا المسار إن جاز التعبير، والواضح حتى الآن، أن الاتفاق هو بين تركيا وأميركا، خاصة أن التسريبات الإعلامية تتجه صوب إعادة هيكلة مجلس منبج المدني؛ على أن يرأسه تحديداً شخص من المكون العربي ليس لتركيا "فيتو" ضده، وسيكون المجلس مناصفة بين عناصر الإدارة الذاتية والمكون العربي في منبج. فالأجدى بالمجلس كسب ودّ والاتفاق مع أحدهما أو كليهما /أميركا –تركيا/، والتركيز على المبادرة الفرنسية كإحدى أوراق الأمان للكورد ومستقبلهم.

لسان حال المجلس هو عدم تكرار تجربة عفرين، لكن الواقع يقول إن انعدام الخطط الاستراتيجية والمشاريع للمرحلة المقبلة رُبما يخلق عفرين جديدة.

لسان حال المجلس هو عدم تكرار تجربة عفرين، لكن الواقع يقول إن انعدام الخطط الاستراتيجية والمشاريع للمرحلة المقبلة رُبما يخلق عفرين جديدة، ما لم يعلن المجلس علانية نيته في إدارة المنطقة والشراكة فيها بغض النظر عن من سيدير المنطقة الآمنة. خاصة وأن الوجود التركي بمفرده في المنطقة سيعني فتح معبر خاص مع العراق تحت إشراف الدولتين مباشرة وقطع شريان الاقتصاد لدى كوردستان العراق المتمثل في معبر إبراهيم الخليل، ولو تمت المصادقة على التوافق بين تركيا وقسد فإن معبر نصيبين سيكون البديل عن معبر سيمالكا الشريان الحيوي الثاني للإقليم وأسواق المنطقة الكوردية، عدا عن قطع شريان العلاقات الاقتصادية بين الإقليم والاتحاد الديمقراطي.

ثمة مسعيان لإدارة المجتمع الكوردي. الأول يتمثل في الإدارة الذاتية الساعية نحو ليّ الرقاب ومنعها من الارتقاء أو التفكير أو سعي أيّ طرف نحو خلق أنماط خارج سياقاتها السياسية والإدارية. والثاني المجلس الكوردي الساعي للحفاظ على التابوهات التي خلقها كي يكون في منأىً عن أي نقد أو طرح للأفكار، والسعيد جداً بخسارة أيّ كفاءة أو صاحب رؤيا نقدية تحليلي؛ لأنهم ينظرون له كالشيطان الأعظم، وهو بذلك فقد كل أوراقه للضغط أو خلق أذرع لتكون بمثابة الضواغط أو قوة ناعمة لنشر سياساته، بل الأسوأ راح يتحاشى أيَّ تفعيل للمنظمات الموجودة.

 لا تستوي السلطة القابضة على كل شيء – كحال الإدارة الذاتية والاتحاد الديمقراطي- والفاقد للكل شي بفواعل مخالبَ محلية –كحال المجلس الكوردي- لكن الثابت أيضاً أن الجماهير والشعب ما عادوا بالمهتمين بهذه الحقائق. مصالح الناس، حيوياتهم، مستقبل أبنائهم، وتأمين مستلزماتهم اليومية هي المقدسات التي تكبر في ذواتهم، وبشكل أخص بعد تفشي وانتشار اليأس لديهم، كما تتوزع الأورام الخبيثة داخل الجمجمة مانعةً أيَّ تفكير خارج سياق المرض.

"الخوف من الحرية" وفق تعبير"إريك فروم" هو ما تعيشه الأطراف الكوردية في سوريا، فأصبحوا يدفعون حتى مُناصريهم وجماهيرهم للتفاضل ما بين رمي العقول والدعس فوق الأفكار، أو إخافتهم للهروب من الحرية. وهذه من بين أعقد المشكلات التي تواجه المجتمع الكوردي، فهو خطابٌ يلبس رداء الحقوق، لكنه في مضمونه هادفٌ إلى الإخافة وعلى وجه الدقة الكتّاب والصحفيين والأكاديميين والمتمتعين بالتفكير المركب والتحليلي- من عيشهم ضد مما يقولون لهم أو يسعون لفرضه على حيويات الناس بغية الترويض، هكذا حتى دون حوار أو توافق. على الرغم من أن قيم الاستبداد والخوف زُرعت في أفئدة الناس تحت مسميات قيم أخلاقية وسياسية واجتماعية، من قبل مختلف الأنظمة المتعاقبة على سدة الحكم في سوريا منذ أكثر من /6/عقود كي تساعده في الهيمنة على المجتمع وتوجيه تفكيره، إلا أن غياب الرغبة بالتبديل والتغيير حتى بعد هامش الحرية الكبير، هو الهدف عينه الذي سعت إليه أطراف كوردية عديدة لتحقير قيم الحرية وإلغائها، وهذه الأخيرة تحمل هماً مزدوجاً، طرفه الأول الإدارة الذاتية وحزبه الحاكم الــ/ ب. ي. د/ وسعيه نحو خنق الحياة السياسية، وطرفه الثاني اليوم المجلس الكوردي ورغبته بمحق أيّ صوت مُستفسر عن تأخر خروجهم من معمعاتهم الداخلية منها والخارجية.

انتهى مفعول ومعسول "تاريخانية" أحزاب المجلس، وكونها كانت سداً منيعاً أمام محاولات طمس الهوية الكوردية، مع استمرار المجلس في خسارة بنيته التنظيمية.

انتهى مفعول ومعسول "تاريخانية" أحزاب المجلس، وكونها كانت سداً منيعاً أمام محاولات طمس الهوية الكوردية، مع استمرار المجلس في خسارة بنيته التنظيمية والجماهيرية، وبشكل أدقّ لا مبالاته من خسارته لفئة الشباب التي ألتفت حوله في بدايات الحدث السوري، وبل راحت هي من تدفع هؤلاء للهرب وإيجاد بدائل أخرى. ولعل قضية الإعلام والتمثيل الكوردي في الائتلاف، وقضية منظمات المجتمع المدني، وحدها كفيلة –لو تم الحديث عنها- بجلجلة ضخمة تتسبب بارتباك كبير رُبما تصل ارتداداته صوب طبقات أخرى تبدوا أكثر تماسكاً.

اليوم، وعلى الرغم من مرور ثماني سنوات من المُّر وتناولنا للحُصرم، والهجرة وضياع كل آمال الكوردي في سوريا، بقي التفكير السياسي للكُرد القوميين والملتزمين بالقضايا المصيرية للقضية الكوردية في سوريا، تُراوح مكانها. خاصة مع انعدام أيّ تطور يُذكر بغية تكّون خريطة سياسية أو بالحد الأدنى خريطة مفاهيم تحدد الأولويات، وتخلق لدينا نحن المصابين بداء إبطال تصديق ما يُقال؛ نتيجة التراكمات في الوعود وانعدام الأفعال. خاصة من أصحاب القرار الذين أبدعوا في بيع الأفكار المزيفة متكئين على إرث صبرهم وتحملهم ضربات مؤسسات النظام الثقافية والسياسية، وإبداعهم في خنق ونسف وإنهاء ما يلزم الشباب الكورد للعيش بموجبه في حياتهم الجديدة التي أوهموهم بها، وها هي الظنون تأكلهم وينهشهم الترقب.

شارك برأيك