مع كل عهد جديد لحكم ما، جاء نتيجة ثورة شعبية، أو عملية عسكرية، آراء متعددة بين مدافع عن السلطة الجديدة ومعارض لها، وأطراف توافقها من جهة وتعارضها من جهة أخرى على سبيل النقد البناء المبني على أسس واقعية. وبين كل هذه الأطراف تحدد السلطة الجديدة مسارها؛ فإما أن يوقعها المديح والطرب الزائد في فخ التوجس من كل نقد فتسير بذلك إلى حتفها بعد أن تسلك طريق الاستبداد، أو أن تكتسب مرونة الاستماع والاستيعاب، فتصحح أخطاءها بناء على تقريب الناصحين وتغليق الباب أمام المادحين المفرطين بالتزلّف.
يسجل التاريخ حول هذا الموضوع مأساة كاتب دوّن وثيقة إصلاحية كانت بمثابة عقد اجتماعي ينظم العلاقة بين السلطان والرعية، ويعود بالنفع إلى كليهما. وكان يجدر أن يعيها الساسة ويستوعبوا ما فيها، ويترجموه على أرض الواقع، لكنهم صمّوا الآذان عنها فكان لهم خسران النصيحة ولكاتبها القتل حيث جنت عليه نصائحه.
هذا الكاتب هو عبد الله بن المقفع الذي عاش فترة سقوط دولة بني أمية ونشوء دولة بني العباس، فلاحظ أسباب زوال ملك بني أمية إذ كان تلميذاً لعبد الحميد بن يحيى كاتب مروان بن محمد آخر الخلفاء الأمويين، وما إن سطع نجم بني العباس حتى تقرب ابن المقفع منهم وأصبح على علاقة وطيدة مع عبد الله بن علي عم أبي جعفر المنصور وأخيه أبي العباس السفاح. وعندما دبّ الخلاف بين المنصور وعمه عبد الله بن علي خشي ابن المقفع على نفسه فاتصل بنائب أبي جعفر المنصور على البصرة سفيان بن معاوية بن يزيد بن المهلب ونشأت بينهما صحبة، لكنّ ابن المقفع كان حينما يمازح سفيان يغلظ عليه بالقول ويسخر من أنفه، فتغير عليه وتحين الفرص للفتك به.
السبب الظاهري الذي راج لقتل ابن المقفع أنه ظهرت عليه علامات الزندقة فأخذ بها، ولكن هذه التهمة لم تكن ذات أهمية لدى المنصور قبل كتابة "رسالة الصحابة"
ورغم أن أبا جعفر المنصور كان لا يتساهل في أمر عمه عبد الله بن علي الذي خرج عليه وكل من تقرب منه، إلا أنّه لم يبدِ حنقاً على ابن المقفع وترك لفترة طويلة، حتى كتب ابن المقفع رسالته الشهيرة "الصحابة" وهي عبارة عن نصائح وجهها للخليفة المنصور تتعلق بسياسة الرعية وتنظيم أمور الدولة، عندها استشاط المنصور غضباً ورأى في النصح تحريضاً فأمر بقتل ابن المقفع.
يورد ابن كثير في "البداية والنهاية" حول هذه الحادثة ما نصه:
"ثم اتفق أن المنصور غضب على ابن المقفع فكتب إلى نائبه سفيان بن معاوية هذا أن يقتله، فأخذه فأحمى له تنورا وجعل يقطعه إرباً إرباً ويلقيه في ذلك التنور حتى حرقه كله، وهو ينظر إلى أطرافه كيف تقطع ثم تحرق، وقيل غير ذلك في صفة قتله".
السبب الظاهري الذي راج لقتل ابن المقفع أنه ظهرت عليه علامات الزندقة فأخذ بها، لكن هذه التهمة لم تكن ذات أهمية لدى المنصور قبل كتابة رسالة الصحابة، حيث كان ابن المقفع مقرّباً مقدراً عند السلطة وهو على دين المجوسية ثم أسلم في مجلس عيسى بن علي عم المنصور ولازمه فترة طويلة والمنصور يسمع أخباره ويدري بأحواله دون أن يحرّك ساكناً.
وبالعودة إلى رسالة الصحابة التي قتلت صاحبها، فإن ابن المقفع يقف فيها موقفاً وسطاً بين المحرضين على السلطة والخروج عليها دون وجه حق وبين المفرطين في إيجاب السمع والطاعة لها حيث يقول في رسالته:
"فإنا قد سمعنا فريقاً من الناس يقولون لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، بنوا قولهم هذا بناءً معوجّاً. وسمعنا آخرين يقولون: بل نُطِيعُ الأئِمَّةَ في كل أمُورنا، ولا نُفَتِّش عن طاعة الله ولا معصيته، وليس هذا القول بأقلَّ ضرراً في توهين السُّلطان، وتهجين الطَّاعة من القَوْلِ الذي قَبْلَه. وقال أهلُ الفضل والصواب: قد أصاب الذين قالوا: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ولم يصيبوا في تعطيلهم طاعة الأئمة وتسخيفهم إياها، وأصاب الذين أقروا بطاعة الأئمة لما حققوا منها، ولم يصيبوا ما أبهموا من ذلك في الأمور كلها".
ثم يسترسل في رسالته مدوّنا ملاحظاته على أوضاع الجند والخراج والفساد المالي مشددّاً على وجوب تنظيم أمورهم لأنهم عماد الدولة ومصدر أمنها واستقرارها، فطالب بوضع دستور لهم يبين ما يحق لهم وما يجب عليهم، وحسن اختيار زعمائهم وتربيتهم على خطورة الاستخفاف بحق أمير المؤمنين وبنفس الوقت سلبية المغالاة بطاعته.
كذلك طالب ابن المقفع بأن يكون الخراج من اختصاص أشخاص غير مرتبطين بالجندية لأنها تفسد أمور المقاتلة، حيث إن الكثير من القادة اعتزوا بالمال والجند فخرجوا على الدولة وتسببوا في حروب أتعبت الدولة الوليدة.
وأيضاً بين ابن المقفع أهمية مراعاة الكفاءة في المراكز القيادية من ولاة وعمال ضرائب ورؤساء شرطة ووزراء لأن ذلك أحرى بقيام العدل وقوة الدولة وتجنب ظلم الرعية وسد الطرق على مناوئيها والكائدين لها.
ولم يغفل ابن المقفع الجانب الأخلاقي والتحلي بالعفة والتواضع عند المسؤولين في الدولة ليمتّن الحبل الممدود بين السلطان ورعيته؛ فهي شاكرة له ذاكرة وهو آمنٌّ على حكمه وسلطانه.
قتل ابن المقفع وركب المنصور طريق الاستبداد فعاش متوجساً خائفا يأخذ بالشبهة ولا يهدأ له قرار حتى ذلل لبنيه دولة قوية في الظاهر كثيرة الاضطراب في الداخل، وفيما لو عاد إلى الحياة مجدداً، فهل سيقتل ابن المقفع مرة أخرى أم سيقرّبه ويتمعّن في رسالته ويعيد قراءتها بروح الحريص الذي يسمع للناصح ثم يقول: نعم هذه الرسالة كانت لي لا عليّ؟