كيف يمكن للمواطنة أن تصبح هويّة للسوريين؟

تاريخ النشر: 22.04.2022 | 08:16 دمشق

آخر تحديث: 22.04.2022 | 08:17 دمشق

يقتصر تاريخ الحديث العلني والمباشر عن المواطنة في سوريا على العقد الأخير. حيث شهدت الأوساط السياسية والثقافية إضافة إلى عامة الناس، طفرة في الحديث النظري عن المواطنة كعنوان مثير للاهتمام، واقتصر الحديث والكتّابة في ميادين السياسة وعلم الاجتماع مع ابتعادها عن الإطار الأكاديمي التعليمي والمناهج المدرسية والجامعية.

وشكّل ذلك العزوف عن الدمج بين المواطنة والمنهاج المدرسي-الجامعي مشكلة كبيرة وكافية للتدليل على ضعف الوعي الجمعي بمفهوم المواطنة. وقلّت الدراسات التي تتحدث عن المواطنة عبر المسار التاريخي الكامل لها. ودون عناء البحث في تجارب الدول والمجتمعات خلال وبعد الحرب، أو تجارب دول ما بعد النزاع.

والقول إن المواطنة الحقوقية تؤمن الإطار القانوني للهوية الجامعة دون الحاجة للتطرق إلى مفهوم التعددية الهوياتية في سوريا، وأن هويّة العروبة تكفي لتكون البديل الثابت عن باقي الهويات والحامل الجمعي للمواطنة، هو اللحظة التي تمهد لإبقاء نار الهويات متقدة والإبقاء على باب الصراعات مفتوحاً دوماً.

وإن رسمت المواطنة في المجتمعات المتحضرة الشكل الذي تتحدد به الهويّة الاجتماعية والسياسية لتلك المجتمعات والدول، فإن المواطنة في سوريا تعايشت مع أشكال عديدة سحقتها وألغت الآخر تماماً، ولم يشهد أن عاشت الهويّات السوريّة عهداً قائماً على التناغم والتمازج أو العيش في حلقة جامعة.

وعلى الدوام كانت الهوية الأقوى تلعب دور الشكل الحاسم في وأد الهويّات الأخرى، كما كانت باقي الهويّات تحاول ما في وسعها للحفاظ على ذاتها في حدها الأدنى، لذلك من الصعب جداً فهم الظروف المحيطة بالمواطنة السورية والمناظرات حولها دون معرفة الخلفية التاريخية وما أفرزته من شروخات عميقة في بنية المجتمع  والمواطن السوري.

تنازع وصراع الهويات عبْر تاريخ تشكيل الدولة السوريّة مر بخمسة أشكال مترابطة ومتشابكة، لكن لم ترتبط الهوية في أي مرحلة/حقبة تاريخية منها بمفهوم الدولة، بل فقط سعت لتدجين باقي الهويات..

فتنازع وصراع الهويات عبر تاريخ تشكيل الدولة السوريّة مر بخمسة أشكال مترابطة ومتشابكة، لكن لم ترتبط الهوية في أي مرحلة/حقبة تاريخية منها بمفهوم الدولة، بل فقط سعت لتدجين باقي الهويات، عبر التركيز على ما يقدمه الفرد للسلطة، وليس للدولة.

وبالمحصلة لم تكن تلك الأشكال سوى استغلال الفرد-المواطن للدفاع عن شكل الحكم المجتمعي-الرسمي القائم، وكان أولها: العهد الملكي الذي قام بعد انسحاب القوات العثمانية، عام 1918، كنتيجة لهزيمتها في الحرب العالمية الأولى، ووصول قوات الشريف حسين إلى دمشق بمساندة من القوات البريطانية، وشكّل النظام الملكي ارتباط هويّة الانتماء بحجم الولاء للتاج الملكي، فشكلت بذلك هويّة استبدادية قائمة على موت الهويّات ليعيش الملك.

والثاني في فترة الإقطاع التي شكّلت العلاقة الهرمية والروابط بين التابع والسيد شكلت هويّة الفرد، وانحصر شعور الأفراد بالانتماء على تبادل الخدمة-العلاقة التي يقدمونها أصحاب الهويّات الضعيفة /أي في أسفل السلم الاجتماعي/ في مقابل ما تلقوه من حماية من أصحاب الهويّات القوية / أي من هم في أعلى الهرم/ وشكل ذلك التسلسل نمطاً بسيطاً من الهويّةـ قام على قاعدة الأمان مقابل الطاعة.

والثالث: كان في فترة الانتداب الفرنسي التي سعت من خلالها لخلق الهويّة الفرنسية، وكانت تمنح سلطاتها وقوتها لشرائح من المجتمع المحلي، ممن ساعدها في قمع الشعب أكثر. كما أن المناهج والثقافة واللغة الفرنسية كانت كُلها تشهد انتعاشاً في الوسط التعليمي السوري، وبالرغم من كل ما عانته سوريا حين ذاك، لكن مقارنتها بما جرى للهوية السورية لاحقاً، فإن وضع الهويات في ظل الانتداب الفرنسي كانت تعيش نضجاً سياسياً، حيث اجتمعت كُل الهويات الفرعية حول رغبتها بالخلاص من هويّة فرنسا.

وللأمانة فإنّ اللغة الكردية خلال تاريخها في سوريا، لم تشهد تقديراً واحتراماً، باستثناء موافقة فرنسا للسيد جلادت بدرخان بإصدار مجلة هوار باللغة الكردية والأحرف اللاتينية، عام 1932، وأغلقت بعد خروج الفرنسيين، فكانت رسالة واضحة لوأد تطلعات كُل الهويات الفرعية.

وبدأ الشكل الرابع (المرحلة الرابعة) لتنازع الهويات عبر الاستبداد الملتزم بالصبغة القومية، لتشكيل هوية قوامها إخضاع جميع الهويات الفرعية وحصر الشعور السياسي السوي للاستبداد والرضوخ له، وشكّل الإيمان بهويّة البعث العربية أهلية وحيدة للانخراط ضمن هوية سوريّة، واستمرت مرحلة قمع الهويات في فترات متلاحقة، خاصة مع طرح فكرة أن المقاومة العربية والهوية العربية لسوريا هما وجهان لعملة واحدة، وأن الإيمان بذلك التمازج هو جوهر العمل الوطني والمواطنة القائمة وفق قواعد: لا قومية تفوق القومية العربية، ولا عضوية شرعية في مجموعة حضارية خارج العروبة، والشعور الوحيد السليم المرتبط بالهوية الوطنية، هو حب الأمة العربية والارتباط بها.

والشكل الخامس (المرحلة الخامسة): هي الحالية، فمنذ بداية الحدث السوري يُروّج لمفهوم أن الهوية الوطنية والمواطنة وعاء للهويات كلها، وهذا أمر مهم، لكنه غير كافٍ، بل خطير أيضاً؛ فالمخاوف ألا تأتي في سياق بناء شخصية هوياتية جمعية تمنح الهويات الفرعية مكانة ودورا مركزيا في مستقبل سوريا لتكبر معها التوجسات بأن تكون المساعي صوب إعادة تكوين هوية أحادية إلغائية مجدداً.

فالوطنية والمواطنة والهوية الجامعة لا ترتبط بتحديد علاقة فرد بفرد آخر، كما في وضع الهوية عبر التاريخ السوري، إنما بفكرة الدولة بشكل رئيسي. لذا فإن اسم ولغة وحضارة وعلم وعملة الدولة هي من ضمن مسارات تحديد الهوية كجامعة أو تأليه جماعة ثقافية على حساب باقي الجماعات الأخرى، وكيفية إشباع شعور ومخاوف باقي الهويّات في تلك المسارات، وإمكانية تحقيق الهوية للحقوق والواجبات بين الفرد والدولة. حينذاك نكون أمام المواطن الصالح والمتساوي مع غيره في أوضاعهم الشرعية. ووفقاً لذلك فإن الطرح الهوياتي الحالي ما يزال ملغّماً في بنيته وهرميته وهو يؤدي إلى إخضاع جميع الهويات الأخرى إلى سياق العروبة ومنع أي تعددية سياسية ثقافية لغوية تاريخية للهويات القومية والفرعية.

المشكلة المركزية للمواطنة حالياً في سوريا، هي أنها تطرح العروبة كإطارٍ جامعٍ لباقي الهويّات، ويتسبب ذلك بإبراز مضاعفات وصراعات شعبية بينها وبين الهويّات القومية الأخرى

إن المشكلة المركزية للمواطنة حالياً في سوريا، هي أنها تطرح العروبة كإطارٍ جامعٍ لباقي الهويّات في سوريا، ويتسبب ذلك في إبراز مضاعفات وصراعات شعبية بينها وبين الهويّات القومية الأخرى. خاصة أن أصل المشكلة في كل التحركات والتوجهات وطرح الهويّة، أن تكون قائمة على اعتبار العروبة فكرة ومظلة شاملة وكافية لإنشاء المجال السوري العام، في محاولة لدمج الأقوام والشعوب غير العربية، ضمن إطار هوية العروبة التي يقولون إنها كافية للكل بالرغم من الفشل التاريخي لكل المراسيم والإجراءات في تعريبها وسلخها من كيانها وهوياتها.

ومع أن المكوّن العربي (العرب) في سوريا يملكون هويّة يجسدونها لغوياً وثقافياً وهو أساس انتمائهم سواء على مستوى النخب أو العوام، ويبنون السير العظيمة لشخصيات وتواريخ ومناسبات عربية سورية، لكنها استغلت كأداة بيد الحكومات المتعاقبة على سدة الحكم في سوريا، لطمس كل ما يمس هويّة باقي المكونات من كرد وآشوريين وتركمان ودروز على الصعيد الرسمي، أيَّ إن العروبة نفسها لم تسترح كهويّة خلال التاريخ السوري من حجم الاستغلال في سبيل مواجهة حقوق باقي الهويات، ولم ترى الاستقرار أو التنشئة بعيداً عن نار الأحزاب الإيديولوجية الشمولية.

ويكفي التدليل على آلية ونسق تبوؤ المناصب والوظائف العليا في الدولة وعدم الاهتمام بالبؤس والفقر الذي عاشه المكون العربي في سوريا، لمعرفة أنها كانت عروبة سياسية وهوية قومية وليست هويّة جامعة.

لذلك يوجد نقص في بناء الشخصية السورية الهوياتية الجامعة وخلل حضاري لمصطلح "سوريا أولاً". ومع فشل محاولات المعارضة والحكومة السورية في خلق الهدوء والسكينة للهويات الأخرى غير العربية، فإن كل مكونات سوريا لم تهنئ بهوية جامعة. وتالياً بات السؤال الملح بعد قرابة نصف قرن من المساعي لسلخ المواطن-الفرد من هويّته الخاصة، وقهره على الانسلاخ من هويّته، كيف للمواطنة أن تنتعش في ظل العروبة وحدها، دون حقوق باقي الهويّات، في هويّة سوية جامعة للكل؟

انضم إلى قائمتنا البريدية ليصلك أحدث المقالات والأخبار