في الشرق الأوسط، لا تُخاض كل الحروب في وضح النهار؛ فهناك جبهة أخرى أكثر هدوءاً لكنها أكثر خطورة، وهي جبهة المعلومة. في هذه الجبهة لا تُسمع أصوات المدافع، بل تُسجّل المحادثات، وتُراقب التحويلات الرقمية، وتُزرع البرامج التجسسية في هواتف الخصوم. واليوم تبدو تركيا وإسرائيل في قلب حرب استخباراتية باردة تتقاطع فيها ملفات غزة وسوريا والطاقة والممرات البحرية.
من يراقب المشهد عن قرب يلاحظ أن الصراع لم يعد بين جيشين، بل بين عقلين أمنيين يختبران حدود اللعبة؛ فإسرائيل التي طالما تغلغلت استخبارياً في محيطها العربي وجدت في السنوات الأخيرة أنقرة أكثر حذراً وأكثر جرأة في الوقت ذاته، أما تركيا فقد قررت أن زمن التساهل مع الألعاب القذرة انتهى، وأن سيادتها ليست قابلة للتأجير، حتى في الفضاء الرمادي الذي تتحرك فيه أجهزة الاستخبارات.
اللافت في التجربة التركية أنها لم تردّ على إسرائيل بصخب سياسي، بل بلغة القانون والاستخبارات؛ فعوضاً عن الردود الدبلوماسية، جاء الرد عبر القبض والتحقيق والمراقبة الدقيقة.
خلال السنوات الثلاث الماضية نفّذ جهاز الاستخبارات التركي (MİT) سلسلة من العمليات الدقيقة ضد شبكات مرتبطة بالموساد الإسرائيلي. في ديسمبر/كانون الأول 2022 أُعلن عن تفكيك خلية باعت معلومات للموساد عبر محققين خاصين، ثم تلتها عملية أوسع في يناير/كانون الثاني 2024 شملت 34 متهماً بالتجسس لصالح إسرائيل، خطط بعضهم – بحسب السلطات – لمراقبة فلسطينيين مقيمين في تركيا وحتى لمحاولات خطف محتملة. وفي مارس/آذار 2024 أُلقي القبض على موظف حكومي سابق سرّب بيانات مقابل المال، ثم جاءت ضربة أغسطس/آب 2024 حين كشفت أنقرة عن تفكيك شبكة مالية للموساد. وأخيراً، في أكتوبر/تشرين الأول 2025 أعلنت تركيا اعتقال المحقق سرقان تشيتشك والمحامي طغرلهان ديب بعد بيعهما معلومات سرية لجهات إسرائيلية.
هذا التتابع الزمني ليس مجرد حوادث منفصلة، بل هو مؤشر على تحوّل مؤسساتي في عقل الاستخبارات التركية؛ فلم تعد أنقرة تتعامل مع ملف التجسس بردّات فعل، بل ضمن منظومة أمنية طويلة النفس تجمع بين المراقبة الاستباقية والتحليل السيبراني والتعاون بين الأجهزة.
في تقديري، كانت الخطوة المفصلية في عام 2023، حين أعلن جهاز الاستخبارات التركي تأسيس الأكاديمية الوطنية للاستخبارات؛ مؤسسة غير تقليدية تُدرّس علم الاستخبارات بمعناه الواسع: الأمن السيبراني، تحليل البيانات، علم النفس السياسي، حرب المعلومات، وتاريخ أجهزة العالم.
هذه الأكاديمية ليست مجرد مشروع داخلي، بل رؤية تركية تقول إن الاستخبارات لم تعد فنّ الخداع، بل علم إدارة الحقيقة. إنها مدرسة لبناء الجيل القادم من العقول الأمنية التي تفكر بمنهج لا بانفعال. فتركيا، التي تراقب الآن ما يجري في غزة وسوريا، تدرك أن الحرب المقبلة – وربما الجارية فعلاً – هي حرب على الوعي والمعلومة.
تجربة الأكاديمية تفتح الباب أمام فكرة نقل النموذج إلى سوريا الجديدة، لا من باب الوصاية، بل من باب الشراكة الأمنية المؤسسية. فالدولة السورية بعد سقوط النظام تواجه اليوم تحديات وجودية مثل فلول النظام السابق، والتغلغل الإيراني، والنشاط الإسرائيلي في العمق السوري، وبقايا شبكات إرهابية نائمة. من هنا تبدو فكرة بناء جهاز استخبارات وطني حديث في دمشق مشروعاً لا يقل أهمية عن إعادة الإعمار نفسها؛ فكما لا يمكن بناء دولة بلا بنية تحتية، لا يمكن حماية دولة بلا جهاز استخبارات مؤسسي حديث.
اللافت في التجربة التركية أنها لم تردّ على إسرائيل بصخب سياسي، بل بلغة القانون والاستخبارات؛ فعوضاً عن الردود الدبلوماسية، جاء الرد عبر القبض والتحقيق والمراقبة الدقيقة. هذا الأسلوب الهادئ هو ما يجعل تركيا اليوم لاعباً يُحسب له الخصوم ألف حساب؛ فالموساد، الذي اعتمد على تطبيقات اتصال سرية وتحويلات بالعملات الرقمية، وجد نفسه في مواجهة جهاز قادر على اختراق خيوط اللعبة من داخلها.
أعتقد أن ما يجري اليوم هو صراع استخباراتي بنفَس إقليمي؛ فإسرائيل ترى في تركيا منافساً يملك شبكة نفوذ ممتدة من ليبيا إلى القوقاز ومن قطر إلى شمالي سوريا، في حين ترى أنقرة في إسرائيل لاعباً يحاول خلط الأوراق من بوابة غزة وسوريا. وبين هذين الإدراكين تدور حرب لا صوت لها، لكنها قد تكون الأشد تأثيراً في صياغة التوازن القادم للشرق الأوسط.
من يملك المعلومة يملك الزمن. وتركيا اليوم تحاول امتلاك الاثنين معاً، المعلومة والزمن، قبل أن يسبقها خصومها إلى رسم خرائط جديدة للمنطقة، كخرائط "ممر داوود".
بتقديري، إن نقل تجربة الأكاديمية الاستخباراتية التركية إلى سوريا الجديدة ليس رفاهية فكرية، بل ضرورة وجودية؛ فالمعركة المقبلة في سوريا لن تكون فقط مع فلول النظام، بل مع شبكات النفوذ الإيراني والإسرائيلي التي ستسعى لإعادة التموضع. وإذا لم تُبنَ منظومة استخبارات وطنية حديثة، فإن البلاد ستبقى مكشوفة لخصوم الداخل والخارج على السواء.
تركيا، بخبرتها الميدانية والتقنية، تستطيع أن تكون شريكاً في تأسيس مدرسة استخباراتية سورية جديدة تُعلّم حماية السيادة لا قمع المواطن، وتستند إلى المهنية لا الولاء الطائفي. وهذا سيكون أكبر مكسب استراتيجي لأنقرة ودمشق معاً؛ لأنه يخلق توازناً ردعياً أمام إسرائيل وإيران في آنٍ واحد.
في نهاية الأمر، أرى أن ما يجري اليوم ليس حرب تجسس تقليدية، بل ميلاد عقيدة استخباراتية جديدة في المنطقة. فتركيا لم تعد مجرد طرف يتلقى الهجمات، بل أصبحت مختبراً لتصميم أدوات المواجهة. وإذا كان القرن العشرون هو قرن الجيوش، فإن القرن الحادي والعشرين هو قرن الاستخبارات.
المعادلة البسيطة تقول: من يملك المعلومة يملك الزمن. وتركيا اليوم تحاول امتلاك الاثنين معاً، المعلومة والزمن، قبل أن يسبقها خصومها إلى رسم خرائط جديدة للمنطقة، كخرائط "ممر داوود". وما لم تدرك المنطقة أن معركة السيادة تبدأ من الوعي الاستخباراتي، فإنها ستظل تكرر أخطاء الماضي. ونستطيع القول إن الحرب الاستخباراتية بين تركيا وإسرائيل ليست نهاية مرحلة، بل بداية معركة العقول، ومن يفوز فيها لن يكون من يصرخ أكثر، بل من يعرف أكثر.
لماذا يجب أن تراقب تركيا وسوريا الحرب السيبرانية أكثر من الصواريخ؟
تركيا بين الحرب الإيرانية والتحدي الكردي.. لماذا تتحرك أنقرة الآن؟
الجغرافيا لا تدوم إلا لأصحابها
ما سرّ الانسحاب الروسي من القامشلي؟
كيف تستخدم تركيا التكنولوجيا لتغيير موازين القوى؟