icon
التغطية الحية

كيف يكشف التفاوت المعيشي وجوه دمشق المتناقضة؟

2026.07.06 | 16:25 دمشق

آخر تحديث: 2026.07.06 | 16:30 دمشق

دمشق (1).jpg.jpeg
 تلفزيون سوريا
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- التفاوت الاقتصادي والاجتماعي: يعيش أكثر من ثلثي سكان دمشق تحت خط الفقر، مما يبرز الفجوة الاقتصادية في الحياة اليومية، حيث تتجاور الأحياء المتجانسة مع تلك التي تكشف عن اختلافات صارخة في الأزياء والسيارات.

- أزمة الكهرباء: يواجه السكان تحديات كبيرة بسبب أزمة الكهرباء، مما يدفعهم لتقليل الاستهلاك بطرق مختلفة. أصبحت فاتورة الكهرباء عبئاً متزايداً، مما يدفع البعض لتأجيل السداد.

- وسائل النقل والتناقضات: تعكس وسائل النقل التفاوت الاقتصادي، حيث تزداد السيارات الفارهة بينما يعاني الكثيرون من ازدحام وسائل النقل العامة، مما يعكس التحديات الاقتصادية المتنوعة في دمشق.

ليست للمدن وجوه ثابتة، ولا يمكن اختزالها في وجه واحد أو حتى وجهين، حتى في أحوالها العادية. أما حين تتعب وتتغير، فتصبح أشبه بمرآة مكسورة، كل زاوية فيها تعكس مشهداً مختلفاً. ودمشق اليوم تبدو كذلك تماماً: مدينة بوجوه كثيرة ومتجاورة، إلى حد يصعب معه على الزائر أن يصدق أن هذه المشاهد المتناقضة تجري في المكان نفسه دون الحاجة إلى قطع مسافات طويلة كي تنتقل من عالم إلى آخر.

 

كيف يحاول الناس ضبط مصروف الكهرباء؟

تتساءل "غالية" كيف يمكنها الاستمرار في دفع تكاليف التدفئة أو الاشتراك السنوي في مصعد البناء، وهي تعيش مع طفليها الصغيرين في الطابق السابع. وتقول لتلفزيون سوريا إنها تفكر جدياً في تغيير السكن، والانتقال إلى منزل في طابق أدنى، يخفف عنها جزءاً من الأعباء اليومية.

في شارع مجاور، يطفئ "أبو فراس"، صاحب محل لتنظيف وكيّ الملابس، جزءاً من الإنارة توفيراً لفاتورة الكهرباء. ويقول إنه استنفد جميع الحلول الممكنة لإكمال يوم عمله، في ظل انقطاع الكهرباء وارتفاع كلفتها. ويضيف بأن العمل بات شبه مستحيل، مع تحميله كلفة إضافية على كل قطعة، ليتمكن من إتمام الكيّ.

محل لتنظيف وكي الملابس بدمشق (تلفزيون سوريا)
محل لتنظيف وكي الملابس بدمشق (تلفزيون سوريا)

 

ويفكر أبو فراس بإغلاق المحل فترةً من الزمن، أملاً في تغير الوضع، ويتساءل كيف يمكنه توفير أجرة الطريق من منزله للعمل، إضافة لقوت عائلته اليومي، عبر ما لا يتجاوز غسيل وكيّ عشر قطع يومياً؟.

في المقابل، خفّضت عائلات كثيرة القاطع الكهربائي داخل المنزل بإرادتها، بعدما أصبح استهلاك الطاقة قراراً اقتصادياً يُحسب مسبقاً. وباتت عمليات الغسيل تُنظَّم وفق مواعيد محددة، ولا تُستخدم الإنارة إلا عند الضرورة، فيما تحوّل تشغيل التلفاز إلى رفاهية تُدار بحسب أولويات العائلة ومزاج أفرادها، وكأنه جزء من ميزانية يومية لا من تفاصيل الحياة العادية.

في الفترة الأخيرة، لم تعد فاتورة الكهرباء بنداً ثابتاً في ميزانية الأسر، بل أصبحت ترتبط مباشرة بمستوى الاستهلاك اليومي. فوفق التسعيرة المعتمدة حديثاً، تبدأ كلفة الكيلوواط الساعي للاستهلاك المنزلي، من نحو 600 ليرة في الشريحة المدعومة، وتصل إلى نحو 1400 ليرة في الشرائح الأعلى، ما يجعل أي زيادة بسيطة في الاستهلاك كفيلة برفع الفاتورة بشكل ملحوظ.

كما باتت بعض الأسر، لا تكتفي بمراجعة الفاتورة فقط، بل تتردد على مراكز الدفع للاستفسار عن قيمتها أو طلب تأجيل السداد، على أمل أن تتغير الظروف الاقتصادية أو تتحسن القدرة على الدفع في الأشهر المقبلة، في ظل تزايد الضغط على ميزانيات المنازل.

معدلات فقر مرتفعة.. وسيارات فارهة!

وبحسب تقارير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، يعيش أكثر من ثلثي السكان في سوريا تحت خط الفقر، ما يجعل الفوارق المعيشية أكثر حضوراً في تفاصيل الحياة اليومية. ففي دمشق اليوم، لم يعد التفاوت الاقتصادي مجرد أرقام ترد في التقارير، بل تحوّل إلى مشهد يومي يمكن رؤيته بالعين المجردة، في الأسواق والوجوه والملابس والسيارات، وحتى في الطريقة التي يستخدم بها الناس الكهرباء.

ففي بعض الأحياء، يبدو اللباس وكأنه ينتمي إلى منظومة اجتماعية واحدة، بقواعد متقاربة وأذواق متشابهة وصورة عامة متجانسة. وفي أحياء أخرى، خصوصاً في قلب المدينة وأسواقها، قد تمر خلال دقائق بين أنماط متناقضة من الثياب، إلى حد يصعب معه الاعتقاد بأنك ما زلت في المكان نفسه.

ليست القضية في اللباس ذاته، بل فيما يكشفه من اختلافات اجتماعية وثقافية واقتصادية، أصبحت تتجاور دون أن تذوب في بعضها. 

ثم تأتي السيارات لتفرض نفسها على المشهد. سيارات رباعية الدفع فارهة، تشق شوارع دمشق القديمة وأحياءها الضيقة، حتى يبدو أحياناً، أن السيارة أكبر من الطريق الذي تعبره، أو أنها تلتهم جزءاً من الرصيف وهي تمر.

سيارات حديثة ضخمة في شوارع دمشق القديمة (تلفزيون سوريا)
سيارات حديثة ضخمة في شوارع دمشق القديمة (تلفزيون سوريا)

 

يقول "عاصم"، وهو تاجر سيارات بدمشق، إن سوق السيارات شهد خلال الفترة الأخيرة تغيرات واضحة، مع توسع الاستيراد وفتح المجال أمام دخول طرازات أحدث تعود إلى موديلات 2025 و2026، بالتوازي مع تخفيض الرسوم الجمركية مقارنة بما كانت عليه في السنوات السابقة.

ويضيف "عاصم" لتلفزيون سوريا، إن هذه التحولات رافقها ازدياد ملحوظ في عدد السيارات داخل المدينة، إلى درجة أصبحت فيها البنية الخدمية غير قادرة على استيعاب هذا التوسع، في ظل ضيق الشوارع ونقص أماكن الاصطفاف في معظم المناطق.

مولدات ضخمة أمام المقاهي (تلفزيون سوريا)
مولدات ضخمة أمام المقاهي (تلفزيون سوريا)

 

الازدحام على السرافيس.. وجه صادم للتوقعات!

وعلى الجانب الآخر من المدينة، يتكرر مشهد مختلف تماماً. عشرات الأشخاص يتجمعون عند أبواب الحافلات الصغيرة في ساعات الذروة، يتدافعون لحجز مقعد واحد، أو حتى مساحة تكفي لأم وطفلها، في رحلة العودة إلى منزل مستأجر على أطراف المدينة.

طريق طويل، وزحام خانق، وحرارة مرتفعة، ورحلة يومية لا يختارها أحد، بل تفرضها كلفة السكن وضيق الخيارات.

المفارقة ليست أن هناك من يملك ومن لا يملك. فكل المجتمعات تعرف تفاوتاً اقتصادياً بدرجات مختلفة. لكن ما يلفت الانتباه بدمشق، هو أن هذا التفاوت لم يعد مختبئاً كما كان منذ سنوات، بل أصبح حاضراً في التفاصيل اليومية، وينتقل معك من شارع إلى آخر، ومن مقهى إلى منزل، ومن واجهة محل مضاءة إلى متجر يخفض إنارته توفيراً للنفقات.

كأن المدينة تعيش أكثر من زمن اقتصادي في وقت واحد. فئة تبني عادات استهلاك جديدة، وفئة أخرى تعيد تعريف أساسيات الحياة بما يتناسب مع كل يوم على حدة، وتحاول أن تجعل الدخل المحدود يتسع لفاتورة الكهرباء، والإنترنت، والإيجار، ولقمة العيش.

تبدو دمشق اليوم مدينة يصعب اختصارها في جملة واحدة. فهي ليست مزدهرة، وليست منهكة فقط، بل مدينة تتجاور فيها الوقائع إلى حد يصبح فيه التناقض مشهدها الأكثر اعتياداً. لم تعد المشكلة في أن دمشق تغيّرت بفعل تراكمات العقود الماضية، بل في أن كل من يعيش فيها بات يراها بطريقة مختلفة عن الآخر، ويظن، في الوقت نفسه، أنه يعيش المدينة ذاتها.