كيف نقرأ نتائج الانتخابات التونسية؟

كيف نقرأ نتائج الانتخابات التونسية؟

الصورة
18 أيلول 2019

أعلنت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات في تونس نتائج الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية الثانية التي جرت بعد الثورة التونسية عام 2011، وكانت المفاجأة تصدر المرشح المستقل قيس سعيّد بحصوله على 18.4بالمئة من الأصوات يليه رجل الأعمال الموقوف والمرشح عن حزب قلب تونس نبيل القروي بنسبة 15.5من الأصوات، أما مرشح حزب النهضة الإسلامي فقد حل ثالثا ب 12.8بالمئة من الأصوات وحل وزير الدفاع السابق المرشح عن حزب نداء تونس ب10.7 بالمئة من الأصوات، ثم رئيس الحكومة الحالي المرشح عن حزب "تحيا تونس" المنشق من حزب نداء تونس فقد حصل على 7.4بالمئة من الأصوات.

وهذا ما يعني أن الجولة الثانية من الانتخابات ستتم بين المرشحين الأولين وهما قيس سعيّد ونبيل القروي، وأن رئيس تونس القادم سيكون أحدهما.

يمكن بالطبع قراءة نتائج الانتخابات التونسية على ضوء صعود الشعبوية على المستوى العالمي من ترمب في الولايات المتحدة إلى جونسون في المملكة المتحدة وأوربان في هنغاريا إلى بولسارنو في البرازيل إلى الفلبين وغير ذلك من الدول التي تشهد صعودا لموجة الشعبوية في السياسات الوطنية وربما يعتبر نبيل القروي أفضل تعبير عن هذا الصعود على المستوى التونسي في ظل انحسار تأثير الأحزاب السياسية بشكل كامل ومطلق في الحياة السياسية التونسية، حيث خسر مرشحو كل الأحزاب السياسية التونسية التقليدية وغير التقليدية أي تلك الأحزاب التي نشأت بعد الثورة التونسية والتي شهدت طفرة في عدد الأحزاب المسجلة.

حيث لم يتجاوز عدد الذي صوتوا للرئيس السابق محمد المنصف المرزوقي 4% من المصوتين، بينما حصل رئيس الحكومة السابق مهدي جمعة على نسبة1.8 بالمئة فقط، وحمادي الجبالي رئيس أول حكومة بعد الثورة عن حزب النهضة والتي قرر خوض الانتخابات الرئاسية بشكل مستقل فلم يتجاوز عتبة 0.2 بالمئة مما يعني أن هناك تصويتا واضحا من الجمهور التونسي

أكد سعيّد أكثر من مرة أنه "لا يرغب في الترشح.. ولا في الذهاب إلى الانتخاب"، إلا أنه ترشح للرئاسة مدفوعا من الشباب ومن طلبته ومعجبيه

ضد كل من شارك في الأحزاب السياسية أو لعب دورا في نشاطها السابق، وتصويت الرفض هذا ينعكس بوضوح في اختيار شخصية قيس سعيّد أستاذ القانون الدستوري والبالغ من العمر 61 عامًا، وقد عرفه التونسيون بتقاسيم وجهه الثابتة، التي لا تنطوي على أية تعبيرات عاطفية، ولباقته وفصاحته، وأسلوبه الأكاديمي، ونبرة صوته الخشنة الرتيبة، ومداخلاته المسترسلة التي مثلت خلال سنوات الانتقال الديمقراطي، مرجعا في "الإفتاء" أثناء الخلافات، وللفصل في الإشكاليات المتعلقة بكتابة الدستور التونسي وأحكام على حد تعبير صحيفة العربي الجديد.
أكد سعيّد أكثر من مرة أنه "لا يرغب في الترشح.. ولا في الذهاب إلى الانتخاب"، إلا أنه ترشح للرئاسة مدفوعا من الشباب ومن طلبته ومعجبيه، وأكد في أول تعليقاته الصحافية، والذي كرره كثيرًا بعد ذلك، بأنه ترشح "مكرهًا"، وأنه لن يصوّت لنفسه، وبأنه مستقل غير مدعوم من أي حزب، لأنه يرى أن زمن الأحزاب السياسية "أفلس وولى وانتهى"، وأن السلطة الحقيقية "ستكون بيد الشعب الذي يقرر مصيره ويسطر خياراته"، مطلقا على منهجه وتوجهه الفكري "الانتقال الثوري الجديد".

لكن كشفت الانتخابات الرئاسية المبكرة شعبية منقطعة النظير لقيس سعيّد؛ فرغم سخرية منافسيه الذين يصفونه بـ "الرجل الآلي"، و"الروبوت البشري"، ويعتبرون لغته "خشبية"، ولا تشبه التونسيين ولا لغتهم، إلا أنه كان متصدرا لنتائج سبر الآراء واستطلاعات الرأي لفترة طويلة، قبل أن يلتحق به نبيل القروي ليزاحمه في ذلك.
وقد بدأ حياته المهنية مدرساً بكلية الحقوق والعلوم الاقتصادية والسياسية في سوسة سنة 1986، وانتقل إلى التدريس في كلية العلوم القانونية والسياسية والاجتماعية بتونس سنة 1999. وباختياره الذي شكل صدمة للأحزاب السياسية التونسية لكنه بشكل أو بآخر يعني عودة لخط الثورة الذي كان قد ضمر مع اختيار الرئيس الراجل الباجي القايد السبسي وصعود حزب نداء تونس الذي كان يمثل واجهة الحزب الدستوري خلال فترتي الرئيسين السابقين بورقيبة وزين العابدين بن علي.

فقيس سعيّد اليوم هو خيار الشباب باتجاه محاولة إيجاد حلول اقتصادية واجتماعية للأزمات المتكررة التي تعيشها تونس، فكما يقال دوما إن الديمقراطية لا تطعم خبزا لكنها كفيلة بمساعدة الجميع على التعلم من أجل كسب الخبز.

شارك برأيك