كيف نقاوم التغيير الديمغرافي؟

تاريخ النشر: 31.03.2018 | 12:03 دمشق

أعادت أحداث الغوطة الشرقية طرح موضوع التغيير الديمغرافي الذي يقوم به النظام والإيرانيون والكلفة الباهظة للصمود والبقاء في الأرض مرة أخرى، وفي حين خرج نصف سكان الغوطة مع فصائلها مُقتلَعين من أرضهم فإن جيش الإسلام وحوالي 200 ألف مدني لا يزالون يفاوضون من أجل البقاء حتى كتابة هذه السطور. وبالرغم من أن المناقشات حول ماهية التغيير الديمغرافي واستشراف الخطط الإيرانية فيه شغلت السياسيين والكتاب والباحثين، إلا أن مقاومة هذا التغيير لم تحظ بالاهتمام اللازم.

كيف نقاوم هذا التغيير؟ يُنظر إلى التغيير الديمغرافي في سوريا على أنه نتاج اختلال قوى عسكرية، أو هزائم تمنى بها قوى الثورة في هذا المكان أو ذاك، وهذا صحيح إلى حد بعيد، لكن النظر إليها بمنظور عسكر – سياسي لا ينبغي أن ينسينا أن التغيير الديمغرافي هو جوهرياً تغيير اجتماعي، فإذا كانت موازين القوة عنصراً أساسياً في إحداثه فإن المجتمع عنصر أساسي في مقاومتة، واليوم نحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى التفكير في آليات غير عسكرية لمقاومة التغيير الديمغرافي، وتطوير أفكار لمواجهتة، وتشكيل مؤسسات مدنية وسياسية ومراصد بحثية مهمتها الوحيدة تتبع التغيير الديمغرافي وجمع المعلومات عنه ومقاومته.

واحدة من القضايا الأساسية التي تبرز في مواجهة "تقليل الأكثرية" وهو الإجراء الرئيس في التغيير الديمغرافي في سوريا الآن هي الحرص على بقاء السكان ما أمكن داخل الحدود السورية، ثمة مناطق باتت آمنة بحكم تدخل دولي وبشكل خاص المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش الحر  تحت إشراف القوات التركية في الشمال والمناطق التي تسيطر عليها القوات الأمريكية من خلال قسد شرق الفرات، أي أن مساحة تقدر بقرابة 45%  من إجمالي الأراضي السورية هي مناطق آمنة، وعمليات النزوح والتهجير يفترض أن لا تؤدي إلى النزوح خارج الحدود.  يتطلب هذا جهداً كبيراً من المجالس المحلية والفاعلين السياسيين لتجنب حدوث عبور مجموعات سكانية كبيرة للحدود، ويتضمن هذا الإجراء بالضرورة العمل على تهيئة الظروف الملائمة لعودة اللاجئين خارج الحدود - وخصوصاً في المخيمات - إلى تلك المناطق بأسرع وقت ممكن، يمكن لحملة دعائية وتعاون حكومي من قبل الدول المعنية (تركيا، الولايات المتحدة الأمريكية، الأردن) أن تساعد على عودة آمنة للسوريين، خصوصاً وأن ومعظمهم يعاني من عدم توفر متطلبات الحد الأدنى للحياة خارج الحدود.

الأمر الأساسي هنا هو العمل على إعادة جميع السكان في تلك المناطق إلى بيوتهم، ومساعدتهم على ذلك بدءاً من جرابلس مروراً بعفرين إلى إدلب، ومن البوكمال إلى تل أبيض، هذا أمر يجب أن يحظى بأولوية، ويجب أن  يتم العمل مع الدول التي تسيطر على تلك المناطق على رفع أي موانع تؤدي للتهجير لأسباب سياسية بينية أو فصائلية، وسيؤدي الاحترام المطلق لحق المدنيين في بيوتهم ومملتلكاتهم وصون هذا الحق إلى تشكيل "قاعدة أمان" تساعد على عودة أكبر للمهجرين واللاجئين إلى مناطق أخرى، وستسهم بالضرورة في استقرار تلك المناطق أيضاً.

المهم الحفاظ على الكتلة الرئيسية من السكان داخل الحدود أو حول الحدود إن تعذر ذلك

كما أن بقاء معظم السوريين المهجرين في دول الجوار – حتى لو لم يرغبوا بالدخول إلى المناطق الآمنة – يبقى أفضل بكثير من هجرتهم إلى مكان آخر، المهم الحفاظ على الكتلة الرئيسية من السكان داخل الحدود أو حول الحدود إن تعذر ذلك، وسيبقى هذا عنصراً ضاغطاً على مهندسي التغيير الديمغرافي والفاعلين فيه على الدوام، ويؤدي إلى عدم استقرارهم.

أيضاً توفير المعلومات التفصيلية حول المنازل المهدمة والمنازل الفارغة وأسماء وأعداد السكان الذين تم تهجريهم بدقة، وتوثيق سجلاتهم المدنية والعقارية أمر ضروري للغاية، يجب أن تكون هنالك جهة رسمية متفرغة لهذا الغرض، لا شك أن المجالس المدنية المحلية لديها الكثير من هذه المعلومات، وكذلك وحدة تنسيق الدعم (ACU)، لكننا نحتاج إلى جهد منسق ومنظم يشمل جميع المناطق السورية التي تعرض سكانها للتهجير، سواء بفعل نظام الأسد ومليشياته أم بفعل داعش وإجرامه أم بفعل ميليشيا (YPG) التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي، أم بفعل الاقتتال بين الأطراف المحسوبة على قوى الثورة، باختصار نحتاج إلى جهود لوضع قاعدة بيانات تشمل خارطة وثائقية شاملة وتفصيلية للغاية حول المهجرين، ممتلكاكم، وثائقهم، وجغرافيا التهجير.

يكمل هذا الجهد عملاً ضرورياً في تتبع المستوطنات الشيعية، والمستوطنون الشيعة من المرتزقة وغيرهم الذين تم استجلابهم ومنحهم الجنسية السورية بهدف سياسي وتغيير التركيبة السكانية، هنا يجب العمل على تحرٍ دقيق عن أماكن وجودهم، وأسمائهم وأعدادهم والوثائق التي تتعلق بمنحهم الجنسيات، وتوثيق الآليات، وتحديد خارطة دقيقة للمستوطنات وانتشار المستوطنين تساعد على مواجهة هذا التحديد، أي تشكيل قاعدة بيانات دقيقة وتفصيلية حولهم، وسيكون من واجب المؤسسات السورية للمعارضة وقوى الثورة العمل على استهداف هذه المستوطنات والمستوطنين بكل الوسائل المتاحة، سواء القانونية أو العسكرية.

التعاون مع الدول المعنية بمقاومة النفوذ الإيراني مثل المملكة العربية السعودية والبحرين والأردن وتركيا، بغض النظر عن العلاقات البينية بين هذه الدول، والمؤسسات الدولية وخصوصاً تلك المتخصصة بالمجال الحقوقي وبالموضوعات الإنسانية، ومؤسسات بحثية معنية بمقاومة التمدد الإيراني أمر ضروري وحيوي بالنسبة لدعم مشروع مقاومة الوجود الإيراني في سوريا ومشروع الهندسة الاجتماعية والاستيطان؛ إذ يمكن أن تقدم هذه المؤسسات الدعم السياسي لمواجهة هذا المشروع، وتحسين قدرات المنظمات السورية على القيام بالدور اللازم لها في هذه المواجهة المصيرية.

للمنظمات الإنسانية دور مهم جداً في هذه المقاومة، إذ يمكن لهذه المنظمات تكثيف جهودها وتركيز أعمالها في المناطق الآمنة لتوفير ظروف الحد الأدنى من العيش الملائم وتحويلها إلى مناطق جذب سواء للاجئين خلف الحدود أو النازحين المهجرين قسرياً داخل الحدود، وفي مثل هذه الظروف الراهنة فإنَّ وضع خطة مشتركة لتنظيم عملها وتقاسم أدوارها أمر مهم للغاية، لأنَّ اختلال العمل فيها سيؤدي إلى اختلال في تهيئة البيئة الملائمة للعودة.

مقاومة مشروع التغيير الديمغرافي كان يجب أن يبدأ منذ سقوط القصير وتحويلها إلى مستوطنة إيرانية، تأخرنا كثيرا جداً، ولا ينبغي أن نتأخر أكثر.