كيف كانت سوريا ساحة لأول حرب كيماوية في التاريخ؟

تاريخ النشر: 12.01.2022 | 12:11 دمشق

هيريتيجديلي - ترجمة: ربى خدام الجامع

ثمة صيت سيئ لحق بالحرب الكيماوية وذلك لأنها استخدمت خلال الحرب العالمية الأولى فأدت إلى قتل وتشويه الآلاف من البشر، إلا أن تلك لم تكن المرة الأولى التي تستخدم فيها الحرب الكيماوية في التاريخ، إذ وقعت أولى حالاتها حوالي القرن الثالث للميلاد في أرض سورية، وذلك عندما اشتبك الرومان مع الفرس الساسانيين في بلاد الشام وذلك من أجل السيطرة على الحصون العسكرية الاستراتيجية وللاستفادة من أرضها الزراعية الخصبة التي تنتج غلالاً وفيرة من المحاصيل كل عام.  

وهكذا شهدت مدن مثل دير الزور ودرعا والرقة الجزء الأكبر من القتال بين هاتين القوتين العظميين، إلا أن أشرس معركة وقعت في دورا- أوروبوس التي تقع في منطقة الصالحية اليوم بمحافظة دير الزور.

للأسف، ليس ثمة نصوص أو روايات تاريخية تسرد ما جرى في تلك المعركة لتعتبر دليلاً خطياً بمعايير اليوم على استخدام السلاح الكيماوي في تلك المعركة، إلا أن هنالك دليلا أثريا يساعدنا على سرد القصة من خلال الأنثروبولوجيا الفيزيائية.

في سنة 256 للميلاد تقريباً، فرضت الإمبراطورية الساسانية التي كان شابور الأول يحكمها وقتذاك حصاراً على دورا أوروبوس، وقد استطاع علماء الآثار أن يحددوا بدقة السنة التي جرى فيها كل ذلك عبر عملة معدنية عثروا عليها ضمن رفات جندي روماني سقط في تلك المعركة.

كان لدى الفرس الساسانيين أساليب فعالة للحصار، استطاعوا من بعدها اقتحام دورا- أوروبوس وذلك عبر حفر سلسلة من الأنفاق حتى تنقض جدران المدينة وأسوارها، ومن المرجح أن عمليات الحفر بدأت بمقبرة دورا التي أقيمت تحت الأرض. بعد ذلك حفر الرومان شبكة من الأنفاق المضادة لوقف تلك الهجمات، ولكن الفرس كسبوا المعركة التي نشبت بعد ذلك.

القار وبلورات الكبريت

بقي علماء الآثار طوال الفترة الواقعة ما بين عشرينيات القرن الماضي وحتى عام 2009 في الألفية الثالثة يكتشفون أدلة حول ذلك المشهد الوحشي الشنيع، إذ عثروا على 20 جثة (19 تعود لرومان وواحدة لشخص ساساني) داخل نفق روماني إلى جانب آثار لمادة القار وبلورات الكبريت، إذ إن الجمع بين هاتين المادتين القابلتين للاحتراق يؤدي إلى ظهور سحب كثيفة من غاز ثنائي أكسيد الكبريت الخانق الذي يقوم بسحب الأوكسجين من الأجواء مما يصيب الرئتين بالاختناق. إذ مع وصول الحفارين الرومان إلى الخطوط الساسانية، كانت تلك المواد الكيماوية قد تم ضخها في النفق الروماني، فتسببت بحدوث حالات اختناق ووفاة بسبب الغاز.

إن استخدام مواد تولد الدخان في الأنفاق الخاضعة للحصار ورد ذكره في نص كلاسيكي، إلى جانب الدليل الذي قدمه علم الآثار من دورا والذي يشير إلى أن الفرس الساسانيين كانوا على دراية كاملة ومعرفة باستخدام المواد الكيماوية وتطبيقاتها في الحرب الكيماوية.

وفي الوقت الذي فشل فيه الفرس الساسانيون في نقض أسوار دورا وجدرانها عبر تلك الأنفاق، نجحوا باجتياح المدينة في نهاية المطاف، ما أدى إلى مقتل معظم المدافعين من الجنود والسكان أو بيعهم كعبيد وموالٍ داخل الإمبراطورية الساسانية.

المصدر: هيريتيجديلي