كيف صنعنا صورة خاطئة عن الثورة؟

تاريخ النشر: 13.10.2021 | 06:55 دمشق

قبل عدة أيام كتبت منشورا على الفيسبوك مرفقا بصورة لاحتفالية إطلاق كتاب عن الإمام الحسين في جامعة دمشق، وذكرت في المنشور حادثة قلت فيها (أنني علوية) لأفاجأ بتعليق من شاب مصري على المنشور يقول فيه بالحرف: (من الرائع أنك علوية ومع الثورة)! في الحقيقة عجزت عن الرد على التعليق، إذ شعرت أنني فيما لو رددت فسوف أعيد عليه سردية عشر سنوات كاملة من الثورة بكل ما حصل فيها وما جرى، والثورة المرادة قد انهزمت للأسف، ولم يبق منها سوى منشورات فيسبوكية أو مقالات صحفية  يكتبها حالمون يعيش غالبيتهم خارج سوريا، وغالبا لن يعود أحد منهم إلى تلك البلاد التي يدعي كل من ينتمي إليها أنه انتصر على خصمه، بينما الحقيقة هي أن الجميع مهزومون، وأن من انتصر هو الخراب والموت، وإلا ما معنى موجة الهجرة الجديدة التي تحصل بكثافة من سوريا باتجاه بلاد الله الواسعة هربا من كل ما يمت إليها بصلة، وليس فقط من انهيار الوضع الاقتصادي والمعيشي؟

غير أن تعليق الشاب المصري فتح في داخلي شجوناً عديدة حول مآل الثورة وما حصل بها، وهل من الصحيح أن نحمّل النظام فقط فشل الثورة؟ وهل فعل النظام غير ما كان متوقعا منه أصلا؟ ذاك أن تاريخه في سوريا لا يمكن أن يدل على سلوك آخر، منذ تسلم الأسد الأب للحكم في سوريا وصفة الإجرام ملاصقة له، والحقيقة أن التاريخ السوري منذ الانقلابات العسكرية هو تاريخ عنفي، ولكن مع حكم الأسد يمكننا تصنيف التاريخ السياسي السوري بأنه تاريخ إجرامي بكل ما فيه، فمنذ أن فتك حافظ الأسد برفاقه الذين قاموا بثورة البعث في الثامن من آذار 1963، والجرائم لم تتوقف في سوريا، لقد أسس حافظ الأسد نظاما قائما على إرهاب الدولة بكل معنى الكلمة،

منذ بداية الثورة السورية عام 2011 حيث  ظهر واضحا أن النظام لا يملك خططا بديلة عما حدث في ثمانينيات القرن الماضي

لم يبن دولة عميقة على غرار مصر مثلا، بل كان هو الدولة، ما بناه هو إرهاب وإجرام عميق، كما لو أنه كان يخطط بالضبط للحظة كلحظة الثورة السورية، هذا العمق الإجرامي انتقل إلى وريثه كما هو، رغم المحاولات الحثيثة لإظهاره كرئيس عصري ليبرالي السلوك، سواء في علاقاته الشخصية مع العديد من الفنانين والمثقفين، أو في أدائه الحياتي مع عائلته، حيث اقترح عليه مستشاروه ضرورة تغيير الصورة النمطية التي كانت لوالده: الزعيم الذي قلما يبتسم، والذي لا يظهر إلا في المناسبات الرسمية، ويبعد عائلته عن الظهور إلا الوريث المحتمل (باسل)، حتى إن لقب السيدة الأولى نادرا ما قيل في الإعلام، إذ لم تكن زوجته تظهر إلا لِماماً، وهو ما فعل الوريث عكسه تماما، فصوره مع عائلته وهو يلاعب أطفاله انتشرت في المجلات العالمية، وكان السوريون يرونه راكبا سيارته يقودها بنفسه بجانبه زوجته وأطفاله في الخلف، أو يرونه في مكان عام، في محاولة الإيحاء بأن من يحكم سوريا لا علاقة له بمن سبقه، غير أن ذلك لم يكن سوى قشرة سطحية، كشفها أولا ما حدث مع ربيع دمشق، والاعتقالات التي طالت مؤسسي منتديات المجتمع المدني، وكشفها استشراس الفساد بشكل غير مسبوق واعتقال كل من يعترض عليه، وكشفها اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري وما تلاه من أحداث وحوادث، وكشفه أخيرا ما حدث منذ بداية الثورة السورية عام 2011 حيث  ظهر واضحا أن النظام لا يملك خططا بديلة عما حدث في ثمانينيات القرن الماضي، وأن الحل الأمني الإجرامي الذي اعتمده الأب المؤسس هو الحل الوحيد أمام حدث كحدث الثورة السورية التي أظهرت جوهر الإجرام العميق في النظام الحاكم.

لم يكن الحل الدموي هو فقط ما اعتمده النظام لوأد الثورة، بل عمل على كشف عورات المجتمع السوري التي كانت مغطاة بالغطاء الأمني القمعي، كل أمراض المجتمع كشفها النظام ووضعها أمام السوريين الذين عاشوا عقودا طويلة من الخوف والرعب، انكشف السوريون أمام أنفسهم بقدرة خبيثة منه، انكشفوا أمام أمراضهم، التي عرف كيف يتلاعب بها منذ بداية الثورة، (هل من فائدة من إعادة الكلام عن التحريض الطائفي الذي اعتمده وتسريب ما أراده من ذلك لزيادة الشحن الطائفي وإبعاد الصفة الشعبية عن الثورة؟)، لم يكن من الممكن للنظام أن يفعل غير ما فعله لقتل ثورة الشعب السوري ضده، ليس لعدم توفر وسائل بديلة، بل لأن منظومته وتركيبته قائمة على العنف والإجرام ولو أباد الملايين، وهو  أدرك أن أي حل بديل عن العنف سوف يعني نهايته، وهو ما تنبّه له المؤسس وأكمله الوريث.

لمصلحة من كان يتم الترويج أن السوريين الثائرين (مجاهدون إسلاميون) في الوقت الذي كان فيه الرأي العام العالمي يشهد ما ترتكبه داعش

لكن ماذا بخصوص من تنطع لقيادة المعارضة من الأنتلجنسيا السياسية السورية؟ وغالبيتهم كانوا معتقلين لدى النظام في نسختيه، غالبيتهم عايشوا مجزرة حماة وعايشوا الخوف الذي تعشش في نفوس السوريين، غالبيتهم يعرفون كيف يستطيع النظام التلاعب ببنية المجتمع وتفكيكها لصالحه، لماذا انجرّ هؤلاء وجرّوا الثورة معهم إلى ملعب النظام وإلى حيث شاء وخطط ونفذ؟ ثمة جملة لا يمكن أن أنساها مطلقا لما لها من دلالة كبيرة على ما حدث، (آفة الثورة الأقليات) هذه الجملة التي رددها (مثقف ثوري) عشرات المرات ورددها خلفه عشرات الآلاف من السوريين الذين يفترض أنهم ثائرون لأجل التغيير، (الأقليات) هؤلاء كان يقصد بهم كل من وقف مع الثورة وناصرها وأيدها وهو من خارج الأكثرية (العربية السنية)، كان هناك ما يشبه الخطة للترويج أن الثورة هي ثورة السنة العرب ضد النظام العلوي الأقلوي، أما مصير من يعترض على هذا الترويج فهو التخوين واعتباره (ذميا)، عشرات الصفحات (المشبوهة) فتحت على موقع التواصل الاجتماعي للنيل من كل من تسول له نفسه الاعتراض على أسلمة الثورة وتسليحها، ولترسيخ الطائفية التي أرادها النظام للثورة، عشرات (المثقفين الثوريين) كان شغلهم الشاغل توجيه طعنة الطائفية ضد رفاق لهم في الثورة دون أي تردد، وكأنما الهدف كان إقصاء كل من لا يريد تطييف الثورة وأسلمتها وتسليحها، وكأن الهدف كان تأكيد ما قاله النظام عن الثورة منذ بدايتها: (ثورة إرهابية طائفية) لا ثورة شعبية تطمح إلى التغيير الجذري السياسي والمجتمعي وتحقيق الدولة المدنية الديموقراطية المرجوة، ألا يحق لنا أن نتساءل لمصلحة من كان كل هذا يحدث؟ لمصلحة من كان يتم الترويج أن السوريين الثائرين (مجاهدون إسلاميون) في الوقت الذي كان فيه الرأي العام العالمي يشهد ما ترتكبه داعش (التي يجب الاعتراف بأنه تم تضخيمها إعلاميا لمصلحة أنظمة الاستبداد العربية)، ويبدأ باللامبالاة بالشأن السوري الذي عجز أصحاب الأمر فيه عن الاتفاق على خطاب موحد وقادر على الوقوف في وجه التراخي الأممي تجاه جرائم النظام السوري؟ لمصلحة من كان يراد أسلمة الثورة وتحويلها إلى ميليشيات راديكالية متناحرة تظهر مناطق الثورة وبيئاتها وكأنها تنتمي إلى عصور الظلام؟ لمصلحة من كان يراد إخراس كل من يعترض سواء بالتخوين أو بتشويه السمعة أو بالتحريض حتى إن ناشطين ثوريين جذريين كثيرين دفعوا ثمن هذا التحريض وتم تغييبهم تماما من سنوات عديدة دون أي خبر عن مصائرهم حتى اللحظة (رزان زيتونة ورفاقها) ليسوا سوى أحد الأمثلة على ذلك.

والمشكلة أن كثيرين حتى اللحظة يرفضون الالتفات نحو الخلف، والسعي لفهم لماذا حدث ما حدث، وإفهام الآراء الأخرى في داخل الثورة واعتبارها رؤية مغايرة لا خيانة، المشكلة أيضا أن لا أحد يريد الاعتراف بالأخطاء التي حصلت، ولا أحد حتما سوف يتساءل ما الذي يثير استغراب شاب مصري، بعد عشر سنوات من الثورة، بأن يقف (علوي) ما ضد النظام.