كيف سيتأثر اقتصاد إيران إثر انسحاب ترمب من الاتفاق النووي؟

كيف سيتأثر اقتصاد إيران إثر انسحاب ترمب من الاتفاق النووي؟

الصورة
الرئيس الأمركي دونالد ترامب (أرشيف)
13 أيار 2018
تلفزيون سوريا - مناف قومان

شكل صدور قرار ترامب القاضي بالانسحاب من الاتفاق النووي مساء الأربعاء الماضي 9 من مايو/أيار صدمة أولية للأسواق العالمية، عنونت "بلومبيرغ" ترامب ينسحب من الاتفاق النووي الإيراني ليُدخل المنطقة في مزيد من الغموض؛ إذ سيسهم الانسحاب في تنامي مخاطر الصراع في الشرق الأوسط وغموض إزاء الإمدادات العالمية والمصالح التجارية ومصير الاتفاقيات الموقعة بين دول العالم من جهة وإيران من جهة أخرى. لينهي ترامب بهذا حالة الترقب التي كانت سائدة في الأسواق وتضاف أزمة جديدة إلى جانب الأزمات العالقة والمعقدة في المنطقة. وبالفعل لم تنتظر الإدارة الأمريكية كثيرا لفرض عقوبات جديدة على إيران حيث فرضت وزارة الخزانة الأمريكية يوم الخميس 10 من مايو/أيار عقوبات على ثلاثة كيانات إيرانية و 6 أفراد مرتبطين بفيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني.

لنقسّم تداعيات الانسحاب من الاتفاق إلى: الصدمة الأولى وما أثاره القرار بشكل مباشر، والتداعيات الداخلية المتعلقة بالاقتصاد الإيراني وارتدادات ذلك على المستوى الكلي تحديداً، والتداعيات الخارجية المتعلقة بارتباطات الدول بإيران عبر الاتفاقيات والعقود والاستثمارات المتبادلة بين الطرفين.

الصدمة الأولى

أفرز قرار الانسحاب انخفاضات  في أسهم الشركات المنكشفة على إيران والتي تربطها بها علاقات تجارية ومصالح متبادلة كما حصل مع أسهم شركة إيرباص الأوروبية لصناعة الطائرات ورينو وبيجو الفرنسيتين لصناعة السيارات، إضافة إلى الشركات الألمانية والإيطالية. وارتفع خام غرب تكساس WTI  بمعدل 1.70% ليصل سعر البرميل إلى 70.24 في يوم

"تم تداول الريال أمام الدولار عند أعلى مستوى على الإطلاق ليصل إلى 75 ألف ريال للدولار، تعود أسباب ذلك لارتفاع الطلب على الدولار بعد الأجواء السياسية المتشنجة جراء انسحاب ترامب من الاتفاق."

الانسحاب وأغلق يوم الجمعة مرتفعاً إلى 70.70 وارتفع خام برنت أيضاً ليصل في إغلاق الأسواق يوم الجمعة عند 77.12 وتعد هذه الأسعار أعلى مستويات للنفط الخام منذ أواخر العام 2014، ويعود هذا إلى الخوف من التأثير على صادرات إيران النفطية التي تعد ثالث أكبر مصدّر للخام داخل منظمة "أوبك" بعد السعودية والعراق، ورافق ارتفاع النفط توجه المستثمرين إلى الملاذات الآمنة إذ ارتفع سعر أونصة الذهب من 1312 وأغلق على مستوى 1319 دولاراً يوم الجمعة.

وفي إيران تم تداول الريال أمام الدولار عند أعلى مستوى على الإطلاق ليصل إلى 75 ألف ريال للدولار، تعود أسباب ذلك لارتفاع الطلب على الدولار بعد الأجواء السياسية المتشنجة جراء انسحاب ترامب من الاتفاق والمخاوف المتعلقة من ابتعاد دول أوروبية وآسيوية من مواصلة علاقاتها التجارية القائمة مع إيران.

عادة ما تعود الأسعار إلى الهدوء بعد مضي يومين إلى ثلاثة أيام من السبب الذي أدى إلى ارتفاعها، لكن في حالة مثل فرض العقوبات على ثالث أكبر منتج للنفط في منظمة "أوبك" فإن الأسواق ستشهد تثبيتاً لمستويات الأسعار المرتفعة والارتفاع أكثر إذا لم يعمد المصرف المركزي بفرض نفسه في الأسواق وفشل الدبلوماسية الإيرانية في التواصل بفعالية مع الأطراف الأخرى الداخلة بالاتفاق، إضافة إلى عدم تعويض الدول عن النقص في الإمدادات النفطية الإيرانية ليجعل هذا سعر النفط يحوم في الأيام والأسابيع المقبلة بالقرب من 80 دولاراً وقابلية ارتفاعه إلى أسعار أعلى على ضوء أي تطورات جديدة، وربما يكون ارتفاع سعر النفط لصالح الدول الخليجية بالأخص السعودية التي تكبدت موازناتها المالية خسائر كبيرة بعد هبوط الأسعار إلى مستويات متدنية جدا.

هبوط سعر صرف الريال الإيراني (forbes)

التداعيات على الاقتصاد الإيراني

ستسبب عودة العقوبات الأمريكية على إيران أضرارا بالغة على مجموعة من المؤشرات الاقتصادية؛ كسعر الصرف أمام الدولار ومعدل التضخم ومعدلات النمو إضافة إلى الاستثمارات الأجنبية، وكل تلك المؤشرات نجحت الحكومة الإيرانية في تحسينها في الفترة التي أعقبت سريان الاتفاق النووي في 2016.

بعد الانسحاب من الاتفاق عُرض سعر صرف الريال أمام الدولار في الأسواق بسعر يصل إلى 75 ألف ريال وهو مستوى قياسي منخفض جديد،  علما أن سعر صرف الريال أمام الدولار تحسن بعد التوصل للاتفاق النووي مع مجموعة 5+1 في العام 2015 وبلغ سعر صرفه في السوق الحرة نحو 30 ألف ريال، وبعد تلويح ترامب في يناير/كانون الثاني الماضي بالانسحاب من الاتفاق النووي ارتفع سعر صرف الدولار مقابل الريال ليصل إلى 46500 ألف ريال متأثرا بإعلان الرئيس الأمريكي ترامب أن تمديد تجميد العقوبات على إيران سيكون للمرة الأخيرة، وكان حاكم المصرف المركزي الإيراني قد قال آنذاك إن البنك لن يقبل بارتفاع سعر الصرف إلى 50 ألف ريال، إلا أن المركزي يقف عاجزا اليوم أمام السيطرة على السوق الحرة التي أوصلت سعر الصرف إلى مستويات قياسية وصلت إلى 75 ألف ريال للدولار.  

ستغذي عودة العقوبات أيضاً ارتفاع معدلات التضخم التي نجحت حكومة حسن روحاني في 2017 بخفضها إلى مستويات أقل من 10% لأول مرة منذ ربع قرن، بعدما وصلت إلى 45% في العام 2013 وهي نسبة غير مسبوقة. كما لن تكون معدلات النمو بمنأى عن العقوبات القادمة، علما أن الاقتصاد حقق قفزة كبيرة في 2016 حيث بلغ معدل النمو السنوي الكلي 13.4% مقارنة مع انكماشه في 2015 بنسبة -1.3% و-5.8% في 2013 بسبب فرض العقوبات الأممية على إيران جراء برنامجها النووي.  

أما الاستثمارات الأجنبية الحالية ستكون على المحك ورهينة لتجاذبات واتفاقات قد تعقد بين الولايات المتحدة من طرف  ودول أوروبية وأخرى من طرف ثان، حيث استقطبت إيران بعد تنفيذ الاتفاق النووي في 2016 نحو 12 مليار دولار من الاستثمارات الأجنبية بفضل الانفتاح على العالم وحجم الصفقات التي عقدتها الحكومة في العديد من القطاعات مقارنة بـ 1.2 مليار دولار في عام 2014  و1.6 مليار دولار في العام 2006 وستكون عقود شراء الحكومة الإيرانية لطائرات إيرباص من أوروبا على المحك.

"من المتوقع بعد تطبيق العقوبات أن تنخفض الصادرات الإيرانية من النفط بعد مضي الـ180 يوما الموعد الثاني لفرض العقوبات الأمريكية، بمعدل 500 ألف برميل يوميا" 

ولعل من أبرز التداعيات القادمة على القطاعات الاقتصادية، إنتاج النفط والصناعات المرتبطة فيه إذ تعد إيران من أكبر منتجي النفط في العالم وتحتل المرتبة الثالثة في منظمة أوبك من حيث الإنتاج وقد نجحت بعد العام 2016 من إعادة عتبة إنتاجها لأكثر من 4 ملايين برميل يوميا لتبلغ حصتها نسبة 14% من إجمالي حصة منظمة أوبك، بينما تأثر الإنتاج بعد فرض العقوبات بنحو الضعف لينخفض إلى حدود 2.2 مليون برميل في منتصف 2012 و 1.2 مليون في منتصف 2015. ومن المتوقع بحسب خبراء بعد تطبيق العقوبات أن تنخفض الصادرات الإيرانية من النفط بعد مضي الـ180 يوما الموعد الثاني لفرض العقوبات الأمريكية، بمعدل 500 ألف برميل يوميا وتراجع الإنتاج اليومي من النفط من 4.7 ملايين برميل يوميا إلى 2.9 مليون برميل لاحقا، ويعود السبب أن الشركات والمصارف الاستثمارية المتاجرة بالنفط ستتوقف عن شراء عقود النفط المستقبلية في إيران لترى أثر العقوبات الأمريكية على مخترقي الحظر.

ومن بين سياسات واستراتيجيات التكيف مع العقوبات ستعمد طهران إلى عرض النفط بسعر أقل من السوق لإغراء الدول بالمخاطرة وشراء النفط منها، وهذا سيجعل من الصين والهند وتركيا من أكثر الدول المستفيدة وهي من أكبر زبائن إيران في شراء النفط لتتحقق بهذا منفعة متبادلة للطرفين فمن شأن هذه الطريقة أن تكسر إيران العقوبات الاقتصادية المفروضة على إنتاج وبيع النفط وتحافظ على حلفاء لها ضد أمريكا في الساحة الدولية. كما ستتحول إلى الصفقات المتكافئة إذ مقابل بيع نفطها الرخيص للدول ستحصل على حاجاتها من السلع والخدمات لتتجنب بهذا عقوبة التعامل بالدولار والدخول في تعاملات النظام المالي العالمي الذي تهيمن عليه أمريكا. 

على الرغم من التداعيات المتوقع حدوثها في الأشهر القادمة جراء عودة عودة العقوبات والتي ستهدد جميع المكتسبات التي حققها الاقتصاد الإيراني بعد سريان الاتفاق النووي في 2016 على صعيد تحسن معدلات النمو والتضخم وقيمة الريال، إلا أن تدهور تلك المؤشرات قد لا تكون مدعاة لانهيار الاقتصاد الإيراني الذي اعتاد على التأقلم مع ظروف سيئة شبيهة عاشها خلال العقوبات الماضية ويتبع شكل الاقتصاد المقاوم، ومن جهة أخرى فإن العقوبات الحالية قد تختلف عن سابقتها عبر التعويل على الأطراف الأوروبية والآسيوية الرافضة لانسحاب أمريكا من الاتفاق والراغبة بالحفاظ عليه.

حجم إنتاج النفظ الإيراني (bloomberg)

 

التداعيات على المنطقة

تبرز التداعيات الخارجية من فرض العقوبات الأمركية على إيران على واقع الاستثمارات الأجنبية والتعاملات التجارية. من غير المتوقع أن تنصاع الصين لأي حظر تفرضه أمريكا على قطاع النفط الإيراني حيث تعد الصين من أكبر المستوردين للنفط الإيراني بواقع 648 ألف برميل يومياً، كما أن الصين صاحبة المرتبة الأولى في التبادل التجاري مع إيران بواقع 23.8 مليار يورو في عام 2017، ومن نافلة القول أن هناك أزمة تجارية واقعة بين أمريكا والصين وتنافس حاد بينهما للهيمنة على الاقتصاد العالمي. 

وأبدت تركيا على لسان وزير الاقتصاد نهاد زيبكجي يوم الجمعة أن تركيا ستمتثل لقرارات الأمم المتحدة وتواصل التجارة مع إيران، في الوقت الذي بلغ حجم التبادل التجاري مع إيران في 2017 نحو 9.1 مليار يورو منخفضا عن أعلى مستوى في 2012 قبل فرض العقوبات عند 21.9 مليار دولار، وقد استقبلت تركيا في العام الماضي 2.5 مليون سائح إيراني كما أن تركيا تستورد 20% من جاحاتها من الغاز الطبيعي من إيران، وأمام طموح البلدين بإيصال حجم التجارة إلى 45 مليار دولار وتأثر وارداتها من النفط والغاز وتدفق السياح ستقف العقوبات الأمريكية عائقا أمام البلدين لتحقيق هذه الأهدف وهو ما سيدعو تركيا إلى التكتل مع الدول الأخرى كالصين وروسيا والاتحاد الأوروبي ضد العقوبات الأمريكية والالتفاف عليها. 

كما من غير المتوقع أن ترضخ روسيا هي الأخرى للعقوبات الأمريكية ضد إيران حيث وصفت انسحاب ترامب من الاتفاق بأنه انتهاك صارخ للقانون الدولي والاتفاقات الدولية، وكانت قد تمكنت في فترة رفع العقوبات عن إيران من زيادة استثمار الشركات الروسية في مجالات الصناعات الكيميائية والنفط وتكنولوجيا المعلومات وبناء السكك الحديدية والتعاون في مجال الطيران والنقل البحري وتبادل السلع الزراعية وقد ارتفع حجم التبادل التجاري بين البلدين في 2017 إلى 1.9 مليار يورو. 

موقف الاتحاد الأوروبي وبريطانيا يقف على النقيض من موقف أمريكا إزاء الاتفاق النووي مع إيران، فأصحاب الاستثمارات الأكبر في إيران تحركوا لحماية مصالح شركاتهم واستثماراتهم؛ ومن المتوقع أن يكون هناك اجتماع يوم الثلاثاء المقبل يجمع وزراء خارجية كل من فرنسا وبريطانيا وألمانيا في بروكسل.

وزير المالية الفرنسي رفض أن تنصب أمريكا نفسها شرطيا للعالم بعد مهلة ترامب بخروج الشركات الأجنبية من تعاقداتها مع إيران، والمستشارة الألمانية ميركل أشارت أن هناك حاجة لمناقشة سبل إنقاذ الاتفاق دون وجود واشنطن فيه مع طهران، وذكرت متحدثة باسم ماي رئيسة وزراء بريطانيا إن بريطانيا وشركاءها الأوروبين ملتزمون تماماً بضمان مواصلة تطبيق الاتفاق باعتباره أفضل سبيل لمنع إيران من تطوير سلاح نووي.

"دفاع الاتحاد الأوروبي عن الاتفاق ينبع من المصالح التجارية له في إيران حيث مرتبة الاتحاد الأوروبي بالتبادل التجاري مع إيران في المرتبة الثالثة بواقع 19.9 مليار يورو ارتفاعاً من 13.7 مليارا في 2016." 

دفاع الاتحاد الأوروبي عن الاتفاق ينبع من المصالح التجارية له في إيران حيث مرتبة الاتحاد الأوروبي بالتبادل التجاري مع إيران في المرتبة الثالثة بواقع 19.9 مليار يورو ارتفاعاً من 13.7 مليارا في 2016. وتعد ألمانيا أكبر مصدّر أوروبي إلى إيران إذ ارتفع حجم التبادل التجاري بينها وبين إيران إلى 2.57 مليار يورو من السلع في 2016 بزيادة قدرها 22% عن العام الذي سبقه وارتفع الرقم إلى 2.97 مليار يورو في 2017 بزيادة قدرها 15.5%. ونمت أيضاً الصادرات الإيطالية إلى إيران في 2016 بنحو 30% خلال سنة لتتجاوز 1.5 مليار يورو ثم ارتفعت مجددا في 2017 بنسبة 12.5% إلى 1.7 مليار يورو. وارتفعت صادرات فرنسا إلى إيران من 562 مليون يورو في عام 2015 إلى 1.5 مليار يورو في 2017 وتنشط صناعة السيارات والنفط الفرنسية في إيران بشكل ملحوظ. أما إنجلترا فقد بلغت صادراتها إلى إيران 167 مليون جنيه استرليني في 2016 بزيادة طفيفة عن مستويات عام 2011.

التبادل التجاري بين إيران من جهة والاتحاد الأوربي والولايات المتحدة من جهة أخرى (Statista)

 

هذا يعني أن العقوبات الأمريكية ستجابه ضغوطاً من قبل أوروبا ابتداءاً بمطالبة أمريكا بمنح الشركات الموجودة بالفعل في إيران إعفاءات وتأجيلات من العقوبات، وقد أبدى الاتحاد الأوروبي استعداده للطعن أمام منظمة التجارة العالمية على أي إجراءات أحادية تضر بمصالح الشركات الأورروبية والرد على نحو ملائم وفقاً لقواعد المنظمة الدولية بحسب الناطق باسم الحكومة الفرنسية بنجامين جريفو.

وبهذا تكون العقوبات القادمة ذات أثر بالغ على الأسواق المحلية والاقتصاد الإيراني؛ ستؤثر بالضرورة على معدلات النمو والتضخم وقيمة الريال وتنعكس بدورها على معيشة المواطن لتزداد صعوبة وسوءاً، ومن دافع الحفاظ على مصالحها واستثمارات شركاتها في إيران ستعمل الدول الأوروبية ودول أخرى كتركيا والصين وروسيا على مقاومة العقوبات الأمريكية بكافة الطرق الممكنة للتملص منها والحؤول دون التأثر بها.

شارك برأيك