كيف حوّل "الأسد" ضحايا التعذيب لـ متوفين بـ"سكتة قلبية"؟

تاريخ النشر: 17.07.2018 | 21:07 دمشق

آخر تحديث: 24.02.2021 | 19:26 دمشق

تلفزيون سوريا - سعيد غزّول

منذ أن صمت العالم ووقف عاجزاً دون تحريك ساكن أمام عشرات آلاف الصور لـ ضحايا قضوا تحت التعذيب في سجون ومعتقلات "نظام الأسد"، سرّبها أحد المنشقيّن عن النظام عام 2014 والذي اختار لقب "قيصر"، كان واضحاً أن "الأسد" نجا مرة أخرى مِن كل جرائم الحرب والإنسانية التي ارتكبها بحق الشعب السوري.

لقد ملأ "نظام الأسد" سجونه ومعتقلاته ومباني أجهزته وأفرعه الأمنية بمئات آلاف المعتقلين من الذين ثاروا ضد استبداده في آذار عام 2011، وقضى عشرات الآلاف منهم "تحت التعذيب" بينهم قرابة 11 ألف معتقل حتى 2014 (أي خلال 3 سنوات) موثّقين بالصور التي سرّبها "القيصر".

وطوال السنوات الثمانية الماضية مِن عمر الثورة السورية، لم يغب ملف المعتقلين عن طاولات بحث الوضع السوري في جيمع المؤتمرات والمحادثات الدولية وعلى رأسها "أستانة"، ومؤخراً على مستوى مفاوضات "الهدن" و"المصالحات" المناطقية، حيث تطرحه الفصائل العسكرية كـ شرط للتفاوض على "التسوية" واتفاقات "التهجير"، ولكن "النظام" يلتف على الأمر ويتحايل عليه بإطلاق سراح عدد قليل، غالباً اعتقلهم حديثاً على الحواجز خلال حملته العسكرية التي ينفّذها في المنطقة.

واليوم وتزامناً مع اتساع المساحة التي يستعيد "نظام الأسد" السيطرة عليها في سوريا عموماً وفي الجنوب السوري خاصة، ربطاً بالتجاذبات السياسية الدولية بين حلفاء النظام وحلفاء المعارضة، يبدو أن "الأسد" يسعى إلى إغلاق ملف المعتقلين ولكن على طريقته، جيث يحاول إخفاء جريمة إبادة عشرات آلاف المعتقلين في سجونه السرّية والعلنية، ودون حتى العمل على تسليم جثامين الضحايا.

 

لعنة "السكتة القلبية"

مآتم عزاء كثيرة مفتوحة في مناطق سورية عدّة، لـ ضحايا تعذيب أبلغ "نظام الأسد" ذويهم بأنهم توفوا في سجونه ومعتقلاته بطريقة ربما رأى أنها الأكثر سهولة لـ تبرير وفاة الآلاف مِن ضحاياه، ألا وهي "السكتة القلبية" أو بمرض كـ "الربو".

نحو 500 معتقل من محافظة الحسكة، علِم ذووهم عن طريق دوائر "السجل المدني" (النفوس) في حكومة "نظام الأسد" أنهم ماتوا في معتقلات "الأسد" ولكن بـ"سكتة قلبية"، كما علِم بذلك ذوو 150 معتقلاً مِن محافظة حمص، و 120 معتقلاً مِن محافظة حماة عن طريق دائرة "النفوس"، بأنهم ماتوا بالسبب ذاته.

كذلك، سّلم "النظام" ثبوتيات خمسة معتقلين في "سجن صيدنايا" إلى عائلاتهم في مدينة السلمية شرق حماة، الأمر الذي يٌعتبر إبلاغاً بقتلهم "تحت التعذيب" في سجونه، وطالب أهلهم باستلام جثامينهم، إلّا أن "النظام" اكتفى بالرد بأن أبناءهم دٌفنوا، دون ذكر تفاصيل عن طريقة الوفاة أو تاريخها ومكان دفنهم.

 

كيف يخفي "نظام الأسد" ضحاياه؟

نشرت "الهيئة السورية لـ فك الأسرى والمعتقلين" في آخر تقرير صادر عنها، اليوم الثلاثاء (17 تموز 2018)، أن "نظام الأسد" يسعى إلى إخفاء جرائم الإبادة الجماعية بحق المعتقلين "قانونياً"، بعد إخفائه جثث عشرات آلاف المعتقلين السوريين "مادياً" (معظمها عن طريق الحرق في محارق خاصة داخل سجني صيدنايا وحرستا)، دون أن يسلّم جثامين الضحايا إلى ذويها حسب القانون والأصول، وذلك بهدف إخفاء طبيعة الوفاة الحقيقية وآثار التعذيب، في حال أرادت جهات محلية أو دولية إجراء خبرات طبية عليها.

وقال رئيس مجلس إدارة الهيئة المحامي (فهد الموسى) في تصريح لـ موقع تلفزيون سوريا، إن "نظام الأسد" عمِد إلى إخفاء جرائم الإبادة الجماعية والقتل المتعمد والممنهج، عن طريق وثائق طبية وقضائية مزوّرة خلافاً لـ الواقع والحقيقة، صادرة عن قضاة وأطباء يتبعون له، لافتاً أن مشافي "الهلال الأحمر، والمجتهد، وحرستا، وتشرين و 601 العسكريين" بدمشق، مشتركون في هذه الجريمة مدّعين بأن أسباب الوفاة هي أمراض طبيعية (سكتة قلبية، مرض ربو).

وأضاف "الموسى"، أن "نظام الأسد" يستكمل مخطّطه الآن في جريمة إخفاء الضحايا بتبليغ أهالي المعتقلين وذويهم عن طريق "المخابرات العسكرية، ومديري المناطق والنواحي" لمراجعة القاضي الفرد العسكري في منطقتهم فيقوم أهل المعتقل بمراجعة القاضي الفرد العسكري بدون محامي.

وأوضح "الموسى"، أن "نظام الأسد" ونتيجة التجاذبات السياسية والدولية حول ملف المعتقلين، يلجأ إلى حيل قانونية لـ تبرئة نفسه، وهي عن طريق توقيع الأهالي وتبصيمهم على أوراق وضبوط لدى "القاضي الفرد العسكري" الذي لا يجرؤون على سؤاله والاستفسار منه، يبلغهم فيها بقرار وفاة المعتقل ويسلمهم ثبوتياته وقرار الوفاة لـ تسجيله في "النفوس".

ونوّه "الموسى"، أن عدم جرأة الأهالي على سؤال "النظام" ومناقشته حول المعلومات الواردة في الضبوط، رجّح أن "النظام" يقوم بتوقيعهم على ورقة استلام الجثمان وإقرار بصحة سبب الوفاة وعدم الاعتراض على التقارير الطبية والقضائية الصادرة، وعدم مسؤولية الجهات الأمنية عن وفاة ابنهم أو قريبهم المعتقل، ويعني ذلك أن يقوم "نظام الأسد" بعرض هذه الضبوط القضائية على الجهات الدولية والمنظمات الحقوقية ليثبت براءته من جريمة قتل المعتقلين وإبادتهم خارج القانون.

ووفقاً لما رواه "الموسى"، فإن المعتقلين في سجون "نظام الأسد" يكونون قد تعرّضوا لـ جريمة إبادة جماعية منظّمة وممنهجة مِن أعلى هرم في "النظام" حتى أدنى عنصر مخابرات، بدءً مِن القتل تحت التعذيب وخارج القانون، وانتهاء بتوقيع ذوي المعتقلين أمام  "قاضي الفرد العسكري" على ضبوط لا يعرفون تفاصيلها، وفي مضمونها براءة النظام.

وجريمة الإبادة الجماعية بحق عشرات آلاف المعتقلين ثابتة بحق "نظام الأسد" بأدلة يقينية وقطعية وشهادات الشهود وبالصور الفوتوغرافية ووفق تقارير المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، كما أن جميع الدراسات الحقوقية والاستقصائية تشير إلى أن الأعداد الموثقة للمعتقلين الذين تمت تصفيتهم هي جزء من العدد الحقيقي الذي يمكن أن يصل إلى تصفية (200،000) مئتي ألف معتقل، وهذا يعني أن العالم أمام محرقة بشرية لم يشهد التاريخ مثلها في عصر تدّعي فيه الأمم المتحدة حماية حقوق الإنسان مِن كافة أنواع "الإرهاب" ومنها "إرهاب الدولة المنظّم والممنهج".

وذكرت "الشبكة السورية لـ حقوق الإنسان" في آخر إحصائياتها مؤخّراً، أن (812652) مواطناً سورياً اختفوا قسراً لدى الأجهزة الأمنية لـ "نظام الأسد"، منذ آذار 2011 وحتى حزيران 2018، وبلغ عدد الضحايا الذين قضوا تحت التعذيب في سجون النظام قرابة 13 ألف شخص خلال الفترة ذاتها، فيما دعت "هيئة القانونيين السوريين" (المعارضة)، إلى ضرورة تفعيل عمل "لجنة التحقيق الدولية المستقلة" الخاصة في سوريا، وإجراء التحقيقات في مسرح الجريمة، وجمع الأدلة وسماع الشهادات، والعمل على تبيان مصير المعتقلين والمفقودين والمغيبين قسراً، ومن تمت تصفيتهم في الأفرع الأمنية والسجون، وإحالة جميع المتهمين في هذه الجرائم إلى العدالة وفي مقدمتهم "بشار الأسد".

ويقبع عشرات آلاف المعتقلين في السجون والفروع الأمنية لـ"نظام الأسد" ومعتقلاته السرية، بتهمة "الإرهاب" بعضهم مضى على اعتقاله سنوات وهم مجهولو المصير، في حين يموت العشرات منهم "تحت التعذيب" وانعدام الرعاية الصحية، وقد اعترفت "وزارة العدل" في حكومة النظام سابقاً، أن لديها 30 ألف طلب استعلام عن مصير معتقلين، يجهل ذووهم مصيرهم، لـ يبقى (ملف المعتقلين) مِن أهم الملفات التي يراهن عليها "نظام الأسد" في إضعاف الحاضنة الشعبية لـ معارضيه، بالتزامن مع إمعانه في العمل على قاعدة أنه باقٍ، وما سعيه في إعلانه عن ضحايا التعذيب في سجونه ومعتقلاته بأنهم توفوا بأسباب مرّضية، إلّا خطوة أولى لـ إنكار بقية الضحايا.

مقالات مقترحة
لقاحات كورونا الصينية تصل إلى سوريا يوم غد الخميس
تركيا.. فرض غرامة مالية كبيرة على سوريين بسبب حفل زفاف في أنقرة
صحة النظام: ضغط على أقسام الإسعاف وارتفاع في أعداد مصابي كورونا