كيف جعلت سوريا من روسيا قوة أرثوذكسية في عهد بوتين؟

تاريخ النشر: 13.05.2022 | 13:00 دمشق

آخر تحديث: 13.05.2022 | 13:02 دمشق

ميدل إيست آي - ترجمة: ربى خدام الجامع

عندما زار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين دمشق للقاء بشار الأسد في كانون الثاني 2020، اعتبر كثيرون تلك الزيارة بمنزلة ترسيخ وتمتين للدعم الروسي للأسد.

إلا أن بعضهم، وتحديداً مسيحيي المشرق، وكذلك الكنيسة اليونانية الأرثوذكسية، رأوا في إضاءة بوتين والأسد للشموع يومَ عيد الميلاد الأرثوذكسي أنه دعم كبير للمسيحية.

فقد صوّرت بعض المحطات في الإعلام اليوناني والإيطالي هذا الحدث على أنه زيارة مقدسة أتت في حينها لحماية المسيحيين السوريين المنسيين والمحاصرين في تلك البلاد. ومما لا شك فيه بأن بوتين هو الذي صاغ تلك الصورة بنفسه، إلى جانب الكنيسة الأرثوذكسية الروسية التي باركت حربه في سوريا بشكل صريح.

إلا أن الاهتمام الديني الذي أبدته روسيا تجاه سوريا لم يضف بُعداً آخر إلى أهمية بوتين بوصفه لاعباً جيوسياسياً في المنطقة فحسب، بل عزز أيضاً من موقفه وصورته كأيقونة بالنسبة للكنيسة الروسية.

تعدّ الحرب التي تجري في أوكرانيا حالياً بمنزلة امتداد لهذا التزاوج بين الدولة الروسية والكنيسة الأرثوذكسية التي أنشأها الإمبراطور فلاديمير الأول قبل أكثر من ألف عام، وقد اكتمل ذلك الزواج بضمّ روسيا للقرم في عام 2019، إذ بحسب الأسطورة، تعدّ منطقة القرم المكانَ الذي اعتنقت فيه الدولة الروسية الديانة الأرثوذكسية.

ما علاقة سوريا بالأرثوذكسية الروسية؟

في كتاب (المسيحيون الأرثوذكس العرب في ظل العثمانيين)، تحدث المؤلف قسطنطين بانتشينكو مطولاً عن العلاقة التي تربط بين اعتناق فلاديمير الأول لتلك الديانة في عام 988 وبين أحداث أنطاكية ودمشق.

فإلى جانب عدد قليل من المراجع الروسية المعاصرة، لا نجد المرجع الأساسي حول الاعتناق التاريخي للدولة الروسية وشعبها للمسيحية الأرثوذكسية إلا في سوريا، إذ هنالك شخصيات تاريخية سورية بارزة عديدة ظهرت في العصور الوسطى وكتبت عن اعتناق فلاديمير للأرثوذكسية في كييف وسيفاستوبول، نذكر من بينها  شمس الدين الأنصاري الدمشقي (1250-1327)، وجرجس المكين (1205-1273)، ويحيى الأنطاكي (980-1066)،

تتحدث الكاتبة إلينا كامبيل، في كتابها: (قضية المسلمين مع الحكم الإمبراطوري الروسي)، عن زيارات قام بها العديد من الأساقفة الروس البارزين إلى سوريا، وخلال تلك الزيارات، لم يبحثوا فقط في العلاقات الإسلامية المسيحية والتسامح بين الأديان وحسب، بل أيضاً درسوا وتتلمذوا على يد بعض الرهبان في دمشق، بعدما أصبحت المقر الرئيسي للكنيسة الأرثوذكسية اليونانية بعد سقوط أنطاكية خلال الحملة الصليبية الأولى.

وفي أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، ساهم الإمبراطور الروسي ألكساندر الثالث في تأسيس مجمع فلسطين الأرثوذكسي الإمبراطوري، بهدف ربط المؤمنين بالأرض المقدسة. وقد أصبح رئيس هذا المجمع اليوم يلتقي ببشار الأسد بشكل دوري، كما أصبح له نفوذ في دمشق. ولهذا لا عجب أن يقوم بوتين المعجب بألكساندر الثالث المستبد والمحافظ، بعد مباركته لمجمع فلسطين الأرثوذكسي الإمبراطوري، بالكشف عن إقامة تمثال لذلك الإمبراطور في القرم بعض ضمها في عام 2014.

ومضى الرئيس الروسي لما هو أبعد من ذلك عندما سعى للتفاوض على إعادة العقارات التي تعود لذلك المجمع في القدس في شهر كانون الأول من عام 2019، وقد تزامنت عملية الإعادة تلك مع زيارة بوتين لدمشق في كانون الثاني 2020، إلى جانب تزامنها مع صعود موسكو مقابل واشنطن وتحوّلها إلى الضامن الأكبر لمصالح إسرائيل في سوريا.

نهاية اللعبة الروحانية لبوتين

نشرت مقالات كثيرة  عن النفوذ الديني لبوتين خلال غزوه لأوكرانيا، إذ في الوقت الذي أثر فيه تحوّل الإمبراطور فلاديمير إلى الأرثوذكسية في القرم، وكذلك البحث عن آثار الأرثوذكسية التي تعود لأيام الإمبراطور ألكساندر الثالث في الأرض المقدسة، على عقلية بوتين وتفكيره، نرى أن اهتماماته لم تنحصر بالتاريخ فقط، وذلك لأنه يزاوج بين الانتفاع السياسي والاستعانة بالكنيسة لتحقيق طموحات روسيا، إذ يسمح للكنيسة بالاستعانة بقوته ونفوذه سواء داخل روسيا أو خارجها.

وتماماً كما ينظر إلى تحول فلاديمير إلى الأرثوذكسية في عام 988 على أنه نفعية سياسية تتجاوز حدود الإيمان، كذلك الأمر بالنسبة للدوافع الموجودة لدى بوتين، فقد استغل بوتين سوريا والجانب الأرثوذكسي فيها لتوسيع نفوذه بشكل أكبر في الشرق الأوسط وتركيا، بالإضافة إلى سعيه لخلق حوار مع الفاتيكان.

كما كسب بوتين أيضاً كثيراً من المعجبين، وعلى رأسهم المذيع التلفزيوني الأميركي الذي تحصد برامجه أعلى المشاهدات، وهو تاكر كارلسون، حيث أصبح هذا المذيع يترأس عملية الضغط على المحافظين الأميركيين بهدف دعم أجندة بوتين المسيحية. ولقد حقق الروس أيضاً مكاسب من خلال بطريركية الإسكندرية التي تتمتع بنفوذ كبير، وهذا ما أرعب البطريركية المسكونية في إسطنبول.

وإضافة إلى كل هذا، استغل بوتين علاقته المميزة بيهود روسيا، خاصة الأثرياء منهم، وذلك ليوسع نفوذه وقوته في إسرائيل، حيث استطاع عقد صفقات تتصل بعقارات أرثوذكسية موجودة في القدس، وقد تم له ذلك كما حصل في المفاوضات التي جرت في عام 2019، والتي لم يكن أحد يتخيّل حدوثها قبل عقد من الزمان، أي قبل الحرب في سوريا.

"الدور الروسي الذي نشط مجدداً"

استغل بوتين الحرب في سوريا، كما فعل الإمبراطور ألكساندر الثالث عندما استغل مجمع فلسطين الأرثوذكسي الإمبراطوري، حتى يرسل رجال دين إلى دمشق بهدف إطلاق حوار بين الأديان هناك، وهذا ما تمخض عن تبوّء روسيا لمكانة جديدة في العالم العربي، خاصة بعدما أطرى رئيس الوزراء الباكستاني السابق، عمران خان، على الرئيس الروسي، وذلك لتقاربه مع العالم الإسلامي.

وهنا، يعلق ماركوس ماركيرت، وهو فيلسوف يعمل لدى جامعة أوكسفورد على مشروع يبحث في دور الكنيسة الأرثوذكسية في الدين والدبلوماسية والنفوذ، فيقول: "بصرف النظر عن مباركة البطريرك كيريل للحرب السورية رسمياً، ثمة مقولة وردت على لسان فزيفولود شابلن رئيس لجنة الشؤون العامة في الكنيسة الذي توفي في عام 2020، جاء فيها بأن محاربة الإرهاب هي حرب مقدسة، واليوم أصبح بلدنا أكثر بلد يتمتع بقوة فاعلة على مستوى العالم..... إن الدور الروسي الذي نشط مجدداً والمتمثل بزعمها بأنها الحامية للمسيحية في الشرق الأوسط يقف كنقيض للغرب المادي الليبرالي والعلماني".

وهذا المنظور هو الذي يستقطب من هم على شاكلة فيكتور أوربان رئيس وزراء هنغاريا، ومارين لوبان في فرنسا، ويجذبهم تجاه بوتين، بعد تراجع تلك الناحية المسيحية في أوروبا اليوم، مع بقائها ظاهرة وواضحة في روسيا، لذا لا عجب إن سمعنا من أمثال كارلسون وأوربان ولوبان تفضيلهم لبقاء الأسد رئيساً لسوريا.

بيد أن الكنيسة الأرثوذكسية بحد ذاتها ما تزال منقسمة بالنسبة لموقفها تجاه حرب روسيا على أوكرانيا، ولكن بالنسبة لبوتين، تحوّلت عملية اللعب بورقة الأرثوذكسية إلى استراتيجية ذكية وخبيثة، لكونها تنطلق من الروحانيات لتصل إلى ساحة المكاسب الجيوسياسية.

المصدر: ميدل إيست آي

انضم إلى قائمتنا البريدية ليصلك أحدث المقالات والأخبار