كيف تنعكس تطورات اليمن وأرض الصومال على سوريا؟

2026.01.02 | 11:05 دمشق

hg
+A
حجم الخط
-A

تتحلّل عالميًا منظومة العولمة، فتتفتّت التكتلات، وتتجه الدول أكثر نحو داخلها، لتصبح هذه الظاهرة إحدى أهم سمات المرحلة المقبلة. غير أنّ تراجع العولمة لا يعني انفكاك الترابط الجيوسياسي للملفات العالمية، ولا خروج اللاعبين عن رقعة الشطرنج نفسها، شاءوا ذلك أم أبَوا. ففي السياسة، اللافعل هو فعل بحدّ ذاته، يترتّب عليه نتائج، ويُحرّك ديناميات قد تكون مشابهة للفعل المباشر. فكيف إن كنا نتحدث عن عالم عربي واحد ولاعبين مشتركين يمتدّون من الشام، مرورًا ببحر العرب، وصولًا إلى إفريقيا.

ضجّ الشرق الأوسط مؤخرًا بالأحداث المحيطة بمضيق باب المندب، وعلى رأسها تسعّر الصراع في جنوب اليمن من جهة، واعتراف إسرائيل بأرض الصومال من جهة أخرى.

وإذا كانت الصراعات العالمية اليوم تنطوي في معظمها تحت مظلة الصراع الأميركي–الصيني، فإن خيط الصراعات الناظم في الشرق الأوسط في هذه المرحلة يتمحور حول ثنائية واضحة: الوحدة مقابل التفتت، وهيمنة إسرائيل المطلقة مقابل توازن القوى في المنطقة.

عمليًا، رفعت إسرائيل في سوريا شعار تفتيتها، وها هي، من حيث المبدأ، تدعم تفتيت الصومال باعترافها بأرض الصومال كأول دولة تُقدِم على هذه الخطوة، لتتناقل لاحقًا وسائل إعلام إسرائيلية، على الخط نفسه، أنباء عن استعداد إسرائيل للاعتراف بالمجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات.

عليه، على المستوى الأول، تحاول إسرائيل تعزيز سردية تفتيت المنطقة انطلاقًا من القرن الأفريقي واليمن، وهو ما سيكون له انعكاس مباشر على سوريا؛ إذ إن القبول الدولي، وسلوك “قطار التقسيم” حيّز التنفيذ الدولي من البوابة الجنوبية والإفريقية، يفتح الباب أمام تمدده ومقبوليته في الساحة السورية.

أما المستوى الثاني، فهو جيوسياسي بامتياز. فصحيح أن إسرائيل تسعى من خلال هذه التحركات إلى تطويق الحوثيين وايران، لكنها في الواقع، وبشكل أعمق، تحاول اكتساب أوراق قوة في مواجهة تركيا والمملكة العربية السعودية، وهما اللاعبان الأبرز في دعم وحدة سوريا اليوم. فمن جملة ما يعنيه تمركز إسرائيل في اليمن وإسرائيل في أرض الصومال، هو تعزيز باب التهجير الفلسطيني وكماشة الاطباق على البحر الأحمر ومضيق باب المندب الحيويين عالميا وخنجر في خاصرة السعودية كما في خاصرة المصالح التركية في القرن الإفريقي وهي التي تستثمر فيه من مدة.

قرأت تركيا التحرك في وجهها فكانت الأسرع بالتفاعل مع اعتراف إسرائيل بأرض الصومال، حيث استقبلت أنقرة الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود على أراضيها، ليصرّح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، خلال الزيارة، بأن الخطوات الإسرائيلية غير شرعية وغير مقبولة، معتبرًا إياها محاولة لزعزعة استقرار القرن الإفريقي، ومؤكدًا في الوقت نفسه نية تركيا البدء بالتنقيب عن النفط البحري قبالة السواحل الصومالية في عام 2026، ضمن اتفاق ثنائي بين الطرفين.

في السياق والاتجاه نفسه، عبّرت المملكة العربية السعودية عن رفضها لإعلان “الاعتراف المتبادل” بين إسرائيل وما يُسمّى “إقليم أرض الصومال”، معتبرة أن هذه الخطوة أحادية وانفصالية، وتخالف القانون الدولي.

ضجّ الشرق الأوسط مؤخرًا بالأحداث المحيطة بمضيق باب المندب، وعلى رأسها تسعّر الصراع في جنوب اليمن من جهة، واعتراف إسرائيل بأرض الصومال من جهة أخرى.

نقطة اضافية، إن مبدأ رئيسي في العلاقات الدولية تجلى بين المملكة العربية السعودية والإمارات مؤخرا. فولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، ركّز في زيارته الأخيرة ولقائه الرئيس الأميركي دونالد ترمب في الولايات المتحدة على ملف السودان، وهو ما أثار حفيظة الإمارات، فجاء الرد من بوابة الملف الأكثر حساسية بالنسبة للسعودية، أي اليمن، وهو مبدأ معروف في العلاقات الدولية.

ووفقًا للمبدأ نفسه، فإن إسرائيل، على رقعة الشطرنج، حرّكت قطعة ونصف في مواجهة تركيا والسعودية، استنادًا إلى ما يجري في القرن الإفريقي واليمن، وهو ما يستتبع احتمالية تحريك في الساحة السورية، في وقت يتواجد فيه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الولايات المتحدة، متباحثًا مع ترمب وفريقه الوزاري في المرحلة المقبلة، ولا سيما في دول المشرق، وعلى رأسها سوريا.

أما شعور الإمارات بأن الخناق يضيق عليها في مختلف الملفات، فإن طبيعتها المعروفة كلاعب لا يستسلم تجعلها متمسكة بأوراق متعددة. فهي، كما كانت لاعبا رئيسيا في فتح هذا الفصل من الصراع في اليمن، ما تزال حتى اليوم تمتلك أوراقًا متنوعة في الساحة السورية، وفي اتجاهات مختلفة، يمكن تحريكها تبعًا لحساباتها السياسية والاستراتيجية، وبحسب تطور الأحداث في المنطقة ككل.

في المقابل، فإن أي صراع عربي–عربي، وخصوصًا خليجي–خليجي، يترك أثرًا سلبيًا مباشرًا على مستقبل سوريا، وهو ما أدركته الحكومة السورية، فسارعت إلى إصدار بيان دعت فيه “جميع الأطراف اليمنية إلى ضبط النفس وتجنب التصعيد، وإعلاء لغة الحوار، وتغليب المصلحة الوطنية العليا، بما يسهم في الحفاظ على وحدة البلاد وأمنها واستقرارها”، كما ثمّنت “الجهود التي تبذلها المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، بالتنسيق مع الحكومة اليمنية، لاحتواء التوتر وخفض التصعيد في عدد من المحافظات اليمنية، مؤكدة دعمها وتأييدها للبيان الصادر عن المملكة”. يعني ذلك ضمنًا تمنّي دمشق لحل الخلاف سريعًا، ووحدة الموقف الخليجي والعربي، لإدراكها أن أي فتيل توتر قد يجد صداه في الساحة السورية، على الرغم من عدم اخفائها ميلانها نحو المملكة العربية السعودية. أما اللافت أكثر في البيان الرسمي، فهو بدايته التي تؤكد على “وحدة اليمن” كمنطلق رئيس للبيان، في إشارة واضحة إلى إدراكها أن رأس الصراع في المنطقة يتمحور اليوم حول ثنائية الوحدة مقابل التقسيم.

لكن رغم أن مثل هذه الصراعات تفتح باب الاضطراب في سوريا أكثر، فإنها في المقابل تعزّز وتدفع باتجاه تقارب سعودي–تركي، نتيجة لتوسّع حجم الملفات والتهديدات المشتركة، وهو ما من شأنه أن يجعل أي تنافس أو خلاف ثنائي بين الطرفين في الساحة السورية يتراجع لمصلحة دفع الخطر الأكبر والضرر القادم.

الملفات متشابكة، وما تزال في بداياتها. وما يُنتظر في المرحلة المقبلة هو ما سيعود به نتنياهو من الولايات المتحدة من جهة، وما ستُحرّكه كل من تركيا والسعودية والإمارات من قطع على رقعة الشرق الأوسط من جهة أخرى. لكن المؤكد أن الثبات والركون والعزلة لن تجد لها سبيلًا في الفترة المقبلة، لا في سوريا على وجه الخصوص، ولا في المنطقة عمومًا.

كلمات مفتاحية