الخروج من إرث انتهاكات حقوق الإنسان في سوريا يحتاج إلى أكثر من تغيير في القوانين أو تبدل في أسماء المؤسسات والمسؤولين. المسألة في جوهرها مسألة سلوك وثقافة وممارسة يومية، لأن أنماط التعامل مع السلطة والخوف والعنف والإفلات من المحاسبة تتراكم عبر سنوات طويلة، ثم تجد طريقها إلى مراكز الشرطة وغرف التحقيق والمحاكم والدوائر الحكومية والمدارس والجامعات وحتى إلى اللغة التي يستخدمها المجتمع في الحديث عن المتهم والمخالف والخصم.
لهذا فإن بناء دولة تحترم حقوق الإنسان يحتاج إلى سنوات من الانضباط والتدريب والمراقبة والمراجعة. القانون يضع القاعدة، أما تحويل القاعدة إلى سلوك يومي فيحتاج إلى مؤسسات تعرف واجباتها، وموظفين يتدربون عليها، ورقابة تكشف الانحراف عنها، وقضاء قادر على المحاسبة، وصحافة تستطيع السؤال، ومجتمع أهلي يراقب ويوثق ويقترح الحلول.
ينبغي أن يعرف الشرطي والمحقق، منذ اليوم الأول في التدريب، الحدود الدقيقة لسلطته: كيف يجري التوقيف، وكيف يتم التفتيش، وما نوع القوة المسموح باستخدامها، ومتى تستخدم، وكيف يوثق الاستجواب، وكيف تحفظ الأدلة، وكيف تسجل الشكاوى، وكيف تتم حماية الأشخاص الموجودين في عهدة الدولة.
أولى الخطوات تبدأ من مبدأ بسيط وحاسم: حقوق الإنسان تحمي الإنسان بصرف النظر عن التهمة الموجهة إليه.
قد يكون المتهم مرتكباً لجريمة خطيرة، وقد تكون الأدلة ضده قوية، وقد يشعر المجتمع بالغضب تجاهه. مع ذلك تبقى له حقوقه في سلامة الجسد، وفي معرفة التهمة، وفي الحصول على محام، وفي عدم إجباره على الاعتراف، وفي المثول أمام قاض مستقل، وفي محاكمة عادلة وعلنية ضمن الحدود التي يحددها القانون.
قيمة العدالة تظهر تحديداً عندما يكون احترام هذه الحقوق صعباً وغير شعبوي. حماية حقوق شخص محبوب أمر يسير، أما حماية حقوق شخص يواجه اتهاماً خطيراً فهي الاختبار الحقيقي للدولة.
الدولة التي تعاقب التعذيب لأنها تعتبره جريمة، ثم تسمح لمحقق باستخدامه ضد متهم بجريمة أخرى، تدخل في تناقض خطير. المحقق يمثل القانون، ولذلك يفترض أن تكون أدواته أكثر انضباطاً من أدوات المجرم، وأن تكون لغته وسلوكياته خاضعة لمعايير أعلى. العدالة تفقد جزءاً من معناها عندما يصبح طرف الادعاء قريباً في وسائله من السلوك الذي يسعى إلى محاسبته.
ومن هنا تظهر الحاجة إلى مدونة سلوك واضحة وملزمة لكل مؤسسة تتعامل مع المواطن، وفي مقدمتها الشرطة وأجهزة التحقيق والسجون والنيابة العامة.
ينبغي أن يعرف الشرطي والمحقق، منذ اليوم الأول في التدريب، الحدود الدقيقة لسلطته: كيف يجري التوقيف، وكيف يتم التفتيش، وما نوع القوة المسموح باستخدامها، ومتى تستخدم، وكيف يوثق الاستجواب، وكيف تحفظ الأدلة، وكيف تسجل الشكاوى، وكيف تتم حماية الأشخاص الموجودين في عهدة الدولة.
ويحتاج العامل في هذه المؤسسات أيضاً إلى قسم مهني يحمل معنى عملياً، لا إلى كلمات احتفالية فحسب: أن تكون وظيفته حماية القانون، وصيانة كرامة الإنسان، والتعامل مع المواطنين على مسافة واحدة، وعدم تحويل السلطة التي منحتها الدولة إليه إلى أداة للانتقام أو الإهانة أو تصفية الحسابات.
لكن مدونة السلوك وحدها لا تكفي. كل قاعدة تحتاج إلى آلية تقيس مدى الالتزام بها.
عندما تقع حالة ضرب في مركز احتجاز، أو إهانة في أثناء توقيف، أو اختفاء لساعات خارج السجلات، أو انتزاع اعتراف بالقوة، ينبغي أن تتحول الحادثة إلى قضية مؤسساتية تستحق الفحص. السؤال يتجاوز تحديد الشخص الذي ارتكب الانتهاك إلى فهم البيئة التي سمحت بوقوعه.
هل تلقى العنصر تدريباً كافياً؟،هل أعطاه رئيسه أمراً مباشراً أو ضمنياً؟،هل توجد كاميرات أو سجلات توثق ما جرى؟،هل ساعات العمل والضغط المهني تؤثر في السلوك؟،هل توجد ثقافة داخل المؤسسة تعتبر العنف دليلاً على القوة؟،هل سبق أن حدثت انتهاكات مشابهة من دون مساءلة؟
هل يستطيع عنصر الشرطة الاعتراض على أمر غير قانوني من رئيسه من دون خوف على مستقبله؟
بهذه الطريقة تتحول كل واقعة انتهاك إلى فرصة لاكتشاف خلل أكبر وإصلاحه.
وهنا يأتي دور الصحافة والمجتمع الأهلي. وجود صحافة قادرة على كشف الانتهاكات يمثل جزءاً من نظام الحماية نفسه، لأن المؤسسة المغلقة على ذاتها تميل إلى الدفاع عن أخطائها، بينما الرقابة العامة تدفعها إلى التفسير والتصحيح.
الصحافة المسؤولة تستطيع أن تتابع قضية توقيف تعسفي أو سوء معاملة من دون تحويل المتهم إلى بطل ومن دون تبرئة شخص من جريمته. القضية التي تستحق التحقيق هنا هي طريقة ممارسة الدولة لسلطتها.
يمكن للصحفي أن يقول في الوقت نفسه إن شخصاً يواجه اتهاماً خطيراً، وإن ضربه في أثناء التحقيق انتهاك يستوجب المساءلة. لا يوجد تعارض بين الفكرتين.
وهذا التمييز بالغ الأهمية في سوريا القادمة: الدفاع عن حق المتهم في محاكمة عادلة لا يعني الدفاع عن فعله، والاعتراض على تعذيبه لا يعني إنكار حق المجتمع في محاسبته.
إن المحاكمة العادلة تمنح العقوبة نفسها شرعية أكبر، لأنها تجعل المجتمع قادراً على القول إن الشخص أدين بالأدلة والقانون، لا بالخوف أو الانتقام أو الاعتراف المنتزع بالقوة.
وتحتاج هذه الثقافة إلى تعاون بين الوزارات بدلاً من ترك ملف حقوق الإنسان لوزارة واحدة. وزارة الداخلية مسؤولة عن تدريب الشرطة وإجراءات التوقيف، ووزارة العدل مسؤولة عن استقلال القضاء وضمانات المحاكمة، ووزارة التعليم مسؤولة عن إدخال مفاهيم القانون والحقوق والمواطنة إلى المدارس، ووزارة التعليم العالي قادرة على تطوير برامج القانون وعلم الجريمة والعمل الشرطي، ووزارة الإعلام والمؤسسات الصحفية تستطيع المساهمة في بناء لغة عامة أكثر دقة ومسؤولية.
كما يمكن إنشاء آليات مشتركة تنشر تقارير دورية عن الشكاوى والانتهاكات والإجراءات التأديبية، يتضمن عدد الشكاوى المقدمة ضد عناصر الشرطة، طبيعتها، عدد التحقيقات التي فتحت، نتائجها، والإصلاحات التي اتخذت لمنع تكرارها. الشفافية هنا هي وسيلة لرفع الثقة بها.
ويمكن تصور نموذج بسيط: تقع واقعة إساءة معاملة في أحد مراكز التوقيف، فتفتح جهة مستقلة تحقيقاً فيها، وتعلن النتائج الأساسية للرأي العام، ويحاسب المسؤول عندما تثبت المخالفة، ثم تراجع وزارة الداخلية الإجراءات التي سمحت بحدوث الواقعة، ويحول الدرس المستفاد إلى مادة تدريبية لجميع العناصر. عندها تنتقل الدولة من معالجة الحادثة إلى التعلم منها.
الطريق يبدأ أيضاً قبل دخول الشباب والشابات إلى كلية الشرطة بسنوات طويلة.
فالطفل الذي يتعلم في المدرسة أن المعلم يستطيع إذلال الطالب كي يفرض النظام، وأن الأقوى يملك حق إسكات الأضعف، وأن الخطأ يعالج بالإهانة، يحمل هذه التصورات معه إلى الجامعة والعمل والمؤسسة الأمنية والإدارة العامة. وسائل الإعلام التي تمارس سخرية ضد الخصوم، والتي قد تمتد إلى أن تتحول إلى إهانات ضمنية.
لهذا فإن احترام حقوق الإنسان يبدأ في الصف الدراسي: في طريقة تعامل المعلم مع الطالب، وفي قبول السؤال والاختلاف، وفي تعليم الأطفال أن السلطة تقترن بالمسؤولية، وأن الكرامة لا تمنح مقابل الطاعة، وأن القانون يحمي الجميع.
وفي الجامعة ينبغي أن تتحول هذه المبادئ إلى معرفة أكثر عمقاً. طالب الحقوق يحتاج إلى دراسة المحاكمة العادلة بصورة عملية، وطالب الإعلام يحتاج إلى فهم أخلاقيات تغطية الجريمة والانتهاكات، وطالب الطب يحتاج إلى معرفة واجبه تجاه المحتجز الذي تظهر عليه آثار العنف، وطالب كلية الشرطة يحتاج إلى تدريب متكرر على سيناريوهات حقيقية تتعلق بالتوقيف والاستجواب واستخدام القوة.
وبذلك تصبح حقوق الإنسان مهارة مؤسساتية، وليست مادة نظرية أو شعاراً سياسياً.
يبقى العامل الأصعب: تغيير نظرة المجتمع نفسه إلى العدالة.
في المجتمعات الخارجة من الحروب والعنف تظهر رغبة قوية في العقاب السريع، وخصوصاً أمام الجرائم التي تثير الغضب العام. تنتشر أحياناً عبارات مثل: "هذا الشخص يستحق كل ما يحدث له". وهذه الجملة، على بساطتها، قادرة على فتح باب واسع أمام الانتهاكات.
فمن يحدد من يستحق؟ ومن يضمن صحة الاتهام؟ وماذا يحدث عندما تنتقل الوسيلة التي استخدمت اليوم ضد شخص مكروه إلى شخص بريء غداً؟
لهذا تحمي دولة القانون الإجراءات أكثر مما تحمي الأشخاص. ضمانات المحاكمة وضعت لأن الإنسان قد يخطئ، والمحقق قد يتعصب، والشاهد قد يكذب، والضابط قد يسيء استخدام سلطته، والقاضي قد يواجه معلومات ناقصة. الإجراءات العادلة هي شبكة الأمان التي تقلل مساحة هذه الأخطاء.
ومن المهم أيضاً الابتعاد عن اللغة التي تقسم السوريين إلى فئات تستحق الحقوق وفئات تستحق الإهانة. يمكن إدانة الجريمة بأشد الكلمات، ومحاسبة مرتكبها بأشد العقوبات التي يسمح بها القانون، مع إبقاء كرامته الإنسانية خارج دائرة الانتقام.
هذه المسافة بين العدالة والانتقام هي إحدى أهم المسافات التي تحتاج سوريا إلى بنائها.
وللوصول إليها نحتاج إلى تدريب مستمر، وتقييم دوري للعاملين، ورقابة مستقلة على مراكز الاحتجاز، وتوثيق للاستجوابات، وسجلات دقيقة للتوقيف، وحق فعلي في الاستعانة بمحام، وفحوص طبية مستقلة للموقوفين، وقنوات آمنة للشكاوى، وحماية للمبلغين عن الانتهاكات، وإحصاءات تنشر للرأي العام، وقضاء يستطيع التحقيق مع صاحب السلطة بالجدية نفسها التي يحقق بها مع المواطن.
كما نحتاج إلى ثقافة تسمح للمؤسسة بأن تقول: حدث خطأ، وهذه أسبابه، وهذه مسؤولية من ارتكبه، وهذه الإجراءات التي ستمنع تكراره.
التحول الحقيقي يبدأ عندما تصبح كرامة الإنسان قاعدة إجرائية يومية: في لحظة القبض عليه، وفي غرفة التحقيق، وفي السجن، وأمام القاضي، وفي الخبر الصحفي، وفي المدرسة، وفي الخطاب العام.
الدولة القوية ليست الدولة التي تدعي الكمال. قوتها تظهر في قدرتها على اكتشاف أخطائها وتصحيحها ومحاسبة من يسيء استخدام اسمها وسلطتها.
ولا تتحقق هذه النقلة في يوم وليلة.
تغيير الحكومة قد يحدث في أيام، وإصدار قانون قد يحتاج إلى جلسة واحدة، وإعادة تسمية مؤسسة قد تتم بقرار إداري. أما بناء شرطي يعرف حدود سلطته، ومحقق يرفض التعذيب حتى تحت الضغط، وقاض يزن الأدلة بعيداً عن المزاج العام، وصحفي يميز بين الدفاع عن الحقوق وتبرير الجريمة، ومواطن يطالب بمحاكمة عادلة حتى لمن يكرهه، فكل ذلك يحتاج إلى تربية وتدريب وتراكم وتجربة وتصحيح مستمر.
قد تحتاج سوريا إلى سنوات كي تصبح هذه القواعد جزءاً طبيعياً من الحياة العامة. وذلك ضروري للبدء بها على وجه السرعة..
فالتحول الحقيقي يبدأ عندما تصبح كرامة الإنسان قاعدة إجرائية يومية: في لحظة القبض عليه، وفي غرفة التحقيق، وفي السجن، وأمام القاضي، وفي الخبر الصحفي، وفي المدرسة، وفي الخطاب العام.
وعندما يعرف صاحب السلطة أن كل توقيف مسجل، وكل استجواب قابل للمراجعة، وكل شكوى ستدرس، وكل انتهاك قد يقود إلى محاسبة؛ وعندما يعرف المواطن أن القانون يحمي خصمه كما يحميه، تبدأ الدولة بالخروج فعلياً من ثقافة الانتهاك إلى ثقافة العدالة.
عندها يصبح السؤال أقل ارتباطاً بمن نحب ومن نكره، وأكثر ارتباطاً بمبدأ واحد: أي دولة نريد أن نكون عندما تصبح القوة في أيدينا؟
الإجابة التي تستحقها سوريا هي دولة تملك القوة، وتملك معها الانضباط الكافي كي تعرف أين تنتهي حدود هذه القوة وتبدأ حقوق الإنسان.
اللغة الآرامية في الجامعات السورية
هل سيتم نقل ضريح عماد الدين النسيمي في حلب؟
كيف تبني سوريا ثقافة تحمي الإنسان؟
من فوكسفورد إلى شارع بغداد.. لعنة "مايو" ولعنة "شيخ الأندية"
جرمانا.. "أرض الرجال" و جارة الفيحاء