كيف تبتلع "تل أبيب" أراضي الفلسطينيين؟

تاريخ النشر: 12.11.2018 | 17:11 دمشق

غزة - بثينة اشتيوي- تلفزيون سوريا

قبل ستة أعوام من الآن، تفاجأ الستيني" أبو محمد" من قرية الشيخ جراح شرقي مدينة القدس المحتلة، بإقدام جرافات الاحتلال الإسرائيلي على هدم منزله المكون من ثلاثة طوابق دون إشعار مسبق، حيث كانت ذريعة الهدم أنه غير مرخص، وهو ما أثار غضب صاحب المنزل، ومحاولته رفض الهدم، بيد أنه لم يفلح بذلك، حيث يعيل 25 فردا من العائلة.

ولكن الغريب من وجهة نظر "أبو محمد" على لسان نجله" محمد" الذي تحدث لموقع" تلفزيون سوريا"، أن الاحتلال أجبره على ترك المنطقة التي يسكن فيها، وعدم البناء مرة أخرى فوقها، وهو ما يعني الاستيلاء على الأرض بحجة عدم الترخيص، وأضاف" لم تفلح جهودنا كعائلة في استعادة البيت أو حتى الأرض التي كان مقاماً عليها، وعرض علينا بعض من جنود الاحتلال بضع آلاف كتعويض ولكن رفضنا، واضطررنا البحث عن منزل آخر في منطقة قريبة من محافظة رام الله المحتلة".

أكثر ما يثقل كاهل الفلسطيني مثل الحاج " أبو محمد" هو عدم اعتراف سلطات الاحتلال ومحاكمه بأي شكوى خاصة بسرقة الأراضي أو هدم المنازل، إلى جانب عدم تعاون الطرف الفلسطيني بوضع حد لهذه الممارسة الإسرائيلية، حتى أضحت عادة يمارسها الاحتلال في قرية الخان الأحمر المهددة بالهدم كليا وإنشاء جملة من المشاريع الاستيطانية فوقها كما جرى مسبقا في قرية النقب البدوية.

على الجناح الآخر من شطر الوطن الثاني قطاع غزة، فإن سياسة سرقة الأراضي من قبل جيش الاحتلال الإسرائيلي تم ممارستها خلال الاحتلال الإسرائيلي لقطاع عزة، وزادت حدتها بالتزامن مع الانتفاضتين الفلسطينيتين الأولى والثانية، فالمواطن" أحمد عبد المنعم" فقد أرضه بعد أن استولت عليها جرافات الاحتلال وحولتها إلى ثكنة عسكرية تراقب من خلالها تحرك الفلسطيني على الحدود.

يحكي" أحمد" لـموقع" تلفزيون سوريا"، " منذ 10 سنوات ونحن محرومون من زيارة الأرض، فقط ننظر إليها من بعيد ونرى سواتر الرمال قد حولتها إلى ثكنة وحولها جرافات الاحتلال تسير صباح مساء"، لافتا إلى أنها كانت مزروعة بثمار متنوعة تعتاش منها عائلته، وتعد مصدر رزق لها في مواسم مختلفة من العام.

حالتان من عشرات آلاف الحالات التي تمارس سلطات الاحتلال الإسرائيلي بحقها سرقة الأراضي ومصادرتها دون إبداء أسباب، وإنما تهديد للديمغرافيا والوجود الفلسطيني فوق الأرض، وحتى يمكن فهم جذور هذه السياسة لابد من الحديث عن أبرز أعضاء الكنيست الإسرائيلي المشجعين لهذه السياسة، وهو " أوري أرئيل"، والذي يترجل عن كرسيه في أي اجتماع برلماني، معارضا بقوة أي قرار صادر عن حقوق المقدسيين داخل وخارج باحات المسجد الأقصى المبارك، لكن سرعان ما يرفع يده اليسرى دون تردد مشجعا كما جميع الأعضاء الإسرائيليين قرارات التوسع الاستيطاني، يصفقون له، مذكرينه بتاريخه المجيد في ترسيخ سياسة الاستيطان منذ أن بدأت سنوات حياته الأولى في العيش فوق مستوطنة "كفار أدوميم" الواقعة شرقي القدس المحتلة عام 1952.

لا يقتصر يوم" أرئيل" أحد أعضاء حزب " البيت اليهودي"، وهو حزب متطرف تعود جذوره التاريخية إلى التيار الديني الصهيوني على حضور جلسات الكنيست فحسب، بل يتفقد بعدها أحوال المستوطنين المقيمين داخل المستوطنات وخارجها، يقترب منهم أكثر ليتعرف على مشكلاتهم، يتعامل معهم أنهم الأحق في الأرض دون العرب، يقص عليهم تجاربه الماضية في طرد العرب من بيوتهم، تجارب استقاها من خلال عمله لسنوات عدة رئيس الحركة الاستيطانية "أمانا" التابعة للحركة الدينية "غوش إمونيم"، وقبلها لمجلس المستوطنات بالضفة الغربية خلال أعوام 1989-1999.

الستيني الذي تقلد منصب وزير الزراعة والتنمية الريفية في الحكومة الإسرائيلية عام 2013، ذاع سيطه داخل قبة البرلمان الإسرائيلي بعد أن سجل نهاية عام تسلمه المنصب زيادة كبيرة في التوسع الاستيطاني عن العامين الماضيين لتصل إلى 123%، فيما تسارعت وتيرة عمليات البناء لتصل إلى 2534 وحدة استيطانية مقابل 1133 عام 2012، زيادة استمدها من خلفيته السياسية والأيدلوجية القائمة على " كره العرب"، وفتاوى الحاخام الأكبر لمستوطنة "كريات أربع"، الواقعة في مدينة الخليل جنوب الضفة المحتلة، "دوف ليئور"، حول إجازة طرد الفلسطيني من أرضه وإحلال الإسرائيلي بدلا منه.

صعود الفكرة

من داخل قاعات حركة "غوش إمونيم" الدينية القومية، بدأت أفكار التمركز الإسرائيلي صوب الأراضي الفلسطينية تتمحور شيئا فشيئا في ذهن" أرئيل"، خاصة وأن هدفها الرئيسي هو الوجود المكثف للمواطنين اليهود في جميع المناطق الفلسطينية، عمليات الاستيطان الموسعة التي راعتها هذه الحركة امتدت لتصل إلى مشاريع تربوية واجتماعية وإعلامية من شأنها غرس المفاهيم القومية الدينية في عقول الأجيال الإسرائيلية الصاعدة.

مطلع انتفاضة الأقصى الفلسطينية الثانية عام 2000، ساعد انتخاب " أوري" عضوا في الكنيست الإسرائيلي عن حزب "الوحدة الوطنية" آنذاك، للتحرك إلى سنّ سلسلة من القوانين العنصرية ضد الفلسطينيين، حيث شغل عضوية عشر لجان برلمانية عمل من خلالها لدعم الاستيطان، حتى اختصر بعض الإعلاميين الإسرائيليين البارزين طموحاته بقولهم: "لديه مشاريع استيطانية تحتاج إسرائيل إلى 50 عاما لإنجازها".

" أرئيل" في نظر أعضاء الكنيست الإسرائيلي أيضا هو التلميذ المطيع للحاخام" ليئور" الذي ينادي بهجرة يهود العالم إلى " تل أبيب"، وإنشاء مساكن لهم، وتوسيع الاستيطان الذي بدأ منذ عام 1967، استوطن في قلبهما أحقية المواطن الإسرائيلي بالأرض الفلسطيني، فوافقا على توصيات الحكومة الإسرائيلية بتحقيق مرادهما عبر ثلاثة قوانين للاستيلاء على الأراضي، الأولى: أملاك الغائبين، وتعنى أن أي فلسطيني يملك الأرض ويعيش خارج الحدود يقوم القيم على أملاك العدو باستغلالها ووضع اليد عليها.

فيما الثانية: أملاك الدولة، حيث استخدمت إسرائيل مجموعة مختلفة من القوانين العثمانية والبريطانية والأردنية بالإضافة إلى الأوامر العسكرية، بحيث تم وضع اليد على ما يزيد عن 40% من مساحة الضفة الغربية كأملاك دولة، والأخيرة هي المصادرات للمصلحة العامة والمقصود بها محميات، شوارع، كسارات للسيطرة على الأراضي.

ذرائع إسرائيلية

" الشيخ جراح" منطقة فلسطينية واقعة تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة، ارتبط اسمها كثيرا مع تواتر أخبار طرد المستوطنين الإسرائيليين لعشرات الأسر الفلسطينية بالقوة، وإجبارهم على تركها دون العودة إليها، حتى باتت " تل أبيب" منذ استيلائها قبل نحو خمسين عاما تنتهج سياسة واضحة في توسيع رقعة الاستيطان عبر وسائل عدة أبرزها، نهب مئات الآلاف من الدونمات من الأراضي - بما في ذلك المراعي والأراضي الزراعية- ومن ثم خصصتها بسخاء للمستوطنات، وطرد السكان بحجة عدم ترخيص البيوت، وانتشار البؤر الاستيطانية وكاميرات المراقبة، وعليه، فإن الطريقة المركزية للاستيلاء على الأراضي الفلسطينية هي الإعلان عنها كأراضي دولة وتسجيلها على هذا الأساس، بدأ اعتماد هذه السياسة منذ عام 1979 واستند على تطبيق قانون الأراضي العثماني من عام 1858، فضلا عن إعلان الأراضي مناطق عسكرية.

تشير بعض الجذور التاريخية إلى أن توسيع الاستيطان في مدن الضفة والقدس المحتلتين خلال العقد الأول من احتلال فلسطين كانت عبر اعتماد حكومات حزب العمل "خطة ألون"، التي توصي ببناء مستوطنات في مناطق ذات "أهمية أمنية" والتي فيها كثافة سكانية فلسطينية منخفضة، مثل غور الأردن، وأجزاء من جبال الخليل، القدس وضواحيها، إلى أن جاء حزب "الليكود عام 1977 لتوصي ببناء مستوطنات في جميع أنحاء الضفة الغربية، خاصة في المناطق التي يتركز فيها الفلسطينيون، على قمم الجبال وفي المناطق الواقعة غربي خط رام الله-نابلس، وبهذا يكون البعد الأمني الاستراتيجي حاضراً بقوة في تبريرات السياسة الإسرائيلية لعمليات الاستيطان.

جريمة قانونية ولكن!

ولأن التنديد بسرقة الأراضي الفلسطينية من قبل الاحتلال على المستوى الشعبي والرسمي وحتى العربي والدولي لم يحول دون وقف سياسة " تل أبيب" عن ممارستها، يخرج بين شهر وآخر تقرير حقوقي لرصد الانتهاكات الإسرائيلية واعتبارها جرائم قانونية دون أصوات مؤيدة له، وهو ما يعني استمرار الاحتلال في سياسة الاستيطان وابتلاع الأراضي خاصة في السنوات القليلة الماضية، حتى سجل العام الماضية " عام الاستيطان الإسرائيلي".

في هذا السياق، يرى خبير الخرائط والاستيطان في بيت الشرق بالقدس المحتلة، "خليل تفكجي" أن الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية وقطاع غزة ليس استيطاناً بالمعنى السكاني، وإنما هو استيطان قائم على أساس إحلالي، إذ أقامت إسرائيل مناطق صناعية وأعطتها امتيازات كبيرة، وتطورت بدرجة كبيرة جدا في السنوات الأخيرة، فحصلت هذه المستوطنات على امتيازات ذات أفضلية من الدرجة الأولى، من أجل أن تكون هدفا لعمل المستوطنين، فأقيمت كبرى المناطق الصناعية في وسط الضفة الغربية.

شركات الاستيطان

يعتمد بناء المستوطنات وتوسيعها على عوامل دعم داخلية وخارجية بأيد إسرائيلية وأخرى أجنبية، أبرزها شركات تجارية وتسويقية تمول تنفيذ مشاريع استيطانية بالتعاون مع الحكومة الإسرائيلية،  حيث نوعان من الشركات المنخرطة في أنشطة الاستيطان، والمساعدة أيضا في بلورة رؤية متجددة لتوسيع بؤره، الأولى: شركات تتولى إدارة المطالب العملية لإنشاء المستوطنات وصيانتها، وتشمل مصرفاً يمول منازل المستوطنات ويوفر لها الرهن العقاري، وشركة تنمية عقارية تبيع تلك المنازل، وشركة تصرّف في النفايات تقوم بتعميل قمامة المستوطنات، الثانية: شركات الاستيطان غير المنخرطة في نشاط يقدم خدمات مباشرة للمستوطنات السكنية، ومع ذلك فهي تتمركز في مستوطنات أو مناطق استيطان صناعية.