رغم التوقعات المبكرة بدخولهم على خط المواجهة، بقي الأكراد خارج الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، في نتيجة تشكلت عند تقاطع عاملين رئيسيين: رسائل متناقضة من واشنطن وتل أبيب، وضغط عسكري وأمني مكثف من طهران حال دون تحوّلهم إلى جبهة داخلية في الصراع.
ووفق تقرير نشرته وكالة "رويترز"، بدا أن الولايات المتحدة تنظر إلى الأكراد، في الأيام الأولى للحرب، كأحد الخيارات المحتملة لفتح جبهة برية داخل إيران.
ففي اليوم السادس، قال الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، إن أي تحرك كردي ضد طهران سيكون "أمراً رائعاً"، في إشارة فسرها بعض المراقبين كتشجيع ضمني.
لكن هذا الموقف لم يدم طويلاً، إذ عاد ترامب بعد يومين فقط ليؤكد أن بلاده "لا تسعى لدخول الأكراد"، معلناً استبعاد هذا السيناريو.
ترك هذا التبدل السريع، إلى جانب غياب خطة واضحة من الولايات المتحدة وإسرائيل، الفصائل الكردية في حالة ضبابية بشأن دورها المحتمل، في حين أشارت تقارير إلى محاولات إسرائيلية للتواصل مع فصائل كردية معارضة لإيران، من دون تقديم تصور واضح لطبيعة مشاركتها، ما عمق حالة التردد داخل هذه القوى.
ضربات إيرانية ورسائل ردع
في المقابل، عملت إيران عبر "الحرس الثوري" على منع أي تحرك كردي منذ الأيام الأولى للحرب، مستخدمة مزيجاً من الضربات العسكرية والتهديدات المباشرة.
داخل إيران، أطلقت الأجهزة الأمنية حملة واسعة شملت رسائل تحذيرية للأكراد، ومراقبة الاتصالات، وحملات دهم في المدن ذات الغالبية الكردية، في محاولة لمنع أي انتفاضة داخلية.
أما في العراق، حيث تتمركز فصائل كردية إيرانية معارضة، فقد بدأت الضربات مبكراً، حيث استهدفت صواريخ وطائرات مسيرة مواقع هذه الفصائل، بما في ذلك مقار وسكن لعناصرها قرب أربيل، ما أدى إلى سقوط قتلى وتدمير مواقع كانت تعتبر آمنة.
كما تلقت حكومة إقليم كردستان العراق تهديدات مباشرة بالاستهداف إذا لم تسحب قواتها من الحدود مع إيران، وهو ما حدث فعلاً، رغم تعرضها لاحقاً لهجمات أيضاً.
قيود قاسية ميدانياً ومخاوف من دفع الثمن
رغم ذلك، لم تتخل الفصائل الكردية الإيرانية عن طموحاتها، فبعضها، مثل حزب "حرية كردستان"، كان يستعد منذ سنوات لأي فرصة للعودة إلى إيران، مدعوماً بشبكات تهريب ومناصرين داخل البلاد.
لكن الواقع الميداني فرض قيوداً قاسية، فالقصف الإيراني المستمر، وانتشار قوات إضافية على الحدود، وصعوبة نقل المقاتلين، جعلت أي تحرك عسكري واسع مخاطرة غير محسوبة.
كما أن الأكراد في العراق، وعلى رأسهم حكومة إقليم كردستان، أبدوا موقفاً واضحاً برفض الانخراط في الحرب، خشية دفع ثمن مباشر، سواء عبر ضربات إيرانية أو زعزعة الاستقرار الداخلي.
وفي الداخل الإيراني، ورغم وجود بيئة احتجاجية سابقة، فإن القبضة الأمنية المشددة حدّت من إمكانية تحول الغضب الشعبي إلى تحرك منظم.
حرب بلا جبهة كردية
ووفق تحليل بيانات ميدانية أجرتها "رويترز"، نفذت إيران وحلفاؤها مئات الضربات الصاروخية والمسيرة على مناطق كردية في العراق، استهدفت نصفها تقريباً فصائل ومواقع كردية معارضة، في حين نفذت الولايات المتحدة وإسرائيل عشرات الضربات داخل مناطق كردية في إيران بهدف إضعاف القبضة الأمنية هناك.
وعلى الرغم من هذا التصعيد، لم تتحول المناطق الكردية إلى جبهة نشطة في الحرب، بل بقيت ساحة ضغط متبادل من دون انخراط مباشر.
وفي ظل وقف إطلاق النار الذي أُعلن لاحقاً، بقيت الفصائل الكردية في حالة انتظار، دون أن تتخلى عن هدفها بإسقاط النظام الإيراني، لكنها في الوقت نفسه تدرك أن أي تحرك مستقبلي سيبقى مرتبطاً بعوامل خارجية لم تتضح بعد.
وبين رسائل متناقضة من الحلفاء، وضربات دقيقة من الخصم، وجد الأكراد أنفسهم مرة جديدة خارج معادلة الحرب، رغم أنهم كانوا أحد أبرز المرشحين للعب دور فيها.