icon
التغطية الحية

كيف أصبحت عُمان عراب التطبيع مع الأسد؟

2022.02.22 | 12:53 دمشق

فيصل المقداد في زيارة لسلطنة عمان
فيصل المقداد في زيارة لسلطنة عمان
ميدل إيست آي - ترجمة وتحرير: ربى خدام الجامع
+A
حجم الخط
-A

بدأت أيام العزلة الطويلة والازدراء على المستوى الإقليمي تتغير بالنسبة للنظام السوري، ولو أتى ذلك بشكل تدريجي، ويعود الجزء الأكبر من العودة للاندماج إلى الدور الحاسم الذي لعبته مسقط ولرهانها على الاحتفاظ بخطوط تواصل وعلاقات واضحة مع دمشق في أسوأ الأوقات.

ولم يكن وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي آخر مسؤول رفيع يلتقي ببشار الأسد خلال شهر كانون الثاني من هذا العام فحسب، بل إن تلك الزيارة تمثل دور بلاده القيادي في عملية التطبيع العربي مع الأسد.

إذ عبر تطبيق سياسة خارجية قائمة على عدم التدخل بشؤون الآخرين، تمكنت عُمان من لعب دور رائد في المشهد الدبلوماسي السوري، ومن المرجح أن تحصد السلطنة ثمار صنيعها مع عودة مزيد من الدول العربية للتعامل مع دمشق، بصرف النظر عن المدة الطويلة التي تحتاج إليها تلك العملية ومدى صعوبتها.

عملية معقدة

إلا أن التقارب الإقليمي مع الأسد يمثل عملية معقدة للغاية، ولا يعود ذلك للتحذيرات الأميركية والأوروبية فحسب. فقد رفضت السعودية المشاركة في ظل الظروف الحالية، وهذا ما عقّد الأمور بشكل أكبر.

وبالرغم من كل ذلك، فإن وصول نظام الأسد إلى هذه العملية المهمة القائمة على إعادة دمج سوريا بعد الحرب التي عصفت بها وحولت النظام فيها إلى نظام منبوذ على المستوى الإقليمي والعالمي، يرجع بالأساس إلى الجهود التي بذلتها سلطنة عمان في هذا المضمار.

ولا بد من أن النظام ممتن لها أشد الامتنان.

وهذا ما عبرت عنه إحدى المصادر الدبلوماسية في سوريا بقولها: "لا يخفى على أحد بأن علاقاتنا مع عمان جيدة للغاية كما كانت دوماً، وسوف تبقى في المستقبل المنظور".

مسقط تترأس عملية التطبيع

من المعروف عن عمان أنها نادراً ما تجادل أو تتخذ مواقف عندما يتصل الأمر بالعلاقات الدبلوماسية والنزاعات السياسية، أي إنها تفضل لعب دور المصلح بدلاً من المواجهة.

ويعود جزء كبير من هذه الحيادية الشبيهة بحيادية سويسرا إلى جوهر المبادئ السياسية التي وضعها الراحل السلطان قابوس الذي سعى دوماً للالتزام بعقيدة براغماتية في تعامله مع دول الجوار وعلاقاتها المتقلبة القائمة على المشاحنات والمهاترات في تلك المنطقة المضطربة.

فقد رفضت عمان الدخول في حلف السعودية الساعي لتغيير النظام في سوريا والذي ظهر في عام 2011، وذلك عندما قررت المضي بالاتجاه المعاكس، بل حتى إنها أرسلت وزير خارجيتها إلى دمشق في عام 2015 عندما بلغ النزاع العسكري في سوريا أوجه، إذ كان وزير الخارجية العماني حينذاك، يوسف بن علوي يخطط لعودة سوريا إلى الحظيرة العربية، إذ صرح قبل سبع سنوات بأنه يسعى "لطرح أفكار على المستوى الإقليمي والدولي تهدف إلى المساهمة في التوصل إلى حل للأزمة السورية".

وحول ذلك يعلق المحلل آرون لوند الذي يعمل لدى مركز أبحاث مؤسسة القرن فيقول: "تتمتع عمان بموقف يقوم على مخاطبة أي طرف بالنسبة للدبلوماسية، ولهذا فهي تتعمد أن تنأى بنفسها قليلاً عن دول الجوار الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي"، وأضاف أن عمان "حافظت على علاقتها بالنظام وسعت وراء فرصة للوساطة في هذا السياق".

ولهذا تترأس عمان على الدوام عملية التطبيع العربي مع الأسد.

فقد كان السلطان هيثم بن طارق أول زعيم خليجي يهنئ الأسد بإعادة انتخابه في عام 2021، حيث حملت رسالة التهنئة التي أرسلها "أطيب الأمنيات للأسد في قيادة الشعب السوري نحو مزيد من الاستقرار والتقدم والرفاه".

كما كان هذا السلطان أول زعيم خليجي يعيد سفيره إلى سوريا، إلى جانب ترحيبه بوزير خارجية النظام فيصل المقداد في زيارته التي امتدت لثلاثة أيام لعمان في شهر آذار الماضي، والتي أعرب الجانب السوري خلالها عن تجدد الأمل بالعودة إلى الجامعة العربية.

ولتمهيد الطريق لبقية الدول العربية، مثل الإمارات التي سعت مؤخراً وبكل ضراوة لتطبيع العلاقات مع الأسد، فتحت عمان الباب أمام هذا التوجه.

إذ خلال زيارة البوسعيدي لدمشق خلال شهر كانون الثاني الماضي، وصف رئيس مجلس الشعب السوري حمود صباغ عمان بأنها حليف أساسي، وقال: "لقد وقفت سلطنة عمان الشقيقة إلى جانب سوريا في حربها ضد الإرهاب"،وهذا المديح يوجه عادة إلى إيران أو روسيا، بما أنهما تمثلان أكبر داعمين للأسد.

خريطة الطريق في المستقبل

انطلاقاً من تلك اللحظة، سعت عمان وراء تعاون أكبر، حيث ألمح البوسعيدي إلى فكرة تكثيف الزيارات المتبادلة وتطور العلاقات بين البلدين.

وفي الوقت الذي لحقت به الدول العربية الأخرى بركب عمان، ما تزال هنالك عوائق لا بد من التغلب عليها.

إذ ما تزال غالبية الدول العربية متخوفة مع العلاقات الوثيقة التي تربط سوريا بإيران، ومن أن دمشق ليس لديها الكثير لتقدمه على المستوى الاقتصادي، بما أنها تخضع لعقوبات ثقيلة. وقد تكون عودة سوريا إلى الجامعة العربية خطوة مهمة، لكنها تعتمد بشكل كبير على إقامة علاقة أفضل مع السعودية، التي ينبغي إقناعها بذلك قبل كل شيء.

إلا أن ذلك لم يمنع دولا عربية مثل مصر من أن تحاول وبصورة فاعلة تسهيل عودة سوريا إلى تلك المنظمة الإقليمية، إذ خلال الشهر الماضي، صرح وزير الخارجية المصري بالآتي: "نأمل أن تتاح الظروف لسوريا حتى تعود للمجال العربي حتى تصبح عنصراً يدعم الأمن القومي العربي، وسنواصل اتصالاتنا مع الدول العربية لتحقيق هذا الهدف"، وهذا التصريح أطلقه الوزير المصري وهو يقف بجانب البوسعيدي في مسقط، أي إن ذلك لم يكن من قبيل المصادفة على الإطلاق.

ففي نهاية الأمر، راهنت عمان على الوضع في سوريا وكسبت هذا الرهان، وهذا ما يشرحه المحلل لوند بقوله: "بالرغم من أن العديد من الدول العربية استبقت سفاراتها في دمشق، إلا أن عمان كانت السباقة في التعامل مع حكومة نظام الأسد على أرفع المستويات".

ولكن ما الذي بوسع سوريا بعد الدمار الاقتصادي الحاصل فيها وحاجتها للتوحد من جديد أن تقدمه لعمان؟.

لا يعتقد المحلل لوند أن عمان ستحصّل مكاسب كبيرة في الوقت الراهن، ولهذا يقول: "يبدو أن سوريا نفسها ليس لديها الكثير لتقدمه لعمان في الوقت الحالي، ولكن في حال إلغاء العقوبات الغربية المفروضة عليها أو تخفيفها إلى حد كبير، وفي حال بدأت سوريا في الانتعاش على المستوى الاقتصادي، عندها يمكن للمستثمرين العمانيين أن يحظوا بالأولوية في تلك المنافسة، إلا أن هذه مجرد فرضيات في الوقت الراهن، وأشك بأن عمان تسعى وراء هذه السياسة التي ترى بأنه بوسعها أن تحقق الكثير على المستوى الاقتصادي".

كما أن عودة سوريا للجامعة العربية لم تتأكد حتى هذه اللحظة، فهي بحاجة لبعض التنازلات من قبل دمشق إلى جانب موافقة السعودية. ثم إن دولاً مثل قطر والمغرب تعارض بشدة عودة سوريا للجامعة العربية، وهذا ما دفع الأمين العام للجامعة العربية أحمد أبو الغيط ليصرح بأن هنالك "إجراءات ضرورية" لم يتم تحقيقها بعد بالنسبة لعودة سوريا للجامعة العربية.

إلا أن ذلك لم يقف في وجه موجة التطبيع مع الأسد.

فمثلاً، قام الأردن بإعادة فتح معبر نصيب الحدودي مع سوريا خلال شهر أيلول الماضي، في خطوة تعتبر بمثابة تعزيز للاقتصاد الأردني والسوري على حد سواء، فضلاً عن كونها بداية لإعادة دمج دمشق ضمن الاقتصاد العربي.

ثم لحقت البحرين بالأردن عندما عينت أول سفير لها إلى سوريا بعد مرور عقد من الزمان على انقطاع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.

وفي نهاية الأمر، تبرر عمان دورها في تطوير علاقة إيجابية مع سوريا بخروج الأسد منتصراً من الحرب بحسب رأي مسقط.

وبفضل وجود تلك الصلات التي تم تطويرها بين البلدين، أصبح بوسع مسقط أن تتباهى بأنها صاحبة الفضل الأكبر في عملية إعادة دمج سوريا ضمن الحظيرة العربية، وبالمقابل ستحظى برصيد كبير من الامتنان من قبل دمشق، إلى جانب احتمال لعبها لدور بارز في التوسط بالنسبة لعلاقات دول الخليج مع سوريا مستقبلاً.

المصدر: ميدل إيست آي