كل كبد رطبة

كل كبد رطبة

 كل كبد رطبة

تاريخ النشر: 16.01.2021 | 00:04 دمشق

كنت أهرول هربًا من أشباح الشحوم الثلاثية على ضفة نهر الماين، وأنوي شيئًا، فوجدت موظفينِ من موظفي البلدية، يرتديان الزي الرسمي، وعلى الزي الرسمي سكة البلدية، والسكة هي الطغراء، والطغراء هي الترويسة والرمز والعلامة، يعاقبان رجلا لوحته الشمس، حتى تركت سكتها في وجهه، بجناية إطعام النوارس، ويغرمانه، وكان معه أطفاله، فتوقفت عن الجري، متأسفا على الغرامة التي غرمها الرجل الطيب الذي لوحته الشمس بسكتها، وتابعت الموظفين إلى أن غابا عن نظري، ثم وجدت وافدًا ثانيًا يهمُّ بإطعام النوارس، وكان معه أطفاله أيضًا، أخرج خبزه من الكيس وبدأت النوارس تصيح وتخبر بعضها مثل الأولاد في صبيحة العيد في المقبرة، فحذرته بلغتي الألمانية العجماء، وأخبرته أن إطعام الطيور والأسماك ممنوع، وقدته إلى اللوحة التحذيرية فقرأها، وقلت إن المكان مشموس، وإن موظفي البلدية ما يزالان في الجوار، وعليه أن يحذر من غارتهما، وكانت اللوحة تقول: إن إطعام الطيور ممنوع لأنه يتسبب بانتشار الجرذان، ونقص الأوكسجين في الماء، ونمو الأشنيات والطحالب، (ويوسع خرق الأوزون ويتسبب في الصوبا الحرارية وارتفاع الماء في البحر وتآكل البر) فشكرني وأخذ بيد أحد أطفاله، فلحقه الآخرون مبتعدين.

حذّرتُ وافدًا آخر، فالألمان يعرفون القوانين في بلادهم، ويلتزمون بها، وجميع الذين يطعمون الطيور والسمك هم من الوافدين والنازحين وأبناء السبيل وفي الرقاب، وما عرفت بالقانون إلا مصادفة، وبقيت فترة في المكان لأن اليوم يوم عطلة، ويكثر زوار النهر في يوم العطلة، حتى أستنقذ من استطعت من بأس الغرامة، ثم مللت وخشيت أن أعاقب أيضًا، لأني أحرم الاقتصاد الألماني من الغلّة، ووجدت قطعة خبز ناجية من الافتراس، فنظرت حولي، ثم دفعتها بقدمي لبطة قريبة فأكلتها. شعرت بالإثم لأني دفعت الخبز الكريم بقدمي لا بيدي.

بعد أن نلت الأجر وشعرت برطوبة في كبدي، قصدت تلة قريبة مستطلعًا وباحثًا عن الموظفين، فلم أجدهما، وخشيت أن يكونا كمنا للمعتدين أو يزمعان الغارة بحاجز طيار من أجل صيد الآثمين.

لم يكن يعبد الله سوى بتلك الطريقة، طريقة جمع الخبز، وإنقاذه من سنابك السابلة، فتلك كانت عبادته لربه حتى مات

وقفت على التلة فلاح لي من الماضي البعيد طيف ابن العم، وكان يزورنا في حلب للمرة الأولى، باحثًا عن قطعة معدنية من أجل حصادة معطلة، فصحبناه في اليوم التالي إلى السوق، ونحن ننزل من العمارة، بسط يديه فجأة يمنعنا من السير، وكبح قدميه عن المشي وكأنه سيدوس على قنبلة، فتعجبنا وتوقفنا، فجثا على الأرض، وجعل يجمع فتات قطعة خبز مكسورة، استغرق وقتًا في جمعها ثم وضعها بحذاء الحائط، وتابع سيره وهو يقرعنا ويعنفنا على قلة ديننا ونقص ناموسنا، وشرفنا الذي أفسدته المدينة، ولم يكن يعبد الله سوى بتلك الطريقة، طريقة جمع الخبز، وإنقاذه من سنابك السابلة، فتلك كانت عبادته لربه حتى مات.

كبح ابن العم مسيرته وعطل السير مرتين وجثا على ركبته وركع مرة وجمع كسور الخبز، وشتم أهل المدينة المسرفين الذين يزهدون بنعم الله، ويدوسونها، وكاد أن يعارك حلبيًا اصطدم بي، والحلبيون قوم أشراس.

هم أشراف وأشراس، ولا شرف من غير شرس، أشراس مفردها شرس، ولا أعرف سبب شراستهم، لعل مرد ذلك قربهم من الأناضول، بلد النضال، ومجاورتهم لهم، بينما رقَّ الشاميون لقربهم من مصر والحجاز والله أعلم، ولا أعرف حلبيًا رقيقًا سوى وليد إخلاصي، الذي زرته مرة فوجدته يكلم أهله باللهجة الحلبية، فخفت وفكرت في الفرار، فهي لهجة وعد ووعيد، وكان يكلمنا في المقهى بلهجة شامية.

 اصطدم بنا الحلبي في الزحام، فغضب ابن العم واستوقفه وطلب منه أن يعتذر مني، وكان ابن العم قد أعجب بعلمي، فسألني مرة:

لماذا تقول الأخبار عن كبير أميركا، الرئيس، بينما تصف كبير الاتحاد السوفييتي، بالزعيم! فقلت له إن السبب هو طريقة الانتخاب، فأميركا تنتخب كبيرها بالصناديق، بينما ينتخب السوفييت كبيرهم بالتزكية من الحزب، فتسميه الأخبار بالزعيم، فأعجب بي وشكرني شكرًا كبيرًا، وقرصني من خدي، وكاد يقطعها بإصبعيه الفولاذيين فهو عامل في الحديد.

 توقف الحلبي الشرس متهيئًا للعراك مع ابن العم الأشرس، فالحلبيون قوم سريعو الغضب، وهم متهيؤون دوما للعراك، ويقال إن سبب غضبهم هو قرب حلب من تركيا، وإن بلدتي أقرب فهي لا تبعد عن الترك سوى فرسخا وابن العم أولى بالغضب من أهل حلب.

ولا أعرف هل هو ابن عم أم ابن خال، ولم أسأله ولم أسأل نفسي، فنصف أهل بلدتنا أبناء عمومة وأبناء خؤولة،

واصطدم الشرسان كأنهما جبلان، وطار من أعينهما الشرر والنيران، لكن الحلبي غيّر رأيه وقرر أن ينكسر ويتقهقر لسبب لا يخطر على بال، وهو أنه لم يستطع أن يسبر غور خصمه، ويدرك طوره، لأن ابن العم أحول ولم يستطع قراءة أخبار عينيه، فآثر السلامة، فوضعت الحرب أوزارها قبل أن تبدأ.

 توفي ابن العم بعد سنوات من موقعة الخبز المكسور، وقصدت خيمة العزاء، وعزيت أبناءه، وطلب مني ابنه الكبير أن أروي ذكرياتي معه في حلب، فأثنيت على بأسه وشجاعته، وبرّه بالأرحام، وذكرت أنه عمل لي "بودي غارد" مرة عندما زارني في حلب، وكاد أن يعارك ذلك الحلبي، وإنه كان يغار على النعمة، وقلت إن أمَّ النعم كلها هي الخبز في تقاليدنا، وذكرت أنَّه كان خبير ألغام.

 فسألني ابنه وكان أيضًا أحول: أنا أعرف أنه كان ميكانيكًا بارعًا! لكن ليس في بلادنا ألغام يا عمي، فكيف تقول إنه خبير ألغام؟!

 فقلت: كان يجمع كسرات النعمة من الأرض بأناة خبير ألغام. النعمة تنفجر يا بني، انظر كيف شحّ الخبز حتى أمسى يباع بالبطاقة الذكية، في كوة تشبه كوة تذاكر السينما بفيلم ماسح الأحذية وما ذلك إلا لأننا كفرنا بالنعمة.

 ابتسم بعض الحاضرين الذين سرّهم الوصف، أما ابنه فلم يبتسم وارتاب في أن يكون ثمة لغم تحت الأقدام، وحاول أن يفتكَّ ألغام كلماتي، وأن يفقه قصتي، ولم أعرف رضاه من غضبه، ولم أسبر غوره وأعرف طوره، فهو أحول، حولة حسن وجمال.

كان المرحوم يجمع الألغام، أقصد كسرات الخبز ويضعها بجوار حيطان البنايات حتى لا تنفجر بالمارة والسابلة من جهة، وحتى تتغذى أحجار تلك البنايات بالخبز المكسور

 قلت إنَّ المرحوم كان رفيقًا بالعمران والبنايات، وإنه ذكّرني بالرجل الصالح في سورة الكهف، الذي استضاف أهل قرية مع موسى عليه السلام فأبوا أن يضيفوهما فوجدا جدارًا يريد أن ينقض فأقامه.

 سألني ابنه: أين وجه الشبه بينهما يا عمنا.

 قلت: كان المرحوم يجمع الألغام، أقصد كسرات الخبز ويضعها بجوار حيطان البنايات حتى لا تنفجر بالمارة والسابلة من جهة، وحتى تتغذى أحجار تلك البنايات بالخبز المكسور.

 وقفت على التلة، وتذكرت عمتي التي كانت تستعجلنا في أكل البطيخ حتى تطعم بقرتها، وأبي الذي كان يطعم هرتنا قبل أن يمدَّ يده إلى الطعام، فنقول لعمتي: كأنك تحبيَّن بقرتك أكثر منا يا عمتي. ورأيت الرجلين اللذين حذرتهما من الغرامة قد قصدا خليجًا نهريًا من خلجان الماين، وطفقا يطعمان النوارس من جديد، تلفّتُ حولي واستأمنت، فأخرجت كيسي، وأخرجت ما به من خبز واتجهت إلى النهر، فحرام أن أهدر هذا الخبز وأرميه، يقطع الله يدي إن رميت الخبز، وشعبي جائع وممنوع عن الخبز، وأولى به هذه الطيور الجائعة، ففي كل كبد رطبة أجر.

كلمات مفتاحية
مقالات مقترحة
روسيا تنفي علاقتها بنشر معلومات مضللة حول لقاحات كورونا الغربية
إصابة واحدة و80 حالة شفاء من فيروس كورونا شمال غربي سوريا
كورونا.. 5 وفيات و56 إصابة جديدة في مناطق سيطرة "النظام"