icon
التغطية الحية

"كل شيء" ما زال حاضراً.. ناجون يستعيدون ليلة كيماوي الغوطة

2026.08.21 | 04:48 دمشق

"كل شيء" ما زال حاضراً.. ناجون يستعيدون ليلة كيماوي الغوطة
"كل شيء" ما زال حاضراً.. ناجون يستعيدون ليلة كيماوي الغوطة
تلفزيون سوريا - دمشق
+A
حجم الخط
-A

بعد 13 عاماً، لا تزال ليلة الهجوم الكيميائي على الغوطة الشرقية حاضرة في ذاكرة محمد الجزائري كأنها لم تنتهِ.

كان يومها صحفياً وناشطاً إعلامياً يحمل كاميرته لتوثيق ما يجري، قبل أن يضعها في صندوق السيارة ويتحول إلى مسعف، يتنقل بين الشوارع والبيوت بحثاً عن مصابين لا يزال في أجسادهم نبض.

حين يستعيد الجزائري تلك الساعات اليوم، لا تبقى الذكريات بالنسبة إليه مجرد صور من الماضي.

"أشعر بالتوتر، بالرجفة، بغصة في القلب، حتى يداي ترجفان"، يقول لموقع تلفزيون سوريا، واصفاً المجزرة بأنها "ذكرى لا تنسى.. ثقب أسود في الذاكرة".

ومن بين الوجوه الكثيرة التي عبرت تلك الليلة، بقي وجه شابة في العشرينيات وطفل لم يتجاوز عامه الأول حاضرين في ذاكرته أكثر من غيرهما.

صواريخ لم يُسمع انفجارها

في 21 آب/أغسطس 2013، تعرضت مناطق في الغوطة الشرقية بريف دمشق، بينها زملكا وعين ترما، لهجوم بالأسلحة الكيميائية نفذه نظام الأسد المخلوع.

وخلصت بعثة الأمم المتحدة للتحقيق إلى وجود "أدلة واضحة ومقنعة" على استخدام صواريخ أرض-أرض تحمل غاز السارين ضد المدنيين، مؤكدة وقوع أعداد كبيرة من الضحايا.

لكن خلف الأرقام والتقارير، بقيت ذاكرة من عاشوا تلك الساعات تحمل تفاصيل مختلفة.

كان الجزائري موجوداً في سقبا ويتابع الأخبار بحكم عمله الإعلامي عندما سمع أصواتاً لم تكن مألوفة لسكان المنطقة.

يتذكر "صوت صواريخ لها صفارة غريبة"، لكن من دون أن يعقبها صوت انفجار.

بعد وقت قصير، بدأت الرسائل تتوالى عبر المجموعات الإخبارية بين الناشطين: حديث عن هجوم بمواد كيميائية في زملكا وعين ترما.

ولم يكن الجزائري وحده من لاحظ ذلك.

في حمورية، كان الناشط الإعلامي محمد ربيع آمنة، المعروف باسم "أبو شيركو"، مع مجموعة من أصدقائه بعد يوم طويل من توثيق القصف والضحايا.

قرابة الثانية فجراً، بدأت الأخبار تصل إليهم عن سقوط صواريخ في منطقة الزينية بين زملكا وعين ترما، من دون سماع انفجارات، قبل أن تنتشر روائح غريبة في المنطقة.

يقول أبو شيركو إن الناس لم يكونوا يعرفون بدايةً ما الذي يحدث. انتشرت دعوات لإشعال إطارات السيارات في الشوارع، اعتقاداً بأن الدخان قد يساعد على إبعاد الروائح، قبل أن يبدأ عاملون في النقاط الطبية بالتحذير من احتمال وقوع هجوم كيميائي. عندها، تحولت السيارات المدنية إلى سيارات إسعاف، "ذهبنا إلى المكان على الفور"، يقول أبو شيركو.

حين وضعت الكاميرا جانباً

في سقبا، اتجه الجزائري إلى النقطة الطبية القريبة من منزله.

كانت حالة الاستنفار في بدايتها حين وصلت سيارة تحمل عائلة تبحث عن مكان لإسعاف أفرادها. لم تكن النقطة مجهزة للتعامل مع حالات التعرض للمواد الكيميائية، فطُلب من العائلة التوجه إلى مشفى في حمورية، وقرر الجزائري مرافقتها.

كان رجل مسن يحتضن طفلة في نحو العاشرة من عمرها، ويكرر طوال الطريق: "بسرعة أسعفني.. بسرعة أسعفنا".

أما الطفلة، فكانت تسأله مراراً: "جدي، ألم نمر للتو من هذا الطريق؟".

حينها بدأ الجزائري يدرك أن ما يحدث ليس إصابة عادية.

بعد إيصال العائلة إلى المشفى، التقى بصديقه عمر أبو عاصم. حملا الكاميرا وانطلقا باتجاه عين ترما لتوثيق الهجوم.

لكن المهمة تغيرت في الطريق.

كلما اقتربا من زملكا، بدأت تظهر أمامهما مشاهد لم يسبق لهما التعامل معها. أشخاص يمشون في الشوارع وهم في حالة تيه، آخرون يكررون الكلمات نفسها، وبعضهم لا يستجيب لمن يحاول مساعدته.

يقول الجزائري: "شعرت في تلك اللحظة أنني انتقلت من الواقع إلى الخيال.. إلى فيلم رعب".

ومع تزايد أعداد المصابين، لم يعد حمل الكاميرا بالنسبة إليه ممكناً.

"شعرت، كإنسان، أن دوري كإعلامي لم يعد هنا، والتصوير لم يعد أولوية".

وضع الكاميرا في صندوق السيارة.

ومن تلك اللحظة، تحولت سيارته إلى سيارة إسعاف.

طفل مات بين الطريق والمشفى

في الطرف الآخر من الغوطة، كان أبو شيركو يعيش المشهد نفسه.

عندما وصل مع مجموعة من الشبان إلى المنطقة المستهدفة، كانت النداءات تطلب من كل قادر على الحركة المساعدة في إخراج الناس من الأبنية.

صعدوا إلى المنازل.

وجدوا أشخاصاً على الأدراج، وآخرين في غرفهم وأماكن نومهم. بعضهم كان لا يزال يتنفس، وبعضهم لم يعد يتحرك.

كان أول شخص حمله أبو شيركو طفلاً.

يتذكر أن صدره كان يرتفع وينخفض بصعوبة شديدة، وأنه كان شبه فاقد للوعي.

حمله باتجاه المشفى.

لكن الطفل فارق الحياة قبل أن يصل إليه.

لم يكن لدى أبو شيركو وقت ليستوعب ما حدث. عاد إلى نقل مصابين آخرين، قبل أن تبدأ الدوخة بالتسلل إليه هو نفسه.

بعد نحو ساعة ونصف من عمليات الإنقاذ، فقد وعيه.

وحين فتح عينيه لفترة قصيرة، كان داخل نقطة طبية في حمورية.

هناك رأى مشهداً يقول إنه لم يغادر ذاكرته منذ ذلك الوقت: جثامين رجال ونساء وأطفال وُضعت في هنغار قرب النقطة الطبية، بعدما امتلأت المراكز بالمصابين والضحايا.

ثم فقد وعيه مرة أخرى.

البحث عن نبض بين البيوت

في تلك الأثناء، واصل الجزائري وعمر نقل المصابين بسيارتهما.

كانا يتوقفان كلما سمعا نداءً، يحملان من يستطيعان حمله إلى السيارة، ينقلانه إلى نقطة طبية، ثم يعودان من جديد.

ومع مرور الساعات وازدياد عدد المتطوعين في الشوارع، تغيرت مهمتهما.

لم يعد المصابون في الطرقات وحدها.

بدأ الاثنان يدخلان المنازل بحثاً عن أشخاص قد يكونون ما زالوا على قيد الحياة.

في البداية كانا يحملان كل من يجدانه، لكن كثرة الضحايا جعلتهما يبحثان أولاً عن النبض.

على الأدراج، وفي غرف النوم وداخل البيوت، كانا يجدان أشخاصاً فارقوا الحياة قبل أن يعرفوا حتى ما الذي جرى خارج منازلهم.

ومن بين تلك البيوت، بقي منزل واحد عالقاً في ذاكرة الجزائري.

كان باب إحدى الشقق مغلقاً. طرقاه وضرباه مرات حتى تمكنا من فتحه.

في الداخل، كان هناك 11 شخصاً، راحا يتفقدانهم واحداً تلو الآخر.

وصل الجزائري إلى شابة يقدر عمرها بنحو 23 عاماً، كانت على الأرض في وضع يشبه السجود، رفع جسدها بحثاً عن نبض، وعندها اكتشف طفلاً صغيراً بين ذراعيها، لم يتجاوز عمره عاماً واحداً.

"عندما رفعت الشابة، شعرت أن الطفل أخذ نفساً. شعرت أن روحه كانت تخرج ثم توقفت وعادت".

حمل الشابة على كتفه، وأمسك الطفل بيده الأخرى، وانطلق مع صديقه إلى السيارة.

لم يجدا أحداً آخر حياً داخل المنزل.

يد على المقود وأخرى تبحث عن نبض

ظل الجزائري طوال الطريق يحاول التأكد من أن الشابة ما زالت حية.

كان يقود بيد، ويمد الأخرى بين المقعدين ليتحسس نبضها.

لكن المشافي كانت ممتلئة، وبعضها لم يعد قادراً على استقبال مزيد من المصابين، فاضطرا إلى التنقل بحثاً عن مكان يستقبلها.

عند ساحة الجمعية، شعر بأن نبضها توقف.

"شعرت بأن نبضها توقف، وشعرت أنا أيضاً بأن قلبي توقف، رغم أنني لم أكن أعرف من تكون".

وصل بها أخيراً إلى أحد المشافي، وحملها مجدداً على كتفه والطفل بيده الأخرى.

هناك عرف أنها فارقت الحياة.

أما الطفل فكان لا يزال يظهر بعض علامات الحياة. حاول الطبيب إنعاشه لبعض الوقت، قبل أن يتوقف.

يقول الجزائري إن موت الطفل بقي من أكثر مشاهد تلك الليلة تأثيراً فيه.

"لا أعرف لماذا شعرت بأنه روح بريئة جداً، شخص لا ذنب له، لكنه كان ضحية لهذا الإجرام".

ومع ذلك، عاد إلى السيارة.

كان لا يزال يعتقد أن هناك شخصاً آخر يمكن إنقاذه.

حين صار المسعفون مصابين

مع اقتراب الصباح، لم تعد آثار الغاز تحيط بالضحايا وحدهم.

كان أبو شيركو قد أصبح مصاباً، والجزائري وصديقه عمر بدآ بدورهما يشعران بأعراض التعرض.

في إحدى المناطق، اقترب الجزائري وعمر من جسم غريب ملقى على الأرض، قبل أن يكتشفا أنه من بقايا أحد الصواريخ التي حملت المادة الكيميائية.

يتذكر الجزائري أن عمر بدأ يصرخ، ثم بدأت الرؤية تضطرب أمامهما.

"بدأت عيناي ترتجفان، وأصبح جسدي كله يرتجف".

حاولا غسل وجهيهما بالماء واستخدام ما كان متوفراً لديهما، ثم ركبا السيارة للعودة إلى سقبا.

كانت الساعة تقترب من السابعة والربع صباحاً.

لكن الرؤية لم تعد طبيعية.

قاد الجزائري السيارة بصعوبة حتى وصل إلى مشفى سقبا، حيث تلقى العلاج.

ناجٍ في زملكا

عاد الجزائري إلى المنزل منهكاً، طلب من عائلته ألا يتحدث إليه أحد، لكن بعد ساعات، جاءت إحدى قريباته تطلب مساعدته في البحث عن ابنها في زملكا.

كان يعرف ما رآه هناك، ويعرف أن احتمال العثور عليه حياً لم يكن كبيراً، لكنه لم يقل لها شيئاً.

رافقها إلى المنطقة، وهناك، وسط كل ما رآه من موت، حدث ما لم يكن يتوقعه.

وجدوا ابنها حياً.

بحسب الجزائري، كان الشاب قد سمع أن الهجوم كيميائي، فاحتمى داخل الحمام وأغلق النوافذ مستخدماً ما توفر أمامه، وبقي هناك حتى شعر بأن الخطر بدأ ينحسر.

كانت نجاته واحدة من اللحظات القليلة التي حملت شيئاً من الأمل في ذلك اليوم.

آثار لم تنته مع انتهاء الليلة

لم تنتهِ إصابة الجزائري عند خروجه من المشفى.

يقول إنه بقي قرابة شهر عاجزاً عن تحمل الضوء أو النظر إلى شاشة الهاتف والكمبيوتر.

ومع ذلك، حاول مواصلة عمله الإعلامي. كانت شقيقته تساعده في قراءة الرسائل والأسئلة، بينما كان يشارك صوتياً كلما استطاع.

أما أبو شيركو، فيقول إنه بقي قرابة 20 يوماً في غرفة مظلمة بسبب تأثر عينيه.

ومرت السنوات.

لكن تلك الليلة لم تتحول بالنسبة إليهما إلى ذكرى بعيدة.

"كل شيء"

بعد 13 عاماً، يقول أبو شيركو إن أكثر ما يؤلمه هو أن تتحول ذكرى الضحايا إلى مادة للإنكار أو السخرية.

"أريد من الناس الذين لم يعيشوا هذا الموقف أن يدركوا، ولو من خلال السماع، حجم المعاناة التي تعرضنا لها في واحدة من أكثر جرائم القرن بشاعة".

أما الجزائري، فيقول إن كثيراً من الأحداث التي عاشها خلال سنوات الحرب لم تعد قادرة على هزه كما في السابق.

إلا مجزرة الكيماوي.

"مهما رأيت نفسي قوياً وأتمتع ببرودة أعصاب، لا يوجد شيء يؤثر فيّ أو يهزني عاطفياً مثل موضوع الهجوم الكيميائي".

ثم يضيف: "هي الوحيدة التي تؤثر فيّ، وأنهار بصراحة عندما أعود للحديث عنها".

لا يريد الجزائري لشهادته أن تبقى مجرد ذكرى شخصية. يريد لمن لم يكن في الغوطة في تلك الليلة أن يعرف ماذا حدث داخل المنازل والشوارع والمشافي.

وحين يُسأل بعد كل هذه السنوات عن المشهد الذي لم يستطع نسيانه، لا يختار الطفل، ولا الشابة التي حملها، ولا البيوت، ولا الجثامين، ولا الطريق إلى المشفى.

كلها بقيت معه.

الوجوه، والأطفال، والطرقات، والخوف، ومحاولات الإنقاذ التي لم تصل في الوقت المناسب.

ثم يختصر 13 عاماً من الذاكرة بكلمتين:

"كل شيء".