كلمة السرِّ: حج حجيك

تاريخ النشر: 20.03.2021 | 06:29 دمشق

صافحه صاحبه على عجل، وهمس في أذنه قائلًا: لا تعد إلى البيت، إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين.

توقف، وتفكّر في الأمر، واشترى حاجاته من السوق، وقصد الدار غير مكترث، وكان عود حزب البعث قد اشتد، وعزم على تنظيف الجسم السوري من كل ما يجعله صحيحًا معافى.

عاد إلى البيت حذرًا، وكان في إجازة عسكرية، وأشرف على جائزة التسريح والعتق، فلم يبق له من الخدمة سوى ثلاثة أسابيع، وهو يضرب أخماسًا بأسداس، فهو لم يقترف إثمًا، إنه ليس سوى معارض ثقافي، وكان يدرك أنَّ النظام عملاق أعمى.

لم يطل به المقام في الدار، حتى سمع طرقًا على الباب، فاضطرب فؤاده ووثب فزعًا، وأرسل والده لفتح الباب، بعد أن بسّط له الأمر، فوجد غريبين، سألاه عن ابنه، وزعما أنَّ لهما أخًا، وهو لابنه زميلٌ في العسكرية، ويريدان أن يرسلا معه أمتعة وحاجيات، خدعة جيدة، فاعتذر والده عن غيابه، وأنه سيعود، فسأله أحدهما إن كان يعرف مكانه، ومتى سيعود، فتجاهل الوالد، وما إن غاب الغريبان، حتى أرسل أخته لاستئناس الطريق، من رأسه والذيل، ولا يشعرنَّ بها أحد، فخرجت وعادت، وقالت إنها وجدت أنفارًا غرباء في زوايا الشارع من الطرفين، الشارع محاط ومحاصر، فلبس ثيابه، وتسلل من فوق سطوح الجيران الطينية، وهي سطوح متلاصقة، حتى نفذ خارج الحي، نزل في بيت أحد الجيران في الجهة الأخرى، وقصد صديقًا له، لديه دراجة نارية، في حي الهلالية،  وطلب منه أن يبلّغه حيًا في أقصى المدينة، فأردفه خلفه، ترجل قبل الوصول إلى غايته، وودع الرجل الذي استغرب أن ينزل في تلك المفازة القاحلة، مشى حتى وصل إلى بيت صاحب له، وأخبره بالخبر.

في اليوم التالي زاره والده في ضاحية المدينة، ومعه مهرّب عتيق متقاعد، كنيته مار ماروك، بعد أن قلّت المنافذ إلى الحدود التركية ومضى عهد التهريب

رحّب به مضيفه، ومكث عنده أيامًا، زاره فيها والداه وأهله، سأل أهله أن يقصّوا أمر الزوار، فلعلها ريبة مفرطة. جاء الأنفار الغرباء مرة ثانية، قال لهم والده: أودعوا الأمتعة التي تريدون إرسالها، ففعلوا، واستودعوه حقيبة قديمة، دعاهما إلى الشاي، فدخلوا متجسسين، يتلصصون تلصص الذئاب، وتظهر مسدساتهم نافرة من تحت الثياب، ثبت هلال رمضان، وعندما غادر الغادرون، فتح الأهل الحقيبة الأمانة العتيقة، فوجدوا كنزة وبنطلونًا، غير متناسبي القياس، فكان برهانًا على المكيدة وآية، فالأهل يرسلون الطعام إلى أبنائهم، أو الهدايا للضباط، إنها خدعة. بعد يومين، ووجدوا سيارة الغريبين في إحدى محلات تصليح السيارات، فعلموا أنهم فرقة قتل أو اعتقال، وقد استأجروا غرفتين في فندق المدينة الوحيد، ويتحدثون بلهجة أهل الماء.

في اليوم التالي زاره والده في ضاحية المدينة، ومعه مهرّب عتيق متقاعد، كنيته مار ماروك، بعد أن قلّت المنافذ إلى الحدود التركية ومضى عهد التهريب، كان مار ماروك قد أعدَّ ثيابًا بدوية، فلبسها، وأمره أن يرتدف خلفه، سينفذ به إلى تركيا، أصرّت أمه على صحبته لوداعه، فارتدفت خلفهما، وصلا بعد ساعة إلى نقطة حدودية، قال له ماروك بعد أن ظهر طيف حارس الحدود المسلح: اشترينا اليوم هذه الثغرة. استقبله عنصر الحرس التركي، تبادلوا التلويحات من وراء السياج، وودّع مهرب التبوغ القديم الذي أخبره أن ثمة من سينتظره على الطرف الآخر، نظر إلى السماء وقال: كلمة السر هي: حج حجيك. بكت أمه وأطلقت عقيرتها بحداء حزين، أمهات الكرد ينشدن مواويل الثكالى الحزينة التي تحضُّ على الصبر وتندب الراحلين. قبّل يدها وعانقته، وما كان نفسًا بالفراق تطيب.

عبر ثغرة في السياج الشائك، وسلم على الحارس في البرج، الذي نزل وصافحه ودلّه على الطريق، وعلم أنه نجا من القوم الظالمين، لم يكن حال تركيا حسنًا، فقد وقع انقلاب كنعان إيفرين منذ أيام، والشرطة تجوب الطرقات، والجندرمة في استنفار، مرّ بعمال يقطفون القطن فسلّم عليهم، هم أكراد مثله، مرّ بفلاحين كثير، سلم عليه أحدهم، وقال وهو ينظر إلى السماء: حج حجيك.

هذا هو صاحبه السنونو المنتظر إذًا!

 أخبره أنه مكلف بخفارته وإبلاغه مأمنه، كان معه ثلاثة عناوين في نصيبين، ركبا دراجة نارية، وعبرا طرقًا ترابية، ووصلا إلى البيت الموصوف، دقّا على الباب، فلم يجدا أحدًا في العنوان الأول، وكذلك في العنوانين الآخرين، لا بد أن كل واحد منهم في شأن.

 فلم يجد بدًا من أن يقصد أقاربه، وكان يريد أن يخفي أمره عليهم، خشية أن ينكشف، وتعرف السلطات التركية بأمره، وقد تسلّمه إلى السلطات السورية بمبادلات سياسية أو صفقات أمنيّة، فقصد السوق وسأل عن قريب له، فدلّوه عليه، ووجد ابن عم له على باب دكانة لبن، فعرّفه بنفسه، فنهض يعانقه وأخذه إلى الدار، وجمع له أهله على الطرف الآخر من الحدود، قال كبير العائلة: لن ترى سوريا بعد الآن، وسنجعلك تركيًا، سنبحث لك عن قيد في سجلاتنا، لنا قريب موظف في النفوس، وسنستشيره في أمرك.

اتصلوا به، فوافق على تسجيله باسم عائلته، ولكن اشترط عليه أمرًا، وهو أن يتجنب أمرين: الإعلام والتجارة الكبيرة، حتى لا ينقّبوا عن أمره، فوافق، بعد أسبوع كان محمد نعمان قد صار رجلًا آخر اسمه، علي الماظ، ومواطنًا تركيًا لا يعرف التركية، بعد شهرين جاءه تبليغ الخدمة العسكرية، فالتحق بها، وفي الجيش عساكر من الريف البعيد لا يعرفون التركية، فحسبوه  كذلك، انتهى من خدمة الجيش، ثم التحق بالمدرسة الابتدائية،  والإعدادية، ثم الثانوية، فحصل على الشهادات الثلاث في ثلاث سنوات، ثم التحق بنفس الكلية التي تخرّج منها في سوريا، وهي الرياضيات، فتخرج منها بسهولة من غير جهد، ثم وجد وظيفة في البلدية، فاستقر وطابت له الحياة.

بعد ثلاثين سنة، وقعت موجة نزوح سورية كبيرة، فعمل الكونت دي مونت كريستو السوري في خدمة النازحين وإيوائهم في البيوت الفارغة

قال لأهله: الحياة شاقة بنصف دين فعرضوا عليه البنات، حتى طابت له واحدة، فتزوجها، واكتمل دينه، وأنعم الله عليه بالزينتين: المال والبنون. بعد ثلاثين سنة، وقعت موجة نزوح سورية كبيرة، فعمل الكونت دي مونت كريستو السوري في خدمة النازحين وإيوائهم في البيوت الفارغة، حتى امتلأت بيوت نصيبين وما حولها، وكان يعدُّ بيتًا لتزويج أكبر أبنائه، وهو عائد إلى داره في الطريق وجد عائلة نازحة، اقترب منه رجل شاب شعره وقال له: حج حجيك.

فوجئ، ووجد في غبار السنين وجه صاحبه المهرب القديم: مار ماروك ... أهلًا وسهلًا.

تعانقا، وأخذ بيد صاحبه الذي هرّبه خارج البلاد، وصلوا إلى بيت العريس الجديد الذي لم يسكن بعد، أعطاه مفتاح الدار، وخرج لإعداد الطعام، وهو يتفكر في كلمة السرّ ومعناها، وكان قد اختارها ضيفه عفو الخاطر، تيمنًا بالعودة، فالسنونو طائر يحجّ ويعود إلى عشّه، أول منزل.

"الصحة السورية" تطالب المواطنين بالحذر من سلالة "أوميكرون"
22 دولة تغلق حدودها خوفاً من انتشار سلالة "أوميكرون"
بسبب "أوميكرون".. المغرب يعلق رحلات المسافرين إليه لمدة أسبوعين
بين عالَمين
الرحلة الجوية الأولى لـ "أجنحة الشام" بين مطاري دمشق وأبو ظبي
فرنسا: عودة نظام الأسد إلى الجامعة العربية تقوّض العلاقة مع الاتحاد الأوروبي