كفرناحوم.. ثنائيات التناقض

كفرناحوم.. ثنائيات التناقض

الصورة
06 آذار 2019

في أغلب المهرجانات السينمائية التي حضرتها العام المنصرم، كان فيلم " كفرناحوم" للبنانية نادين لبكي مُدرجاً ضمن العروض، ولم يكن مفاجئاً أبداً وصول هذا العمل بتركيبته المتنوعة إلى الخطوط الأولى في منافسات عالمية عديدة، وبقدر الجدل الذي أحدثه هذا الفيلم عند المتلقين في صالات السينما أو مؤخراً حين تمَّ نشرُه منذ أيام على موقع اليوتيوب، فإن الرسائل المركَّبة التي حَملها الفيلم معه ضمن دوائر متعددة للشخصيات يضعنا بشكل مباشر أمام مقطع عرضي للمدينة العربية.

المدينة العربية التي يفصِلُ بين طبقات الناس فيها خطوطٌ وهمية لا يمكن مسكها باليد، لكنها تفتح ذراعيها عبر المشاهد الأولى من كفرناحوم وكأنها تسحبُ المشاهد نحو طبقات جهنَّم كما صوَّرها المعري في رسالته أو دانتي في العتبة الأولى من الكوميديا الإلهية، المَشاهِدُ الأولى التي تضعُ أساساً لبنية السرد الروائي عبر الأطفال الذين يحملون السلاح أو تلك الخادمات القادمات من خلف الحدود البعيدة لتفتح الأبواب بعد ذلك مع عبارة " افتتحت الجلسة" على لسان القاضي.

تدور الكاميرا في أحياء تشبه العشوائيات لكنها ليست عشوائيات كتلك الواقعة  في قلب أحياء العاصمة المصرية القاهرة أو على أطراف الدار البيضاء في المملكة المغربية، إنها خليط متجانس في سعيِه لعَيشِ اللحظة الآنية بعيداً عن التفكير بالمستقبل القريب أو البعيد، خليطٌ مُنقطِعٌ عن ماضيه، مُشتَبِكٌ مع حاضِره التي تصنعه الصدفة، بين كل هذا تضع نادين لبكي كاميرتها الأولى في بيت عائلة لا يستطيع المتلقي إحصاء عدد الأطفال فيها، لكنه –المشاهد- يستطيع تلمُّسَ آلام كل فردٍ وطموحه الشخصي في تلك الجغرافيا المُلتَبِسة التي تقتربُ في بداية بناء الحكاية من انهيار النص وانتصار المشهدية على صورة جحيم روميو كاستلوتشي في غرائبيَّتِه.

زين بطل الحكاية وحاملها، طفل يبدو في الثانية عشرة من عمره بحسب تقديرات الطب الشرعي لكنه ككل أطفال ذلك الجحيم يحمِلُ بين كتفيه أطناناً من الهموم التي يسعى للتعامل معها يومياً من خلال حالة التمرد التي يحاول إبرازها في ظل سيطرة النظام البطرياركي بأبويَّتِه الكُليَّة على المشهد، هذا النظام الذي بنته لبكي هرمياً يبدأ بالأب والأم وينتهي فيهما، فمنهما تنطلق عقدة حكاية الترغيب والترهيب التي يعيشها زين في ظل محاولاته العديدة لرأب الصدع المكشوف للعيان بين حنايا الأسرة التي يقبعُ كثيرٌ من أطرافها في السجون، ليكون السجن الذي تسيطر عليه قوات الدرك مرادفاً رمزياً للحياة التي تدورُ بها أشهر زين اللاحقة لخروجه من المنزل بعد زواج أخته الطفلة.

الحياةُ التي تُغلِقُ أبوابها في بيت العائلة تبدأ تفتح للطفل الهارب جسوراً من التواصل مع عوالمَ أخرى تُشبِه

العناية بالتفاصيل في فيلم كفرناحوم لا تتوقف عند بناء سردي مُحكَم لحكاية تتشعَّب بطريقة التشظِّي الحر، وإنما تتعدّى ذلك للخوض مشهدياً بالقاع نحو الأقصى من خلال إبرازِه.

مآلاتِه الشخصية، ليلتقي بالخادمة الأثيوبية وابنها الصغير "يونس" التي تنقلنا بدورها لعالم غُرف الصفيح حيث ترافق الكاميرا تلكَ الدوائر التي تصغُر وتكبُر كاشفةً قاع المجتمع ومُسقِطَةً قناعَهُ، بانيةً أذرعها مع مصائر الشخصيات التي تبدو هامشية لكنها تتحول للمتن في مشهد الحكي المتتابع لتتصل بشكل مباشر مع مصير زين الذي يعود إلى غرفة أهله باحثاً عن أي ورقةٍ تُثبِت هويَّتهُ بعد أن قرر عبور البحر –كَسُوري- نحو الضفة الأخرى من الجحيم، ليكتشف في عودته موت أخته التي تزوَّجَت في سن الطفولة المُبكِرة، هكذا تطوف الحكاية بالصبي نحو السجن مآلاً بعد أن طعَن نسيبَه.

العناية بالتفاصيل في فيلم كفرناحوم لا تتوقف عند بناء سردي مُحكَم لحكاية تتشعَّب بطريقة التشظِّي الحر، وإنما تتعدّى ذلك للخوض مشهدياً بالقاع نحو الأقصى من خلال إبرازِه، لذلك يمكن تناول فيلم كفرناحوم عبر مستويَين، الأول أفقي يتناول حالة التشظي للمكان وتكسّره والثاني عمودي يغوص عميقاً في النفس البشرية بشكل عفوي وعبثي معاً ليعرض محاولات هذه النفس التمرد على

في كفرناحوم ينتصرُ الأبطال ويخسرون في آنٍ معاً، ثنائياتٌ تجتمع مع بعضها البعض في حالة تناظر مخيفة

القدر واتجاهاته، ليتقاطع العمودي والأفقي بمشهدية غلَبَت عليها الصدقية العالية والعفوية التي وضعت المتلقي وجهاً لوجه مع ما حدَثَ ويحدث بقالبٍ يميل تارةً للكوميديا السوداء وأطواراً كثيرة إلى تراجيديا الشارع.

في كفرناحوم ينتصرُ الأبطال ويخسرون في آنٍ معاً، ثنائياتٌ تجتمع مع بعضها البعض في حالة تناظر مخيفة. "الصدق، الكذب"، "العدل، الظلم"، "القوة، الضعف"، "الفرح، الحزن"، "الخسارة، النصر"، إنها خلطةٌ أجادتها نادين لبكي  وفريق العمل رغم بعض النقاط التي يمكن التوسُّع بها من حيث الحكاية كدَور المحامية التي اقتصرَت على ظهور قصير وكان بالإمكان لو فرَدَت لها مساحات أوسع تعطي المشاهد تبريراً لحالة الانسجام التام بينها وبين الطفل من حيث الموقف، إلى جانب الحياة في سجن رومية للأحداث، هذا العالم المفتوح على شبَّاك الحكايات الواسع لقصصٍ لا تنتهي لإغلاق حالة التناظر بين زين بطل فيلم كفرناحوم وأقرانِه في مجتمع يتعرَّضُ يومياً للتصدُّع ويقاومُ الانهيار.

 

شارك برأيك