"كعب أخيل" واستطالة المأساة السورية

تاريخ النشر: 01.02.2021 | 00:04 دمشق

يحتاج الغوص في غياهب وتعقيدات القضية السورية، وما حملته من مواجع للشعب السوري، وانكشاف هشاشة القوانين الدولية الناظمة والضامنة لحقوق الإنسان على كوكبنا إلى مراكز بحوث متخصصة بمختلف ميادين المعرفة السياسية والعسكرية والاجتماعية والنفسية، للوقوف على عشرات وربما مئات الأسباب الذاتية والموضوعية، التي أدت إلى استطالة تلك القضية، وتأخُر وصولها إلى نهاياتها مظفرة كانت أم غير ذلك.

لم يعد كافياً أن نقول إن التدخل الإيراني- الروسي، ودعمه للنظام المجرم قد ساهم باستطالة القضية السورية ومواجعها ومآسيها؛ وهو وراء تأخر انتصار ثورة سوريا. ولا سياسة "التحكم عن بعد" الأميركية، وتهديداتها الخلبية جعلت الأسد يتفرعن دون قلق حقيقي. ولا بحث إسرائيل عن البديل المناسب لها، وحماية تلك المنظومة المزايدة زادت في صلفها. ولا تقصير الشعوب العربية وخديعتها بالنظام أو بؤسها على يد حكامها، جعلت النظام يتغوّل أكثر بدماء السوريين.

كل تلك الأسباب مجتمعة فاقمت المأساة وأمدّت بعمرها الكارثي؛ إلا أنها جميعاً تدور حول قطب رحىً واحد. حتى حصر أسباب الاستطالة الموجعة لهذه القضية، وتأخر انتصارها أو انكسارها الصريح بأسباب وعوامل ذاتية وأخرى موضوعية، حسب المقاربات أو المنهجيات البحثية التقليدية، لا يوصل إلى سر هذه الاستطالة. هناك "كعب أخيل"؛ هناك نقطة ارتكاز لهذا البناء التراجيدي؛ ولا بد من الوصول إلى هذه الخلاصة؛ ليكون الخلاص.

لم ترتقِ المعارضة/ مؤسسات وأفراد/ إلى قضية بهذا النبل والمأساوية، وهو سبب جوهري في استطالة الأزمة

وقبل الدخول في تفصيلات "كعب أخيل"، وقبل المسارعة إلى الانضمام لموجة الهجوم الجارفة على ما يُسمى المعارضة أو أولئك الموجودين رسميًا في مؤسساتها؛ أقول، نعم، لم ترتقِ المعارضة/ مؤسسات وأفراد/ إلى قضية بهذا النبل والمأساوية، وهو سبب جوهري في استطالة الأزمة. انتفاضة سوريا تستحق أفضل من أولئك الذين تصدوا لتمثيلها؛ ولكن ذلك يبقى عاملاً ثانوياً جداً في استطالة المأساة؛ وهكذا هجوم عليها لا يسرّع نصراً، ولا يهزم استبداداً، ولا يوقظ مجتمعاً دولياً مُخدَّراً، ولا ينقذ سوريا من مأساتها.

كل شيء في سوريا الأسد يتمركز ويخص ويدور ويتمحور ويرتبط برأس المنظومة. ليس هناك مؤسسة صاحبة قرار ليتم شيء في سوريا عبرها؛ وما من مجموعة أو فئة أو حكومة أو وزارة أو شخص آخر يستطيع أن يسمح أو يوافق أو يقرر أي أمر عسكري أو سياسي أو إداري أو تشريعي أو قضائي أو اقتصادي أو حتى اجتماعي إلا "هو". إنه- كما كان أبوه من قبله- الحاكم الآمر الناهي الواهب الحارم السامح المانع الرابط الفاكك الرازق المفقر الواصل القاطع الذاكر الكاتم الفاضح الساتر. وهو "المرشّح للرئاسة، حتى ولو كان "مشرشحاً". هو سوريا الأسد؛ وكل أمر يتعلق بذلك يدور في هذا الفلك وحوله وفيه ومنه.

عبره دخلت ميليشيات إيران وروسيا إلى سوريا؛ ومن خلاله تحقق مصالحها؛ ولا تبقى أو تخرج إلا بالتنسيق معه؛ فهي حمايته وهو ضمانها. أميركا تتحدث عن تغيير سلوكه، لا تغييره. (لا أدري مدى دقة الكلام، إلا أن هناك من يقول بأنه لم يغب يوماً عن عين أميركا). حتى القرارات الدولية الخاصة بسوريا، والتي تتحدث عن انتقال سياسي، لا تتحدث عن إزاحته؛ وكأن من صمم تلك القرارات يعرف أنه لا "انتقال سياسياً" دون إزاحته؛ ومن هناك يأتي استعصاء "الحل السياسي" وعبثية التفاوض. لجولات وجولات دُعي السوريون للتفاوض، وكان خارج المعادلات. حتى وفده إلى الدستورية، لم تُطلق عليه صفة أكثر من "الوفد المنسجمة رؤيته مع رؤية الحكومة السورية"؛ أي "هو".

وبالعودة للقرارات الدولية، نلحظ أن لا ذكر لمصير بشار الأسد في قرارات صُمَمَت لتكون بلا أنياب. لم يعد كافياً أن نقول إن التدخل الروسي والإيراني بطبيعتهما الدكتاتورية التوسعية وتشابههما وانسجامهما مع المنظومة الحاكمة في سوريا كانا فقط وراء استطالة الأزمة السورية. يوجد شخص وكل شيء يدور حوله؛ إنه نقطة الارتكاز التي إذا ذهب ذهبت. حتى عندما تقدم بعض الدول وبعض المؤسسات أنفسها كجهات حريصة على إيجاد حل للقضية السورية- وعند ذكر الخلاص من رأس النظام لأنه يشكل قطب رحى المأساة- فتسمع على الفور روايات خراب العراق، عندما أُزيح صدام، واستمرار علل اليمن وليبيا. وأن المشكلة بمن حول الرئيس وليست فيه؛ وبغياب البديل.

أبشع مظاهر الظلم بحق الشعب السوري أن يُقال له من قبل الدول المنخرطة في المقتلة السورية إن حل المشكلة السورية لم يتحقق لأنه لا يوجد بديل لبشار

بغض النظر عن الدور الوظيفي الذي تقوم به منظومة الاستبداد في المنطقة، ورغم أن رأس هذه المنظومة يعاني من فقدان سيادته على أرض سوريا، ورغم أنه موضع استخفاف من قبل داعميه وأعدائه على السواء؛ ورغم ما اقترفت يداه بحق مواطنيه العزل حيث فعل اللامُتَوَقَّع تدرجاً من الرصاص للقنابل للمدافع والدبابات والصواريخ والبراميل والطائرات وصولاً للكيماوي السلاح المحرم، فإن منظومة الاستبداد مازالت تتمتع بالحصانة الدولية حتى تاريخه. فهل موقع سوريا الجغرافي في المكان الخطأ وفي هذا المفصل التاريخي الخاطئ هو الذي جرَّ على أهلها أسوأ الحكام الذين فعلوا بأبناء جلدتهم مالم يفعله أشد أعدائها؟!

ولعل أبشع مظاهر الظلم بحق الشعب السوري أن يُقال له من قبل الدول المنخرطة في المقتلة السورية أن حل المشكلة السورية لم يتحقق لأنه لا يوجد بديل لبشار! عجباً؛ هل نضبت أرحام السوريات الطيبات اللاتي أنجبن فيليبوس العربي وزنوبيا ويوسف العظمة! من المحال إعادة هذا الشعب الذي تحرر من أصفاد الخوف الدفين وانتفض بوجه أعتى منظومة استبداد، إلى قمقمه ثانية. إن الشعب السوري الذي امتهن الصبر، والذي عانى كل أنواع الظلم من منظومة استبداد سوف يُعمل العقل والإرادة والإنصاف والوحدة كي يُسرّع الخلاص من كعب أخيل هذه المنظومة. وفِي النهاية، كل مَن يعلق مصالحه على شماعة "أخيل" سيخسرها ويخسره في آن معاً؛ هذه صيرورة التاريخ وقانونه الطبيعي لا التلفيقي أو المفبرَك.