icon
التغطية الحية

كسوة العيد في دمشق.. ماذا تقول اختيارات العائلات عن الواقع المعيشي؟

2026.03.19 | 22:36 دمشق

آخر تحديث: 2026.03.19 | 22:39 دمشق

سوق الاطفائية للبالة بدمشق (تلفزيون سوريا)
دمشق ـ زيد قطريب
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- أسواق "البالة" في دمشق أصبحت الخيار الوحيد للعديد من العائلات مع اقتراب عيد الفطر بسبب ضعف القدرة الشرائية وارتفاع الأسعار، حيث يبحث الأهالي عن ملابس منخفضة الثمن لأطفالهم رغم أن المعروض غالباً ما يكون بالياً أو متضرراً.

- التفاوت الطبقي واضح في أسواق "البالة"، حيث تُخصص الملابس الأفضل للمحال بينما تُترك الأقل جودة للبسطات، مما يكرّس فجوة بين أصحاب الدخل المحدود ومن يملكون قدرة مالية أعلى.

- رغم الظروف الاقتصادية الصعبة، يحاول السوريون التكيف والتمسك بالتفاؤل، حيث تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن 80% من السوريين يعيشون تحت خط الفقر، مما يعكس تدهور القوة الشرائية وارتفاع التضخم.

تعكس مشاهد أسواق الألبسة المستعملة، المعروفة بـ"البالة"، في دمشق واقعاً معيشياً قاسياً مع اقتراب عيد الفطر، حيث تحولت هذه الأسواق منذ سنوات إلى خيار شبه وحيد لآلاف العائلات التي تسعى لتأمين كسوة متواضعة لأطفالها، في ظل ضعف القدرة الشرائية وارتفاع الأسعار.

في منطقة "الإطفائية"، إحدى أبرز مراكز بيع هذه الألبسة، تنتشر البسطات على الأرصفة وفوق السيارات، وتُعرض الملابس على شوادر أو قضبان معدنية. يقصد الأهالي المكان بحثاً عن قطع منخفضة الثمن، قد تمنح أطفالهم شعوراً بسيطاً بفرحة العيد.

	سوق الاطفائية للألبسة المستعملة بدمشق (تلفزيون سوريا)
سوق الاطفائية للألبسة المستعملة بدمشق (تلفزيون سوريا)

 

طبقات اجتماعية حتى في "البالة"

ورغم نداءات الباعة التي تروّج لأسعار تبدأ من "10 آلاف ليرة"، فإن الواقع يكشف أن غالبية المعروض يقتصر على ملابس بالية أو متضررة، ما يعكس حجم التنازلات التي يضطر إليها المشترون. وتبرز في هذه الأسواق ملامح انقسام طبقي واضح، حيث تختلف جودة وأسعار الألبسة وفق موقع عرضها، إذ تُخصص القطع الأفضل للمحال، بينما تُترك الأقل جودة للبسطات الخارجية.

ويكتفي أصحاب الدخل المحدود بالتجول بين البسطات المكشوفة بحثاً عن خيارات تناسب إمكاناتهم، في حين يتجه من يملكون قدرة مالية أعلى نسبياً إلى المحال الداخلية التي توفر تنوعاً أكبر، لكن بأسعار أعلى، ما يكرّس فجوة واضحة حتى داخل سوق الألبسة المستعملة.

	بسطات البالة مفرودة على السيارات (تلفزيون سوريا)
بسطات البالة مفرودة على السيارات (تلفزيون سوريا)

البسطات.. الخيار الأخير

وفي محاولة للعثور على "صفقة مناسبة"، يتنقل كثير من الأهالي بين الأزقة والأسواق المجاورة، غير أن الأسعار المرتفعة تعمّق شعور الخيبة. ويشير أحد الآباء إلى أن التوجه نحو أسواق الألبسة الجديدة لم يعد خياراً مطروحاً، في ظل محدودية الدخل، في وقت تبدو فيه حتى محال البالة خارج متناول كثيرين، ما يفرض الاكتفاء بما توفره البسطات.

يمضي الأهالي في التنقل عبر الحواري الضيقة المحيطة بـ"الإطفائية"، وصولاً إلى شارع "القنوات"، في رحلة غالباً ما تنتهي من دون تحقيق الهدف. فحتى المحال البعيدة عن الشوارع الرئيسية تعرض بضائع بأسعار لا تتناسب مع طبيعة المنطقة أو إمكانات الزبائن، ما يعكس فجوة واضحة بين الدخل المحلي والأسعار المطروحة.

سوق البالة في الاطفائية (تلفزيون سوريا)
سوق البالة في الاطفائية (تلفزيون سوريا)

 

ويجد محدودو الدخل، الذين لا يتجاوز متوسط رواتبهم نحو 90 دولاراً شهرياً، أنفسهم مضطرين للاعتماد على البسطات وحدها. هناك، تتدلى الملابس على العربات وتحت الشوادر، فيما يستمر البحث عن خيار مقبول. وفي كثير من الحالات، يغادر بعض الأهالي المكان من دون شراء أي شيء، بعد عجزهم عن تلبية احتياجات أطفالهم.

بين ضيق الحال وبصيص الأمل في أسواق "البالة"

رغم المشهد القاتم الذي يطغى على واقع كسوة العيد بين البسطات، تبرز أحياناً ابتسامات أو تعليقات ساخرة على وجوه السوريين، في محاولة للتخفيف من ثقل الظروف. إذ يحرص كثيرون على التمسك بروح التفاؤل، رغم صعوبة تأمين الاحتياجات الأساسية، في ظل أوضاع معيشية معقدة.

ويعبّر بعض الأهالي عن قناعة نسبية بما هو متاح، مقارنة بواقع أكثر قسوة يعيشه آخرون، ما يعكس حالة من التكيّف مع الظروف. وفي المقابل، يلفت حضور الأطفال، سواء كباعة أو مرافقين لذويهم، إلى جانب إنساني مؤلم، حيث تختلط البراءة بواقع اقتصادي ضاغط.

وفي ختام رحلة البحث، يضطر كثير من المتسوقين إلى العودة إلى الخيارات الأقل سعراً، على أمل العثور على قطع مناسبة قبل نفادها، في مشهد يلخص توازنًا هشاً بين الحاجة والإمكانات المحدودة.

أصحاب بسطات الأحذية بالفحامة يهربون من دورية المحافظة (تلفزيون سوريا)
أصحاب بسطات الأحذية بالفحامة يهربون من دورية المحافظة (تلفزيون سوريا)

 

دوريات المحافظة تلاحق بسطات الألبسة المستعملة

تواجه هذه البسطات حملات مستمرة من دوريات المحافظة، التي تصادر البضائع وتلاحق الباعة في الشوارع، ما يزيد من هشاشة هذا القطاع غير الرسمي الذي يشكّل مصدر رزق لآلاف العائلات، إذ تؤدي هذه الإجراءات إلى خسائر مباشرة للباعة، الذين يعتمدون على رأس مال بسيط، في وقت لا تتوفر فيه بدائل اقتصادية حقيقية.

تشير تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن انتشار تجارة الألبسة المستعملة يعكس تدهور القوة الشرائية وارتفاع معدلات التضخم، إذ يعيش نحو 80 في المئة من السوريين تحت خط الفقر.

تعكس هذه الأسواق صورة مركبة من المعاناة اليومية، لكنها في الوقت نفسه تكشف عن قدرة السوريين على الاستمرار والتأقلم، حيث تبقى كسوة العيد، مهما كانت بسيطة، هدفاً يسعى إليه الأهالي لإدخال الفرح إلى قلوب أطفالهم، ولو في أضيق الحدود.