كسر عضم: الدراما ذات السقف الوطيء

تاريخ النشر: 25.04.2022 | 05:25 دمشق

لا بد أن جمهوراً واسعاً من السوريين الذين ما زالوا يقبعون في مناطق أسر نظام الأسد الديكتاتوري يتابعون بشغف ومتعة المسلسل الدرامي السوري "كسر عضم"، ويتبادلون أحاديثهم بعد كل حلقة عن مستوى الجرأة العالي الذي يطرحه القائمون على العمل.

وصلت الدراما السورية في مرحلة ما قبل ٢٠١١ إلى مرتبة عالية من المهارة الفنية والمحاكاة الاجتماعية التي جعلتها ركنا مهما في بيوت المنطقة العربية عموما. إذ تناولت مواضيع لم يسبق للدراما التلفزيونية أن تناولتها على هكذا مستوى من الجرأة والوضوح، ومن تلك الأعمال "غزلان في غابة الذئاب، ولعنة الطين، والولادة من الخاصرة"، ولكن هل يمكن لهكذا أعمال أن تلقي في وعي المشاهد الجرعة نفسها من الدهشة أو الصدمة بعد انطلاق الربيع العربي؟

يطرح مسلسل "كسر عضم" حسب صانعيه قضية أمراء الحرب وتفشي الفساد الذي ظهر من بعد انطلاق الثورة السورية، وكيف أن الفاسدين باتت لهم يدٌ عليا يتحكمون عبرها بحيوات الناس وأرزاقهم. إن المتابع لأعمال سابقة مثل غزلان في وادي الذئاب لا يرى على مستوى الطرح مادة درامية أكثر جرأة في مسلسل "كسر عضم"، بل ويمكن أن تكون أقل جرأة من الأول. بمعنى أن كل ما مرت به سوريا خلال الثورة لم يسمح بتنازل من قبل الدولة-النظام في سوريا في مجال حرية التعبير على غرار ما يحدث أحياناً في مراحل الحروب والاضطرابات التي تتنازل فيها الفئات الحاكمة قليلا لصالح طبقات اجتماعية أخرى في جانب الحريات والحقوق مقابل الخسائر التي تكبدتها تلك الطبقات.

يطرح المسلسل - كما سبق - الفساد على أنه أحد مفرزات الحرب، وليس السياق العام للدولة – النظام في سوريا. ويصر صانعو المسلسل أيضاً على تبرئة كل رجالات النظام دون استثناء

المسلسل الصادم والمدهش في آن معا في طرحه بالنسبة للسوريين تحت سقف الأسد يبدو مبتذلاً وباهتاً وتم توظيفه لخدمة آلة الفساد الحقيقية في سوريا بالنسبة للسوريين الذين نجوا من معتقل الأسد الكبير، والذين علا سقفهم وزادت قدرتهم على التعبير.

يطرح المسلسل - كما سبق - الفساد على أنه أحد مفرزات الحرب، وليس السياق العام للدولة – النظام في سوريا. ويصر صانعو المسلسل أيضاً على تبرئة كل رجالات النظام دون استثناء، فالشخصية الرئيسية "الحكم" التي لعبها الممثل فايز قزق تجسد مسؤولاً في الدولة السورية، يواجه مسؤولين آخرين، ويدخل معهم في صراع، ويسعى لترقية أعلى، ولكن هؤلاء المسؤولون الآخرون مجهولون تماما كالحكم. فهو ليس ضابطاً في الجيش، وليس رئيساً لفرع أمني، ويدير الأمور في معظم الأحيان من منزله أو مكتبه. يمتلك سيارات مرافقة ولكنه لا يمتلك مكاناً محدداً بعينه، شخصية هلامية يمكن لها أن تكون مكان أي مسؤول سوري، وفي الوقت نفسه لا يمكن أن تكون مكان أي منهم. هو فاسد خارج عن السياق، يخشى ويخاف أن يشعر به الآخرون، يبني منظومة فساد خاصة به، ويحارب بها دولة يبدو أنها لا ترضى بفعله. خصمه الرئيسي تاجر دمشقي على الأغلب، يعمل في مجال المخدرات وتهريب الأدوية الفاسدة. أيضاً لا ملامح لذلك التاجر، ليس سوى تاجر سيوصله الحكم لحبل المشنقة بتهمة أدوية فاسدة. هذا الخط في المسلسل يقول إن التاجر الفاسد إذا ما وقع، فلن يتمكن أحد من تخليصه من حبل المشنقة، فالدولة ترفض هذا الفساد.

في خط آخر حول الضابط الشريف، ابن الحكم. سينقل هذا الضابط في الحلقة الأولى مجموعة من الجنود الذي تعرضوا للإصابة نتيجة تفجير على الحدود إلى مشفى مدني، ليصرخ مدير المشفى رافضاً استقبالهم لأنهم "عسكريون"، مما يجبر ذلك الضابط على تهديد الطبيب بالسلاح حتى يقبل استقبالهم، ومن ثم يأتي ضابط آخر أعلى رتبة ينذر "الضابط الشريف" بعقوبة بسبب مخالفته لنظام الخدمة العسكرية. يقدم المسلسل صورة كاذبة بوقاحة لما يحدث على الأرض.

سيكشف تحقيق صحفي استقصائي في تشرين الأول/أكتوبر ٢٠١٣ عن شبكة لتجارة الأعضاء تورط فيها مجموعة من الأطباء العسكريين السوريين، وسيتحدث عن أسماء هؤلاء الأطباء والمشافي التي تتم فيها عمليات سرقة الأعضاء والدول التي يتم البيع فيها، وسيكون زعيم تلك العصابة أسداً آخر من العائلة المافيوزية، وهو مازن الأسد. تتم سرقة أعضاء المعتقلين وغالبا تتم تصفيتهم بعد ذلك، ويتحدث التحقيق عن أن تلك العمليات تتم في مشفى ٦٠١ ومشفى تشرين العسكري ومشفى المجتهد في دمشق. بعد تسع سنوات من التحقيق سيتناول مسلسل "كسر عضم" خطاً درامياً يتحدث عن تجارة الأعضاء، والتي لا يمكن لها أن تتم في سوريا، يقوم بها سماسرة سوريون من المجتمع، ولا دخل للدولة – النظام بهذه الجريمة، بل إن العمليات تتم في بيئة غير آمنة صحية وخارج الحدود السورية.

في المسلسل شخصية "سومر" شاب معارض، في سياق الجدال بينه وبين رفيق سكنه "علاء" يعيره الأخير بتبعيته لإسطنبول و"الباب العالي"، ولا يستطيع هذا الشاب الرد عليه. هو نفسه هذا الشاب المعارض مستعد لبيع أعضائه من أجل الهجرة، ومن يبيع أعضاءه يسهل عليه بيع الوطن.

عبلة والتي تؤديها الممثلة "كاريس بشار" تجسد شخصية زوجة مسؤول تم قتله على يد "الحكم". تتمتع عبلة بسلطة واسعة وعلاقات نافذة. لا يناقش المسلسل تلك السلطات التي تتحصل عليها عبلة، فهي امرأة طيبة، تساعد الآخرين، وتقف في وجه الفساد. الفساد في حدوده العامة بات لدى السوريين بمن فيهم صانعو العمل أمراً طبيعياً، لدرجة عدم الاكتراث به، فمشكلة الحكم في النص الدرامي مقابل عبلة غير مرتبطة بالفساد، وإنما بثنائية درامية منذ عصور الإغريق، صراع بين الخير والشر. الفساد هنا فساد لصالح الخير أو الشر. الفساد أداة حيادية يمكن أن تخدم غاية نبيلة.

في النهاية هناك رمزية لا بد من عدم تجاهلها. في كل مكاتب الضباط والمسؤولين تظهر صورة بشار الأسد، وقد يبدو الأمر عرضياً، وقد يكون كذلك، لكنه في الوقت نفسه يرسل رسالة مفادها، أن الأسد أعلى من ذلك الصراع

إن صانعي المسلسل والعاملين فيه جزء من المجتمع السوري الذي ما زال يقبع تحت حكم النظام الديكتاتوري، وجزء محاب لهذا النظام، ويبدو أن القيم التي يتبنونها ما زالت تلك التي تدعم بيئة سلطوية ذكورية، فالمرأة في المسلسل هي الحلقة الأضعف، التي لا حول لها ولا قوة بدون الرجل، التي يمكن أن يأتي أي نذل ليخبرها بقدرته على إجبارها على الزواج وتشغيلها في الدعارة لعدم وجود رجل يحميها. تستمد المرأة في المسلسل وعلى لسان كاتبه قيمتها من شكلها فحسب. في نقاش بين "سومر" و"علاء" الطالبين الجامعيين، يحاول أحدهما أن يصحح للآخر مفهوم جمال المرأة وجاذبيتها، ويصر على أنه ليس في اللون، وطبعا ليس في ذكائها، أو سلوكها، أو إنجازها، وإنما بأن يتناسب لون البشرة مع الملامح. هنا تكمن القيمة الجمالية للمرأة.

في النهاية هناك رمزية لا بد من عدم تجاهلها. في كل مكاتب الضباط والمسؤولين تظهر صورة بشار الأسد، وقد يبدو الأمر عرضياً، وقد يكون كذلك، لكنه في الوقت نفسه يرسل رسالة مفادها، أن الأسد أعلى من ذلك الصراع، يتفق عليه الشرفاء والفاسدون، لا دخل له بالفاسدين ولو وضعوا صوره على جدرانهم، فهو يقاوم مجتمعا فاسدا يتسلل عناصره للدولة – النظام الطاهرة. هو موجود في كل مكتب وفي كل زاوية، هو سقف الوطن بمحاسنه ومساوئه، وهو الذي يمثل تلك الدولة – النظام التي ابتليت بمجتمع فاسد.

يمكن لكثير من الذين ما زالوا تحت الحجز في سوريا أن يروا في مسلسل "كسر عضم" نافذة تعبر عنهم في حربهم الشعواء ضد الفاسدين وأمراء الحرب، لأن حربهم ما زالت هناك في الأسفل، أما الذي تحرروا من قيد النظام، فسقفهم أعلى بكثير، ينظرون لتلك الحرب التي يصطنعها صناع المسلسل على أنها أسفل، أسفل كثيراً في القاع، حيث كل ما يعرض هناك ابتذالاً وتغطية لجرائم حقيقية تحدث على مستويات أعلى، أعلى حتى من الصورة التي تزين مكاتب شرفاء مسؤولي الدولة – النظام وفاسديهم.

انضم إلى قائمتنا البريدية ليصلك أحدث المقالات والأخبار