كراماتنا المهدورة

كراماتنا المهدورة

كراماتنا المهدورة

تاريخ النشر: 04.03.2021 | 23:56 دمشق

آخر تحديث: 06.03.2021 | 08:30 دمشق

في مثل هذه الأيام، منذ سنوات عشر، تجرأ سوريون كثر على الخروج من بيت الطاعة الأسدي، ونزلوا إلى شوارع مدن سورية عديدة يهتفون بشعارات ثورتهم المنشودة، محاولين أن يتبعوا نفس الخطوات التي مشاها رفاقهم في دول الربيع العربي، وإن اختلفت الشعارات قليلا، فإن كان في مصر شعار (عيش حرية عدالة اجتماعية)، حيث أن (العيش) هو الخبز، فإن الخبز لم يكن وارداً في شعارات الثورة السورية، كانت سوريا فعلا (أم الفقير) كما سماها أبناؤها دائما، ولهذا ربما اخترع السوريون الثائرون هتاف (يا بثينة ويا شعبان الشعب السوري مو جوعان) إثر خروج نائبة رئيس النظام ذلك الوقت في مؤتمر صحفي للحديث عن زيادة مرتقبة في المرتبات، وكأنها بذلك كانت تقول للسوريين الثائرين: عودوا إلى منازلكم سوف نطعمكم قريبا.

بيد أن مطالب السوريين الثائرين كانت مختلفة عن حلول بثينة شعبان، كانت المطالب تتعلق بالتغيير السياسي، والعدالة الاجتماعية والدولة الديمقراطية المدنية العادلة مع كل أبنائها، كان مطلب (الحرية) هو الأول والأعلى في هتافات السوريين، إذ كانت سوريا تعيش في ظل قمع استثنائي، يمنع حرية الرأي منعا باتا، ما دام الرأي لا يتناسب مع خطاب النظام وشعارات النظام وتطلعات النظام، كل رأي مخالف ولو قليلا كان صاحبه معرضا لعواقب وخيمة، أمنية ومعيشية واجتماعية.

بيد أن مطالب السوريين الثائرين كانت مختلفة عن حلول بثينة شعبان، كانت المطالب تتعلق بالتغيير السياسي، والعدالة الاجتماعية والدولة الديمقراطية المدنية العادلة

من كان النظام غاضبا عليه، كان سيلقى نفس الغضب من المجتمع المحيط به، في تماه مهول مع النظام لا يفسره سوى (متلازمة استوكهولم)، حيث تتماهى الضحية مع جلادها، وتتعاطف معه، وتتبنى سرديته، سوريون كثر كانوا مصابين بهذه المتلازمة، التي اتضحت ملامحها أكثر بعد انطلاق الثورة، حيث وقف سوريون كثر مع النظام ضد السوريين الخارجين عن طاعته، ولم يتبنوا فقط، سرديته في أن الثائرين منخرطون في مؤامرة أصبحت كونية لاحقا، وإنما كانوا ذراعا ضاربة له، وقمعا مضافا لقمع مؤسسته الأمنية والعسكرية، كانوا بيئة خصبة لرفده بالقتلة والمجرمين والمستعدين لتأليف تواريخ جديدة عن معارضيه، تشوه سمعتهم وتتهمهم بالعمالة والخيانة، ولا تتورع عن وسمهم بكل الألقاب السيئة.

كانت الكرامة وقتها أن تستطيع، كسوري، الشفاء من تلك المتلازمة الماضوية، والانتماء إلى المستقبل الذي كان يفترض بالحاضر الثوري أنه يصنعه، غير أن (حساب الحقل لم يطابق حساب البيدر) كما يقول المثل السوري، لم تستطع الثورة أن تصمد أمام آلة القتل والإجرام التي استخدمها النظام السوري، سواء من داخل سوريا أو من خارجها، حيث استقدم كل القوى المؤيدة له لقتل الثورة بأكبر عملية إجرامية يمكن أن تقتل فيها تطلعات شعب ما. وفي الوقت نفسه استغلت القوى الظلامية، التي ظهرت على شكل كتائب وجيوش مسلحة وتحمل اسم الإسلام تحت كل راياتها، ما يحدث لتفرض وجودها، بتأييد خفي من النظام، وبترحيب من سوريين تعرضوا لكل صنوف القهر والتهميش والتجهيل والقمع ماضيا وحاضرا، حيث لم يبق لهم سوى الدين ملجأ يظنونه آمنا، وسوى أصحاب اللحى الطويلة واللباس الأسود حماة لهم.

بيد أنه سرعان ما تم الكشف عن نية الإسلام السياسي وأهدافه المتمثلة في الثورة المضادة، والتمويل المهول الذي وصل إليه ليجند في خدمته مثقفين يروجون له، ويجند أيضا خلايا تهدف إلى تشويه سمعة كل من يعترض على وجود هذه الكتائب والجيوش. وحدث ما يعرفه الجميع لاحقا، من تعاون بين النظام وحلفائه والإسلام السياسي بكل أنواعه على قتل الثورة السورية، وتحويل الحرية إلى قمع مضاعف وقيود جديدة مشددة في المجتمع السوري، أما حرية الرأي تحديدا، فأصبح عقابها القتل الفوري على يد كل الأطراف، لتسفح كرامة السوريين خلال السنوات السابقة في كل مكان، في الداخل السوري تحت سيطرة النظام، وفي الداخل الخارج عن سيطرته، وفي مخيمات اللجوء في دول الجوار، وفي الهجرة غير الشرعية التي باتت الحل الوحيد للسوريين، وفي الدول العربية التي تعامل جواز السفر السوري كما لو أنه قنبلة متفجرة للتو، وفي أخبار الفقر والجوع والتشرد وزواج القاصرات وتسريب ملايين الأطفال من التعليم، وفي جرائم الشرف في كل مكان، وفي تفاصيل أخرى كثيرة يشعرنا مجرد التفكير بوجودها بالغضب السلبي نتيجة العجز عن القيام بأي فعل ينقذ ما يمكن إنقاذه.

لعلهم وحدهم السوريون الذين استطاعوا الاستقرار في أوروبا وأميركا يشعرون بكرامتهم المصانة من قبل الحكومات التي استقبلتهم. المفارقة أن غالبية هؤلاء يقيسون مصطلح الكرامة على قياس حياتهم الحالية، ويعيشون حياة ثورية افتراضية متطهرة، لا يريدون الاعتراف بهزيمة الثورة، ولا بعجزها عن تقديم إجابات شافية عن كل ما حدث، ولا بفشلها الذريع عن تحقيق ولو هدف واحد من أهدافها، بل ما حصل هو العكس، أصبح سيف الثورة مصلتا على كل من ينتقدها لدى هؤلاء، على كل من يكتب رأيا مخالفا لطهرانيتهم الافتراضية، يمعنون فيه الإعدام الافتراضي ولا يتورعون عن تشويه سمعته واتهامه بالعمالة للنظام وبخيانة الثورة، في صورة لا مثيل لها عن تماهي معارضي نظام ما معه في منع حرية الرأي والتعبير، واستعادة رطانة شعارات النظام وشموليتها ومحاولات فرضها على الجميع. بل والإصرار على أن الثورة مستمرة، مطالبين ومتأملين من سوريي الداخل المطحونين بالقهر والذل والجوع والفقر أن يثوروا على النظام، متناسين تماما أن ثمة درجة من الإذلال تمارس على البشر تمنعهم حتى من التفكير بغير تفاصيل يومياتهم، فما بالك بشعب عاش حربا لمدة عشر سنوات متواصلة، خلفت ما خلفته من كوارث مادية ومعنوية ونفسية، سحقت معها الجميع!

الثورة مستمرة؟ لا بأس فليعد الجميع إذاً إلى سوريا متخلين عن أمانهم وكراماتهم التي يحتفون بها، وليقودوا موجة جديدة من موجات الثورة، تعيد الكرامات المهدورة لجميع السوريين، وتفتح السجون والمعتقلات ليخرج منها مئات آلاف السوريين الذين لا يعرف سواهم نوع ( الكرامة) التي عاشوا فيها خلال سنوات اعتقالهم واختفائهم، وليتم البحث عن المقابر الجماعية ليحظى شهداء الثورة بدفن يليق بالكرامة التي نرطن بها في شعارات افتراضية، الثورة تستمر في الداخل فقط، الخارج يبقى خارجا ما لم يعد، وأكاد أجزم أن لا أحد ممن أشهر سلاحه الافتراضي في الشتم والتخوين خلال الأيام الماضية سوف يعود إلى سوريا حتى لو تم ذلك بإشراف وضمانات دولية، لم تأكل الثورة السورية أبناءها، من أكلهم هم حلفاؤهم في نفس الخندق، وقبل أكلهم، مثلوا بجثثهم وسفحوا بكراماتهم الأرض، في عرض شديد البلاغة عن التماهي بين النظام ومعارضيه.  

 

مقالات مقترحة
شركة "فايزر" تتحدث عن جرعة ثالثة من لقاحها ضد كورونا
حمص.. ارتفاع عدد المصابين بكورونا بنسبة 30% عن الأشهر السابقة
منظمة الصحة تكشف حجم دعمها للإدارة الذاتية منذ بداية العام