"كأننا نعيش في صحراء".. الجفاف يهدد السوريين بالنزوح من مناطقهم

تاريخ النشر: 30.08.2021 | 18:56 دمشق

إسطنبول - وكالات

لطالما أنعشت مياه الفرات بستان الزيتون الذي يملكه خالد الخميس في شمال سوريا، لكن منذ بداية العام انخفض تدفق النهر وجفت مياهه على مساحة واسعة، فيبست أشجاره وبات من الصعب عليه حتى تأمين مياه الشرب لعائلته.

في قرية الرميلة في محافظة حلب شمالي سوريا، يقول خالد (50 عاماً) لوكالة الأنباء الفرنسية، "كأننا نعيش في صحراء.. حتى أننا نريد النزوح ونفكر بالهجرة لعدم توافر مياه للشرب أو مياه ري الأشجار".

ومنذ أشهر، يحذر خبراء وتقنيون ومنظمات إنسانية من كارثة في شمال سوريا وشمال شرقها حيث يمر نهر الفرات، قد تهدد سير العمل في سدوده. إذ من شأن تراجع منسوب المياه فيها منذ كانون الثاني، أن يؤدي إلى انقطاع المياه والكهرباء عن ملايين السكان، وبالتالي أن يزيد من معاناة شعب استنزفه نزاع دام مستمر منذ عقد، وانهيار اقتصادي حاد.

وبدلاً من الاهتمام بحقول الزيتون، يزرع خالد وسكان القرية اليوم الذرة واللوبياء على أرض جفت عليها مياه النهر، ويضيف خالد الذي له 12 طفلاً: "تمشي النساء سبعة كيلومترات لتعبئة قوارير مياه شرب للأطفال".

وتتهم "الإدارة الذاتية" تركيا بمنع المياه واستخدامها كسلاح ضد مقاتليها، الأمر الذي نفاه مصدر دبلوماسي تركي، وأعاد أسباب الجفاف إلى التغير المناخي الذي حذرت الأمم المتحدة في تقرير حديث من أنه سيؤدي إلى كوارث "غير مسبوقة" في العالم الذي تضربه موجات حرّ وفيضانات متتالية.

WhatsApp Image 2021-08-30 at 4.24.55 PM (2)_0.jpeg
صورتان التقطتهما وكالة الفضاء الأوروبية بالأقمار الصناعية الأولى (العليا) في الخامس من أيار 2020 والثانية (السفلى) في السابع من أيار 2021 خلال مهمة كوبرنيكوس سنتينيل-2 وتظهر تراجع منسوب المياه في سد تشرين في وسط سوريا الشمالي - وكالة الفضاء الأوروبية - AFP

 

وفي عام 1987، وقعت سوريا اتفاق تقاسم مياه مع تركيا تعهدت بموجبه أنقرة أن توفر لسوريا معدلاً سنوياً من 500 متر مكعب في الثانية، لكن هذه الكمية انخفضت إلى أكثر من النصف خلال الأشهر الماضية، ووصلت في فترات معينة إلى 200 متر مكعب في الثانية، وفق تقنيين.

"منسوب ميت"

ينبع نهر الفرات، أطول أنهار غرب آسيا، من جبال طوروس في تركيا ويتدفق منها إلى سوريا، من مدينة جرابلس في ريف حلب الشمالي مروراً بمحافظة الرقة شمالاً ومنها إلى دير الزور شرقاً، وصولاً إلى العراق.

وفي سوريا، بني سدان أساسيان على نهر الفرات هما سد تشرين في ريف حلب الشمالي، وسد الطبقة حيث تقع بحيرة سد الفرات الضخمة في ريف الرقة الشرقي.

WhatsApp Image 2021-08-30 at 4.24.55 PM (1).jpeg
صورتان ملتقطتان عبر الأقمار الصناعية من الجو وفرتهما وكالة الفضاء الأوروبية والتقطتهما مهمة كوبرنيكوس سنتينيل-2 (من اليسار إلى اليمين) الأولى في 25 من آب 2020 والثانية في 25 من آب 2021 تظهران تغير مستوى المياه في بحيرة سد الفرات - وكالة الفضاء الأوروبية/ AFP

 

وبحسب الوكالة، يغطي السدان 90 في المئة من حاجات شمال شرقي سوريا من الكهرباء، بما فيها التيار اللازم لمحطات ضخ المياه. ويهدد تراجع منسوب المياه اليوم عملهما.

ووفقاً للوكالة، يحذر مدير سد تشرين منذ 13 عاماً حمود الحمادين من "انخفاض تاريخي ومرعب" في منسوب المياه لم يشهده السد منذ بنائه عام 1999.

ومنذ كانون الثاني، تراجع منسوب المياه في السد خمسة أمتار. وفي حال استمراره بالانخفاض سيصل إلى ما وصفه الحمادين بـ"المنسوب الميت"، ما يعني أن تتوقف "العنفات بشكل كامل" عن العمل.

وعدا تراجع إمداد المنطقة بالكهرباء، توقفت عدة محطات ضخ مياه عن العمل، وفق الحمادين الذي نبّه إلى أن انخفاض منسوب المياه يهدد بارتفاع معدل التلوث ويعرض الثروة السمكية للخطر، قائلاً: "نحن نتجه إلى كارثة إنسانية وبيئية".

وبالنسبة إلى سد الفرات، تراجع منسوب المياه في البحيرة نحو خمسة أمتار، وبات يقترب من المنسوب الميت أيضاً، وفي كامل شمال شرقي سوريا، تراجع إنتاج الكهرباء بنسبة 70 في المئة لأن سدي تشرين والطبقة لا يعملان بالشكل المطلوب، بحسب ما صرح مسؤول "هيئة الطاقة في شمال شرقي سوريا" ولات درويش لوكالة الصحافة الفرنسية.

"سلاح المياه"

في سوريا، يمر الفرات بغالبيته في مناطق تحت سيطرة "الإدارة الذاتية" وذراعها العسكرية قوات سوريا الديموقراطية "قسد" المدعومة من واشنطن، لكنها تعد خصماً أساساً لتركيا التي تصنف أبرز مكوناتها وحدات حماية الشعب، مجموعة "إرهابية".

WhatsApp Image 2021-08-30 at 4.24.55 PM.jpeg
ثلاث صور التقطتها وكالة الفضاء الأوروبية عبر الأقمار الصناعية في مهمة كوبرنيكوس سنتينيل-2 في (من اليسار إلى اليمين)، 21 من آب 2019 و25 من آب 2020 و25 من آب2021 وتظهر تدفق نهر الفرات في وسط سوريا عبر بحيرة تشرين وسد تشرين وبحير سد الفرات - وكالة الفضاء الأوروبية/ AFP

 

وتتهم "الإدارة الذاتية" أنقرة بعرقلة تدفق نهر الفرات إلى سوريا وباستخدام المياه كسلاح للضغط عليها، كما اتهم نظام الأسد أيضاً تركيا التي تدعم منذ بداية الثورة أطرافاً في المعارضة السورية، بحجز مياه نهر الفرات وعدم الالتزام بالاتفاقية الموقعة في 1987.

إلا أن مصدراً دبلوماسياً تركياً قال لوكالة الفرنسية إن بلاده "لم تقدم يوماً على خفض نسبة تدفق المياه.. لأسباب سياسية أو أي أسباب أخرى". وأوضح أن المنطقة تواجه "أسوأ فترات الجفاف بسبب التغير المناخي"، مشيراً إلى تسجيل "أدنى مستوى تساقط أمطار منذ 30 عاماً على الأقل" هذا العام في جنوب تركيا.

ويُشكك الباحث في الشأن السوري نيكولاس هيراس في نية تركيا استخدام نهر الفرات كسلاح لصالحها، إذ من شأن ذلك أن يعقد علاقاتها مع الولايات المتحدة الداعمة لـ"الإدارة الذاتية"، ومع روسيا أيضاً أبرز داعمي نظام الأسد، التي تتشارك معها في عدة اتفاقات تهدئة داخل سوريا.

وأكد هيراس أن "سلاح المياه الأسهل، والذي استخدمته أنقرة مراراً، هو محطة علوك" بحسب تعبيره.

وأحصت الأمم المتحدة انقطاع المياه عن محطة علوك 24 مرة منذ عام 2019 ما ينعكس على حياة 460 ألف شخص يستفيدون منها في محافظة الحسكة.

"الجفاف مقبل"

ويعيد فيم زفينينبيرغ من منظمة "باكس" للسلام الهولندية غير الحكومية تراجع منسوب نهر الفرات في سوريا إلى مشاريع زراعية ضخمة وضعتها الحكومة التركية، وقد فاقم التغير المناخي الوضع سوءاً.

وقد أطلقت تركيا في التسعينيات مشاريع زراعية ضخمة في جنوب البلاد، وبات عليها اليوم وبسبب تراجع نسبة الأمطار أن تفعل المستحيل للحفاظ على كميات المياه ذاتها اللازمة لمشاريع الري. وقد يكمن الحل باستغلال كبير لمياه الأنهر.

ويقول زفينينبيرغ "الجفاف قادم لا محالة"، مشيراً إلى أن صوراً عبر أقمار صناعية تظهر "التراجع السريع في النمو الزراعي الصحي" في كل من سوريا وتركيا.

وقد حمل تقرير صدر الشهر الحالي عن خبراء المناخ في الأمم المتحدة البشر و"بشكل لا لبس فيه" مسؤولية الاضطرابات المناخية التي ضربت العالم وتهدده أكثر وبينها موجات القيظ والجفاف.

وحذرت الأمم المتحدة من أن فترات الجفاف ستصبح أطول وأكثر حدة حول البحر الأبيض المتوسط.

وقد صنف مؤشر الأزمات العالمية عام 2019 سوريا على أنها البلد الأكثر عرضة لخطر الجفاف في منطقة المتوسط.

 أمراض وعطش

في ريف الرقة الشرقي، بات انكماش بحيرة سد الفرات، أكبر البحيرات الصناعية في سوريا، الهم الأكبر لدى عمال سد الفرات من جهة والمزارعين من جهة ثانية.

وقال المهندس خالد شاهين الذي يعمل في سد الطبقة منذ 22 عاماً لوكالة الصحافة الفرنسية: "نحاول تخفيض كمية المياه التي تمر عبر السدود للخروج بأقل الخسائر الممكنة".

وأوضح أنه "إذا استمر الوضع على هذا الحال، من المحتمل أن نوقف توليد الكهرباء، وأن نغذي فقط المخابز والمطاحن والمستشفيات".

ويشكو المزارع حسين صالح العلي (56 عاماً) من قرية الطويحينة المجاورة من زيادة تكاليف ضخ المياه، قائلاً: "أشجار الزيتون عطشى والحيوانات جاعت، وبعد انخفاض منسوب المياه لم نعد نتحمل مصاريف الخراطيم ومولدات سحب المياه".

وباتت فترة قطع الكهرباء تلامس 19 ساعة يومياً في قريته، فيما مياه نهر يمر قرب قريته ملوثة.

وكان أكثر من خمسة ملايين شخص يعتمدون على النهر من أجل توفير مياه شرب نظيفة، لكنّ معظم المحطات التي كانت تتولى عملية تكرير المياه وتنقيتها باتت إما تعمل بتقطع أو توقّفت نهائياً.

وبات على السكان شراء المياه من صهاريج خاصة، تتم تعبئتها من نهر الفرات لكن من دون تنقيتها، في وقت تتراكم مياه الصرف الصحي ويزداد التلوث.

وحذر ائتلاف منظمات تعمل في شمال شرق سوريا من انتشار الأمراض الناشئة عن تلوث المياه في محافظات حلب والرقة ودير الزور، في حين تسبّبت مياه معامل الثلج الملوّثة بانتشار الإسهال في مخيمات النازحين.

ويتابع العلي: "باتت الناس مضطرة لأن تشرب من المياه الملوثة، ما أدى إلى ازدياد الأمراض بين سكان القرية".

نقص في الغذاء

يهدد تراجع منسوب نهر الفرات "المجتمعات الريفية على ضفافه والتي تعتمد بشكل أساسي على الزراعة والري"، وفق ما تشرح الخبيرة السورية في الأمن البيئي مروة داوودي.

وأتى الجفاف، وفق منظمات إنسانية، على مساحات زراعية واسعة تعتمد أساساً على مياه الأمطار، في بلد يعاني 60 في المئة من سكانه من انعدام الأمن الغذائي.

وأوردت الأمم المتحدة أن إنتاج الشعير قد يتراجع 1,2 مليون طن العام الحالي، ما يصعّب تأمين العلف للحيوانات خلال الأشهر القليلة المقبلة.

ويرجح بالانش أن تكون سوريا تواجه جفافاً قد يستمر سنوات لم تشهده منذ آخر موجة جفاف فيها بين عامي 2005 و 2010.

ويقول "سيضطر المزارعون خلال السنوات المقبلة إلى تقليص المساحات المزروعة" محذراً من أن سوريا كلّها "ستشهد نقصاً في الغذاء، وسيكون عليها أن تستورد كميات ضخمة من الحبوب".