قولٌ في الدراما السورية بعد السقوط.. حين يسبق السوق الذاكرة

2025.11.06 | 06:53 دمشق

366666654
+A
حجم الخط
-A

لم تكد تمرّ سنة واحدة على سقوط نظام الأسد حتى احتلت أخبار المشاريع الدرامية التي تتناول "زمن القمع" عناوين الصفحات الفنية في المواقع والصحف السورية.

وفي تحرّي أدوار الفاعلين في هذا المشهد - من كتّاب ومخرجين وفنانين - نجد أن بعضهم اشتغل على ثيمات مواجهة السلطة سابقًا، خارج سوريا، فيما يدخل آخرون فضاءً جديدًا عليهم، بعد أن تداعى الخوف من قول الحقيقة.

وتشترك مع هؤلاء شركات إنتاج لم تعد تخشى شيئًا، وتسعى بسرعة إلى اقتناص اللحظة التاريخية التي طال انتظارها. وفي أحاديث هؤلاء جميعًا تكررت العبارات ذاتها: "آن الأوان أن تُروى الحكاية"، "يجب أن نُعرّي الماضي"، "هذا وقت الحقيقة".

الشفاء من أوجاع المرحلة يحتاج إلى وقت وجهود كبرى من أجل التعافي، فإن الألم يتمّ تعليبه ويتحوّل إلى مادة درامية جاهزة أكثر من كونه سؤالًا مفتوحًا حول العدالة ومعناها.

لكن الجمهور الذي عاش ذلك الماضي يدرك أن الحقيقة لم تُكتب بعد، وأن الذاكرة السورية لا تزال تتلمّس طريقها في العتمة، الأمر الذي يقود إلى حكاية ناقصة لم تكتمل عناصرها كلها على مستوى الجماعة التي تعيش انقساماتها وتحاول تجاوز ما خلّفته في معيشتها جرائمُ الأسد وعصابته.

أُعلن رسميًا عن أعمال عدة، بعضها يتعاطى مع هذه الجرائم بشكل مباشر، وبعضها الآخر يتناول حكايات يمكن أن تحدث في أي وقت، لكن أصحابها يذكرون أنها تجري في الزمن الأسدي، لتكون هذه الإضافة إشعارًا للجمهور بأن العمل يريد أن يشارك في فضح الماضي وسرد قبائحه.

وتبعًا لذلك تتحدّد ملامح المشهد المقبل بتقدّم الحماسة الفنية واللهاث التسويقي، أكثر مما تقوده الرغبة في الفهم أو الاعتراف، الأمر الذي يجعل الصناعة الدرامية تبدو وكأنها أسرع من الوعي، كما أن السوق - أي العرض على شاشات الفضائيات المحلية والعربية - يبدو أسرع من الذاكرة.

لا يمكن لأي دراما أن تمثّل ذاكرة لم تتبلور. فالسوريون اليوم لا يملكون رواية مشتركة لما جرى؛ ما زالت الذاكرة مقسّمة بين الرواة وتحتاج إلى مراجعة حثيثة، بين منتصرين لم تتحدّد ملامحهم ولا حتى طبيعة انتصارهم، حيث ثمة كلام كثير عن أن الثورة لم تنتصر، بل تمّ تحقيق هدف واحد أساسي هو إسقاط النظام المجرم، ويجادل كثيرون بأن تحقيق أهداف الثورة ما زال أمرًا بعيد المنال!

وأيضًا بين ضحايا لم يصلوا بعد إلى العدالة المنشودة والمؤجلة، فباتوا وكأنهم خاسرون، وأصحاب حقوق يبحثون عمّن يعيدها إليهم، وعائلات تتنادى بين حين وآخر، لتقف وهي تحمل صور المفقودين، لتذكّر بأنها تريد أن تصنع لهم قبورًا بعد أن تأكّد موتهم قتلى تحت التعذيب، لكن آثارهم ضائعة في المقابر الجماعية التي يُعثر كل يوم على واحدةٍ منها أو اثنتين!

الوجع في صورته العامة يبدو واحدًا، لكن لغاته متباينة وتفاصيله شتّى، ومع ذلك بدأت الكاميرات تقترب من هذا الحقل الملغّم كما لو أنه صار متاحًا، وكأن سقوط النظام يعني تلقائيًا أن كل شيء صار قابلًا للحكي والتمثيل. رغم أن صنّاع الفن الأصيلين يعرفون أن الحكاية لا تبدأ بانتهاء السلطة القامعة، بل ببدء الوعي بما خلّفته في الواقع من جرائم وندوب لا يمكن تجميلها في الوعي.

لهذا يبدو ما يُحضّر له اليوم أقرب إلى محاولة لتأويل الماضي أكثر من كونه رغبة في سرده. فالمخرج والكاتب والمنتج، كلٌّ منهم يقدّم نسخته عن الحقيقة قبل أن تتفق البلاد على شكلها.

الأعمال المُعلَن عنها، مهما اختلفت في الأسلوب، تشترك الآن في استعجال الذاكرة. وطالما أن الشفاء من أوجاع المرحلة يحتاج إلى وقت وجهود كبرى من أجل التعافي، فإن الألم يتمّ تعليبه ويتحوّل إلى مادة درامية جاهزة أكثر من كونه سؤالًا مفتوحًا حول العدالة ومعناها.

لا يمكن محاكمة أعمال لم تظهر للجمهور طبعًا، لكن هذا التدافع في "استلهام" مأساة السوريين الكبرى يثير قلقًا مشروعًا: ماذا لو تحوّلت الجرائم التي عشناها إلى مجرّد خلفية عاطفية أو وسيلة لاستدرار التعاطف؟ وماذا لو دخلنا مرحلة "تطبيع الذاكرة"، حيث يصير كل شيء قابلًا للتمثيل المتكرّر قبل أن يصبح قابلًا للفهم؟

في المجتمعات الخارجة من الاستبداد، يسبق السوقُ الذاكرةَ دائمًا. فالصناعة الفنية تسعى إلى ملء الفراغ، إلى تقديم "النسخة القابلة للعرض" من المأساة. هذا الميل طبيعي من جهة، لكنه خطير من جهة أخرى، لأنه يحوّل التجربة التاريخية إلى سلعة رمزية تُستهلك قبل أن تُستوعَب.

إنّ تحويل الألم إلى منتج بصري قد يمنح الناس شعورًا زائفًا بالتحرّر، وكأن رؤية الصورة تعني تجاوزها. لكن في الواقع، الذاكرة تحتاج إلى مسافة زمنية وتأملٍ أخلاقي قبل أن تدخل مجال الفن. ودون هذه المسافة يصبح التمثيل الفني شكلًا من الاحتلال الجديد للذاكرة، إذ يفرض عليها معانيَ لم تخترها بعد.

الدراما المقبلة عن "زمن الأسد" ستكون بلا شكّ خطوة مهمة في تفكيك الصمت الطويل، لكنها قد تصبح أيضًا بابًا جديدًا للالتباس، إن لم تُكتب بوعيٍ تاريخي وأخلاقي حقيقي.

ربما نحن بحاجة إلى الصمت أكثر من الكلام، إلى تدوين الشهادات أكثر من كتابة السيناريوهات. إنّ العدالة الانتقالية والمساءلة واستعادة الثقة بالمجتمع، كلها يجب أن تسبق الدراما لا أن تليها. وإلا فإنّ الأعمال المقبلة، مهما حسنت نواياها، ستبقى تدور في فلك التبسيط والرمزيات السطحية، بدلًا من أن تكون مساحة للوعي بالكارثة.

إنّ سوريا الخارجة من نصف قرن من القمع الدموي لا تحتاج إلى دراما تُنتج الذاكرة، بل إلى ذاكرة تُنتج دراما. الفرق بينهما هو الفرق بين الشهادة والإنتاج، بين الوجع والحكاية، بين ما يُقال لأننا نريد أن ننسى، وما يُقال لأننا نريد أن نفهم، كي لا يتكرر الماضي في صيغة جديدة.

ربما آن الأوان أن نتريّث. فالدراما المقبلة عن "زمن الأسد" ستكون بلا شكّ خطوة مهمة في تفكيك الصمت الطويل، لكنها قد تصبح أيضًا بابًا جديدًا للالتباس، إن لم تُكتب بوعيٍ تاريخي وأخلاقي حقيقي.

إننا بحاجة إلى فنّ يخرج من رحم التجربة لا من غرف التسويق، إلى عملٍ يحترم الحقيقة ولا يختصرها، ويُبقي الجرح مفتوحًا بالقدر اللازم كي يُشفى، لا كي يُباع.

فما لم تُكتب الحقيقة بلغة الضحايا، ستظلّ الدراما تروّج لنسخها الخاصة من الألم، نسخٍ مهيّأة للعرض، لا للحياة ودروسها.