قوة الكلمات دور اللغة في صياغة العالم

قوة الكلمات دور اللغة في صياغة العالم

الصورة
images_16.jpg
14 كانون الأول 2019

محمد برو

مدير مركز صدى لاستطلاع الرأي والأبحاث

في حواره المتلفز في برنامج عصير الكتب، يتحدث الروائي الكبير إلياس خوري، عن حدث متفرد وربما يكون الأول من نوعه في الساحة الأدبية، من حيث تأثير الأدب على الوقائع الحياتية، فقد عمدت مجموعة من الشباب الفلسطيني، إلى بناء قرية سموها "باب الشمس" أسوةً برواية إلياس خوري "باب الشمس"، وذلك إثر هدم قريتهم من قبل الكيان الصهيوني، وكم كانت دهشته عارمةً، حين زُف إليه الخبرُ، فقد استطاع الأدب أن يجترح واقعاً محسوساً، وعلى رقعةٍ جغرافيةٍ محددة، وعلى العكس مما هو سائد، من أن الوقائع تنتج أدباً، ومنتجاً ثقافياً يوثقها، أو يتناولها بأشكال مختلفة.

فقد تم إنشاء قرية باب الشمس، في 11/1/2013 كتحدٍ مباشرٍ لمواجهة الاستيطان الإسرائيلي في القدس. وهذه المبادرة المدهشة قامت بها مجموعة مكونة من قرابة 250 شاباً وشابةً، من مدنٍ فلسطينيةٍ مختلفة، وبتضامنٍ من شباب من دول شتى، حيث نصبوا ما يربو على خمسين خيمةً، كبداية لإنشاء القرية في شرق القدس.

وبعودةٍ سريعةٍ إلى رواية "باب الشمس" ودورها فيما سبق ذكره، سنجد أن "إلياس خوري" قد استطاع ببراعةٍ عاليةٍ تكوين سرديةٍ متماسكةٍ وعادلة، لتشريح المأساة وبسط التغريبة الفلسطينية، وتفاصيل المعاناة الإنسانية، التي عاشتها

ربما تكون السردية التي تجلت في رواية "باب الشمس" من أفضل السرديات، التي أوصلت للعالم فداحة الظلم، الذي طال المجتمع الفلسطيني، والذي نتذكره كل يومٍ ونحن نتجرع آلام النكبة والنكسة والخذلان

الأسرة الفلسطينية، بدء من زمن العصابات الإسرائيلية إبان الاحتلال البريطاني لفلسطين، وصولاً إلى النكبة والنكسة، التي لحقت بالمنظمات الفلسطينية، وخروجها عنوةً من بيروت 1982.

ربما تكون السردية التي تجلت في رواية "باب الشمس" من أفضل السرديات، التي أوصلت للعالم فداحة الظلم، الذي طال المجتمع الفلسطيني، والذي نتذكره كل يومٍ ونحن نتجرع آلام النكبة والنكسة والخذلان، في بلدنا سوريا، وفي بلدان عربية أخرى.

مع هذا كله، وبالرغم من أن نظام الإجرام في سوريا، قد جاوز في عسفه ما فعلته إسرائيل، خلال ما يزيد عن سبعين سنةً مجتمعة، إلا أننا كسوريين، لم ننجُ حتى ساعتنا هذه، من هول الصدمة، فنؤسس مجموعة السرديات التي يمكن لها أن تكون أداتنا في عالمٍ مشرعة نوافذه، وما يزال إلى الآن يجهل في قطاعاتٍ واسعةٍ منه، ما يحصل على الأرض السورية، ويحمِّلُ الشطر الأكبر من جريرة ما يجري، على الضحية بدل الجلاد، وما زلنا نجهد إلى اليوم، ونحن نحاول أن نقنع أصدقاء لنا من تونس، أو المغرب أو أقطارٍ عربيةٍ أخرى، بأن نظام الفرد المستبد في سوريا، هو من دمر البلاد، وقتَّل وشرد ملايين السوريين.

وإذا جرت العادة، أننا نبني خرائطنا عن الوقائع والأحداث، (وبالتالي موقفنا منها)، تأسيساً على جملة المعلومات الواردة، وطريقة صياغتها، وبتعبير أقرب بحسب العبارات التي صيغ منها ذلك المشهد أو الحدث، فإننا سنصل إلى نتيجة مفادها، أن الموارد المختلفة والتفسيرات المختلفة، لن تنشىء خريطةً جمعية، أو خرائط متقاربة يمكن التأسيس عليها، أو اعتمادها كأساسٍ لأي مشروعٍ مقبل، من هنا تأتي أهمية بناء خرائط أو سرديات منسجمة، لدى جهة محددة كالمعارضة السورية أو العراقية، أو اللبنانية على سبيل المثال، وهذا بكل أسفٍ غائبٌ بشكلٍ كبير، بينما نجده عند عصابات الحكم منسجماً ومتماسكاً، بالقدر الوافي لقيامها واستمرارها وتشكيل صورتها لدى الآخرين. 

واليوم لو مررنا مروراً سريعاً بصفحات الإعلام العربي عموما، والصفحات التي تملأ الفضاء الإلكتروني، سنجدها تعج بآلاف القصص المروعة والمتضاربة، وعالية التشويش، الأمر الذي سيدفع المتابع للعزوف عن معظمها، وإسقاطها جملةً وتفصيلاً من حساباته، وإذا أطللنا بمسحٍ سريعٍ على الشبكة العنكبوتية، سنجدها تمطرنا كل برهة بسيل لا ينقطع من عبارات الكراهية، والحقد والرغبة بالانتقام وبأقذع عبارات التشنيع والعدوانية، بعضها مفهومٌ ويأتي في سياقٍ متسقٍ مع الوقائع المحايثة له، وهو انعكاسٌ محضٌ، للمشهد المزري لهذا العالم الذي نعيشه، لكن شطراً آخر مشحوناً بسوداوية النفوس المريضة، والتي تنشر نثار هذه الأسقام كيفما التفتت، ليصبح العالم من حولنا ضجيجاً لا يحتمل، من الشتائم والتهجم والتخوين، والتعالي والحرب الكلامية التي لا تفتر. 

ولو عدنا إلى سنواتٍ قريبةٍ خلت، لنتذكر كيف شاع مصطلح ذوي الاحتياجات الخاصة، محل مصطلح المعوقين، وشيئاً فشيئاً نكاد نلمس اختفاء المصطلح القديم، ليحل محله مصطلح أجمل وأبلغ وأكثر إنسانية.

لم يجر هذا التبديل أو الاستبدال بمحض الصدفة، بل هو نتاج تراكم خبراتٍ وجهودٍ، وزمنٍ وعملٍ مؤسساتيٍ، أفضى لشيوع المصطلح الجديد محل القديم.

وكما جرى منذ عقدين من الزمن، تكثيف التسخيف والنقد لنظرية المؤامرة، التي كانت من أكثر المنهجيات الشعبية شيوعاً، في تعليل التخلف والهزيمة، والتي مع وجودها الطبيعي (المؤامرة)، إلا أنها غير كافيةٍ لتفسير

سيكون مطلوباً من منابر الفكر والثقافة والإعلام، العمل على تنقية الفضاءات الصاخبة، من فوضى وقتامة بعض المفردات والمصطلحات التي شاعت

مسارات الوقائع المعاصرة، والتاريخ المنصرف، فقد يجدي نفعاً إنتاج ما يشبه مدونات السلوك، التي تعتمدها المؤسسات ذات الشأن المهم، وكذلك قاموس المفردات المستخدم الذي تعتمده بعض المؤسسات الإعلامية الرصينة، فتشير بشكلٍ مباشرٍ (لا تكتب كذا بل اكتب كذا)

ربما بذات الآلية، وبأهميةٍ ومسؤوليةٍ أكبر، سيكون مطلوباً من منابر الفكر والثقافة والإعلام، العمل على تنقية الفضاءات الصاخبة، من فوضى وقتامة بعض المفردات والمصطلحات التي شاعت، وعدم المشاركة في تعزيزها ونشر مفاعيلها، علًّها تسهم بشكلٍ تراكميٍ بصياغة أو صناعة عالمٍ أفضل.

شارك برأيك