قوائم المعتقلين الأخيرة تنكأ جراح 40 عاماً من المأساة

تاريخ النشر: 03.08.2018 | 20:08 دمشق

آخر تحديث: 18.08.2018 | 00:09 دمشق

تلفزيون سوريا - فراس محمد

أعاد إرسال نظام الأسد قوائم تضم آلاف الضحايا الذين قضوا في معتقلاته وسجونه لدوائر السجلات المدنية، قضية المعتقلين لواجهة الأحداث في سوريا.

فالأرقام المرعبة التي كشف عنها النظام والتي بلغت في مدينة صغيرة كداريا 1000 شخص، شكلت صدمة كبيرة ليس فقط لذوي المعتقلين بل لمعظم أبناء الشعب السوري الذي طالما اكتوى بهذه الجريمة التي طالت منذ عهد الأسد الأب وحتى عهد ابنه أغلب العائلات السورية على امتداد هذا الوطن.

فقضية الأعداد الكبيرة لضحايا المعتقلات نكأت من جديد الجرح القديم الجديد، والذي مازال مستمراً منذ أكثر من 47 عاماً، عندما أسس الديكتاتور الراحل حافظ أسد لحقبة جديدة في سوريا كان عنوانها الأساسي القمع الدموي والمجازر البشعة بحق الشعب السوري لتثبيت نظامه، بينما شكلت المعتقلات التي هي أقرب للمسالخ البشرية منها للسجون مكاناً لزج كل من عارض نظام الديكتاتور.

وبعد موت الديكتاتور أكمل وريثه في الحكم ما أسسه له والده بل يرى كثير من المراقبين بأن الابن فاق بدمويته ما اقترفه والده، وأكبر دليل على ذلك هذه الأعداد الكبيرة لضحايا المعتقلات التي تم الإفراج عنها أخيراً.

ومن هذا المنطلق فإنه لا يمكن الحديث عن الجريمة الأخيرة دون العودة لمن وضع حجر الأساس لهذه المأساة المستمرة،

مازال الآلاف من المواطنين السوريين مغيبين في سجون النظام منذ فترة الثمانينيات وحتى الوقت الراهن دون أن يعرف ذووهم عنهم شيئاً.

فالاعتقال السياسي كما يرى الشاعر والكاتب والمعتقل السابق حسن النيفي في حديثه لموقع تلفزيون سوريا "هي ظاهرة رافقت بدايات اغتصاب آل الأسد للسلطة في سوريا، ثم أصبحت ظاهرة متأصلة وسمة بارزة من سمات النظام الأمني في سورية، ومازال الآلاف من المواطنين السوريين مغيبين في سجون النظام منذ فترة الثمانينيات وحتى الوقت الراهن دون أن يعرف ذووهم عنهم شيئاً".

ويضيف النيفي " نستطيع التأكيد أنه منذ بداية الثمانينيات كان الضامن الوحيد لبقاء الأسد هي الفروع الأمنية التي جعلت من السجون السورية مقبرةً لمئات الآلاف من المواطنين، ويكفي أن نذكر سجن تدمر الذي كان من أكبر معاقل الموت، حيث يُزج فيه الآلاف من السوريين وتتم محاكمتهم ميدانياً، ومن تتم تصفيته يؤخذ إلى حفر جماعية في صحراء تدمر ويتم دفنه هناك، أما من يبقى حياً فيلاقي من أصناف التعذيب ما لا يخطر على بال بشر. حيث إن المعتقل هو مجرد رقم لا أكثر، وثمة صلاحيات ممنوحة للسجانين بقتل ما يشاؤون دون أية مساءلة أو حساب، وما نراه اليوم في عهد الأسد الابن لا يكاد يختلف من حيث المنهج عما أسسه الأسد الأب، فالثوابت الأمنية والإجرامية واحدة لا تتغير، وإن اختلفت الأساليب".

وعن شهاداته الحية للمآسي التي عايشها خلال فترة المعتقل يقول النيفي "تزدحم الذاكرة بالصور والأحداث في سجن تدمر، لكن من الأمور التي لا يمكنني نسيانها هي صديق مريض الكلى الذي لم يستطع تحمل الألم فاضطررنا أن ننادي للسجانين الذين انتفضوا جميعهم على صديقي المريض بعد أن طرحوه أرضاً وانهالوا عليه بأقدامهم وأحذيتهم العسكرية حتى فارق الحياة، كما أنني لا يمكن أن أنسى بأنه كان أمراً عاديا أن يقوم أي سجان بقتل أحد المساجين إن كان بقضيب حديدي أو بركلة على مكان قاتل حتى أصبح هذا المشهد عاديا جداً عند المساجين".

ربما تغير كثير من الأمور الشكلية بين عهدي الأسد الأب والابن لكن قضية المعتقلين كانت وما زالت أحد الثوابت الراسخة في عقلية هذا النظام، وهو ما يؤكده الضابط المجند محمد علي الأحمد الذي اعتقل في عام 2012 بتهمة محاولة الانشقاق ومساعدة بعض العناصر على الانشقاق من صفوف قوات النظام.

ويروي الأحمد خلال حديثه لموقع تلفزيون سوريا عن المآسي التي عايشها خلال اعتقاله في فرع المخابرات الجوية بحرستا من السجن الانفرادي الذي لا يتجاوز طوله المترين وبعرض متر و20 سم حيث كان مسجون فيه مع تسعة معتقلين آخرين، إلى عمليات التعذيب التي كثيراً ما كانت تنتهي بموت المعتقل.

وعن أساليب التعذيب التي عايشها يقول الأحمد "التعذيب في معتقل المخابرات الجوية كانت قاسية جداً لكن أشدها كان شبح المعتقلين في دورات المياه القذرة جداً، حيث يجبر بقية المعتقلين على قضاء حاجتهم وأمامهم شخص يأن من الألم وهو مشبوح ويريد قطرة ماء،

تحول موت المعتقلين بالنسبة لنا لحدث يومي وروتيني، وذلك في ظل حالة اليأس التي كانت تسيطر علينا بشكل لا يوصف، حيث كان أغلبنا ينتظر دوره في الموت.

أما أثناء التحقيق فهي مأساة أخرى حيث ينهال عدد من السجانين على المعتقل بالضرب بعد أن يضعوا تحته ماء وصابون كي يسقط على الأرض بحال حاول الوقوف، ويستمرون بالضرب على هذه الحالة حتى يفقد المعتقل وعيه أو ربما يموت بين يديهم".

وعن المشاهد المأساوية التي شاهدها في المعتقل يضيف الأحمد "أناس كثر كانوا يموتون في المعتقل، وهو أمر يومي ومعتاد في معتقلات فروع الأمن، وقد تحول موت المعتقلين بالنسبة لنا لحدث يومي وروتيني، وذلك في ظل حالة اليأس التي كانت تسيطر علينا بشكل لا يوصف، حيث كان أغلبنا ينتظر دوره في الموت، لكن رغم كل مشاهد الموت اليومية لا يمكن أن أنسى أحد الأشخاص المشبوحين أمامي وكان واضحاً أنه يلفظ أنفاسه الأخيرة، وبادرت بسؤاله عن اسمه بعد أن قلت له عن اسمي كي ينقل أحدنا لأهل الآخر نبأ وفاته بحال مات في المعتقل، لكنه لم يستطع أن ينطق، وفي اليوم الثاني وجدت هذا الشخص ملقى على الأرض وقد فارق الحياة".

ربما ما يرويه المعتقلون الذين خرجوا من هذه المسالخ البشرية ليس إلا فيض من غيض ما يعانيه المعتقلون إلى اليوم، لكن الحقيقة الأكثر إيلاماً وغصة هي أن الروايات الأكثر قتامة وقسوة هي التي دفنت مع أصحابها الذين لفظوا أنفاسهم الأخيرة تحت سياط جلاديهم.

مقالات مقترحة
تركيا تسجل انخفاضاً مستمراً في أعداد إصابات كورونا
كورونا يواصل انتشاره في الهند وتحذيرات من موجة ثالثة "حتمية"
 تركيا.. 10 ملايين شخص تلقوا جرعتين من لقاح كورونا