قمة اسطنبول: بين شراء الوهم وبيعه

قمة اسطنبول: بين شراء الوهم وبيعه

الصورة
23 تشرين الأول 2018

ليس وهما أن يتفاخر (شويغو) وزير دفاع بوتين بما فعلت طائراته في الساحة السورية؛ أو عندما يتحدث عما يقارب مئة ألف انسان قُتلوا بتلك الأسلحة، فهؤلاء من دم ولحم وأرواح، وما هم بوهم أو بقصة متخيلة. هؤلاء كانوا في المدارس والمشافي والأسواق والبيوت السورية، ومئتا ضعف هذا العدد – مثلهم – نجوا وفروا وتبعثروا كلاجئين خارج سورية وداخلها.

          هذا ليس وهما ولكن الوهم أن يسعى معلم (السيد شويغو) إلى إعادة تلك الملايين إلى سورية تحت يافطة "عودة اللاجئين" كي يقول للعالم إن روسيا أجهزت على الإرهاب في سورية؛ و"الدنيا ربيع"، والأسد في كل المواضيع؛ ولا ينقص سورية إلا عودتهم؛ والبدء بإعادة الإعمار؛ فالأمور تمام التمام. هذا بيع للوهم؛ ويبدو أن ليس هناك من يشتريه.

          ما من عاقل أو محترم أو فيه حس إنساني ويرغب أو يوافق على التشرد أو البعد عن تراب فيه رائحة

          هذا الثلاثي، بقيادة روسيا، يبيع وهما؛ ولكن أحدا لا يشتريه، فهذا الأحد يعرف بأن مخابرات النظام وميليشيات إيران والعصابات (التي نمت كمكبات النفايات في دولة عون وصهره) تنتظر هذا العائد لتحقق وتعذب وتعتقل وتهين وتبتز

الأحباب أحياءً كانوا أو أمواتا؛ والسوريون يعرفون المثل القائل: (من يخرج من داره يقل مقداره)؛ ولكن السؤال إلى أين يعودون؟ وتحت أية ظروف، وفي أية بيئة سيعيشون؟ عملياً، هم يُجلبون – حسب رغبة السيد بوتين والإيرانيين والنظام – من أجل إقفال الصفحة الأخيرة من كتاب إعادة تأهيل نظام الأسد؛ كما يعتقد هذا الثلاثي.

          هذا الثلاثي، بقيادة روسيا، يبيع وهما؛ ولكن أحدا لا يشتريه، فهذا الأحد يعرف بأن مخابرات النظام وميليشيات إيران والعصابات (التي نمت كمكبات النفايات في دولة عون وصهره) تنتظر هذا العائد لتحقق وتعذب وتعتقل وتهين وتبتز. ما ينتظر هذا العائد ليس إلا بيتاً مدمراً، وخدمات أكثر ندرةً من الأمان، وقوانين ومراسيم (10و 16) أصدرتها منظومة الاستبداد الأسدية بتوجيه ورعاية إيرانية تكبّل حاضره ومستقبله. ما ينتظره ليس إلا مجاميع من العصابات التي لا علاقة لها بدولة أو نظام أو أمان أو حقوق أو إنسانية.

          في هذا السياق، تشهد اسطنبول قمة رباعية يحضرها السيد "بوتين"، ويريد من خلالها إقناع نظرائه الفرنسي "ماكرون" والألمانية "ميركل" والتركي "أردوغان" بعودة اللاجئين السوريين، وبإعادة الإعمار. بداية شريكه في "أستانا" و "سوتشي" - الرئيس التركي- (بموقفه تجاه اللاجئين السوريين) سيراقب فشله بإقناع الشريكين الجديدين؛ وسيتمكن منه أكثر. وسيقول له الثلاثة بثقة ويقينية إن "طريقك مسدود مسدود" إن لم تتمكن من جلب نظام الأسد إلى عملية سياسية حقيقية تفضي إلى حل سياسي يوفر بيئة آمنة محايدة طبيعية لا يمكن تحققها مع الاستبداد وممارسات عصاباته الإجرامية.

          قمة اسطنبول محكومة بالفشل إذا وقف المؤتمرون على حقيقة عدم قدرة أو عدم رغبة السيد بوتين في جلب منظومة الأسد إلى عملية سياسية تفضي إلى حل عادل يؤمّن تلك البيئة الآمنة المحايدة اللازمة لتنفيذ ما يريده. يستلزم نجاحها الرغبة والإرادة البوتينية؛ حيث إن القدرة موجودة؛ فبقاء منظومة الأسد بيد روسيا حصراً، حتى لو عرقلت إيران ذلك. قوة بوتين كانت المساهم الأساس في اقتلاع تلك الملايين السورية التي يريد لها العودة الآن. ومن يجتمع مع السيد بوتين لن يساعده الآن على إعادتها، واحتمال اقتلاعها مرة أخرى على يد مَن شردها في المرة الأولى وما يزال قائماُ.

          هناك مهمة أخرى سيجد السيد بوتين نفسه أمامها وجهاً لوجه، وتتمثل بالمساهمة بإخراج إيران

يدخل الرباعي إلى قمة اسطنبول وفي أذهانهم أن أمريكا تعود بثقلها السياسي والدبلوماسي إلى القضية السورية مستندة إلى قوة عسكرية تتحكم بـ "سوريا المفيدة" فعلاً بنفطها وغازها ومائها وزراعتها

وميليشياتها من سورية؛ فإيران – برأي شركاء قمة استنبول يريدون هذا أن يحدث- وحجتهم وحجة غيرهم المحقة تقول إن ترويض منظومة الاستبداد وجلبها روسياً إلى عملية سياسية تتوق روسيا عبرها إلى "منجز سياسي" لن تكون إلا بإخراج إيران وميليشياتها من سورية؛ كي يعود أهلها إليها ولا يكونوا تحت رحمة العبث الإيراني في الديموغرافيا السورية؛ حيث إن هناك تأكيدات بأن إيران هي وراء القانونين 10 و16.

          يدخل الرباعي إلى قمة اسطنبول وفي أذهانهم أن أمريكا تعود بثقلها السياسي والدبلوماسي إلى القضية السورية مستندة إلى قوة عسكرية تتحكم بـ "سوريا المفيدة" فعلاً بنفطها وغازها ومائها وزراعتها. يدخلون وفي خلفية أذهانهم أن موسكو حتى اللحظة تتطلع إلى جنى سياسي يتعذر الحصول عليه إلا بالتماهي مع التوجه الدولي بناءً على القرارات الدولية في إيجاد حل سياسي تحول دون تحققه منظومة الاستبداد في دمشق.

          هكذا يمكن لروسيا أن تتوقف عن بيع الوهم وامتهان التكتكة، التي كان ثمنها دماً وخراباً وتشرداً سورياً؛ هكذا تعود إلى الاستراتيجية التي تمنحها إنجازاً سياسياً تتوق إليه. ما من عاقل يشتري الوهم والتكتكة الروسية. أمام روسيا فرصة حاسمة كي تحدد خياراتها استراتيجياً هذه المرة. أمامها إما أن تبقى في صف دولة مارقة كإيران زرعت العبث والخراب في محيطها؛ وتتابعان معاً حماية منظومة إجرامية قتلت شعبها وشرّدته؛ أو أن تنتظم في صف عالم يريد لسورية والسوريين أن يعودوا إلى سكة الحياة، ولكن دون سيطرة عصابة ستفعل بهم الشيء ذاته إن أرادوا حياة حرة كريمة.

شارك برأيك