قط السيدة كوليت

تاريخ النشر: 27.04.2021 | 06:47 دمشق

في تغريدات متواصلة، عبر المؤرخ الفرنسي دومينيك فيدال، وهو من مؤسسي صحيفة اللوموند ديبلوماتيك، عن شديد امتعاضه للغياب شبه الكامل للحدث الفلسطيني عن وسائل الإعلام المرئية الفرنسية. وقد كتب فيدال، وهو سليل أسرة يهودية فقدت جل أفرادها في غرف الغاز النازية، ومن أهم أنصار القضية العادلة للشعب الفلسطيني في فرنسا، بأن الصحافة الإسرائيلية نفسها، اليميني منها واليساري، لم تعتّم على المظاهرات الحماسية لأهل القدس الفلسطينيين وعنف قوات الأمن الإسرائيلية تجاهها، كما سلّطت الضوء على عنف وعنصرية الجماعات اليهودية المتطرفة تجاه الفلسطينيين.

وللإشارة إلى هذا التناقض الأخلاقي، فقد نوّه بخبر رئيسي نشرته صحيفة هآرتس اليسارية حول استخدام الشرطة الإسرائيلية للكلاب في الهجوم على المتظاهرين العزل مع تفاصيل تتعلق بإصابة أحد الشبان الفلسطينيين بجروح مختلفة إثر ذلك. وقد نوّه مقال الصحيفة الإسرائيلية إلى أن هذا الحدث لا يُشرّف إسرائيل في اليوم الذي يُصادف ذكرى الهولوكوست.

لا حديث لا في العنوان ولا في المتن عن فلسطينيين يتعرضون لاعتداءات لفظية وجسدية من قبل جماعات متطرفة يهودية

وفي عودة استقصائية للتغطية الإعلامية الفرنسية لهذا الملف، تبين فعلاً بأن تغطيته شبه معدومة، وإن تمت، فهي تستخدم أشد العبارات حيادية تجاه أطرافه. حيادية تصل في كثير من الأحيان لخلط الوقائع وتمويه التفاصيل. كأن يُشار إلى صدامات بين "مسلمين" و"يهود تقليديين" في القدس القديمة. فلا حديث لا في العنوان ولا في المتن عن فلسطينيين يتعرضون لاعتداءات لفظية وجسدية من قبل جماعات متطرفة يهودية، بل هم مسلمون يتواجهون مع يهود محافظين أو تقليديين وهذا لا يشير بأي حال من الأحوال إلى تطرف أو عنف الجهة الإسرائيلية. أما أسباب المواجهات وتفاصيلها، فهي غائبة حتما عمن يتذكر القصة من الإعلاميين بسطر قصير أو بجملة عبارة. فلا إشارة للاعتداءات المستمرة ولا إلى الانتهاكات المنظمة للمستوطنين أو أفراد الجماعات المتطرفة، وبحماية وقحة من أجهزة الأمن الإسرائيلي، لكل الرموز الوطنية والدينية الفلسطينية.   

يتناول الفرنسيون عموماً قصة "قط السيدة كوليت" الذي خرج ولم يعد، وهي إشارة ساخرة إلى سطحية الحدث، كأنه الخبر الرئيسي في النشرات الإخبارية التي يتابعها الملايين يوميا. وكانت الحال عليه كذلك في الفترة التي لم يكن الفضاء يتسع إلا للمحطات الأرضية قليلة العدد. أما اليوم، ومع تحرر الفضاء والأعداد الهائلة من المحطات الإخبارية الفضائية المتنافسة على العدد نفسه من المشاهدين، فيبدو أن "قط السيدة كوليت" لم يعد وحده من يجذب الاهتمام وإنما خلاف الجيران وصفعة الأب وسرقة شعير بقر المزارع. لقد توسعت التغطية الإخبارية التلفزية شكلاً وتشبثت بسطحية مواضيعها مضموناً.

إذاً، فتغطية الأحداث العالمية في التلفزة الفرنسية الأوسع انتشاراً، ضعيفة بالمقارنة مع دول أخرى وخصوصاً بريطانيا ومحطاتها الرئيسية الشهيرة. أما الصحف، فهي، وعلى الرغم من محدودية وصولها إلى عدد كبير من المتلقين على عكس التلفزة، فهي تفرد عموماً ما يناسب من المساحة لتغطية الأحداث الدولية. وفي الحالة المقدسية، فقر التغطية كان شاملاً لمجمل وسائل الإعلام على تنوعها. وإن تطرقت صحيفتان يساريتان للحدث بحذر ملفت، فلا يمكن تفسير ذلك إلا من خلال الضغوط التي تتعرض لها وسائل الإعلام من قبل بعض القوى النافذة والتي تحابي سياسات اليمين المتطرف الإسرائيلي، عن قناعة أو تملقاً، وتجعل من الإعلام الفرنسي أقل جرأة حتى من الإعلام الإسرائيلي نفسه.

في هذا الزمن الصعب، حيث اختلطت المفاهيم وتوزعت الاتهامات، صارت مسؤولية التعريف بالقضايا المشروعة والعادلة مضاعفة لأن مقاومة الحقيقة والاستهزاء بالقيم صارت هي القاعدة على أكثر من صعيد. ومن المؤكد أن هناك قنوات متخصصة تفرد لأحداث العالم مساحة واسعة إخباراً وتحليلاً، إنما نخبويتها تمنعها من المس بالجمهور الواسع الذي يعتمد على الأقنية العامة المشهورة، وهو الذي يُشكّل الرأي العام. ويمكن اعتبار الإهمال المقصود أو سواه لحدث بمثل أهمية الحدث الفلسطيني ليس محصور السبب بالضغوط التي تدفع بالإعلام إلى ممارسة الرقابة الذاتية، وإنما أيضاً بظاهرة "التعب" الذي يتحجج به البعض لضعف تناول القضايا الشائكة في العالم. تعبٌ يمكن أن يُبرّر الإهمال والتسطيح، ولكنها تبريرات ضعيفة عموماً، خصوصاً عند التعرف عن قرب أكثر بالمؤسسات الإعلامية وقوى الضغط المؤثرة.

بالمقابل، هل يتحمل الآخر حصراً المسؤولية؟ أليس من المنطقي التساؤل عما تقوم به الأطراف المعنية مباشرة من قيادات إعلامية وسياسية بتحركات على الساحة الغربية عموماً والفرنسية خصوصاً لنقل صوت وصورة الضحية؟ هل تتوقف الأطراف الفلسطينية الفاعلة والمهيمنة على القرار الشعبي عن نشر خلافاتها ذات الطابع السياسي أو المالي أو الشخصي مُفقدة بذلك القضية المقدسة تعاطفاً لازماً وضروريا؟  

إضافة إلى إهمال ما يحصل في القدس، أهمل الإعلام المرئي أيضاً موت 130 مهاجراً في غرق زورقهم في مياه المتوسط منذ أيام

وفي تأكيد على ما ورد في ملاحظة دومينيك فيدال، يعبر أستاذ العلاقات الدولية المعروف برتران بادي عن غضبه واستغرابه من الخفّة وانعدام المهنية في تغطية الحدث الفلسطيني خصوصاً والعالمي عموماً. ويقول: "صار الأمر مقرفاً، فإضافة إلى إهمال ما يحصل في القدس، أهمل الإعلام المرئي أيضاً موت 130 مهاجراً في غرق زورقهم في مياه المتوسط منذ أيام قليلة. حيث لم تُذكر كلمة واحدة في نشرة الأخبار الرئيسية على مختلف المحطات وإنما كان هناك تركيز على الإشادة بأحد الطباخين الماهرين".